
الجزء الثاني: السر اللي محمود خبّاه عني عشرين سنة
فضلت باصة للورقة، ومش قادرة أصدق إن محمود، الراجل اللي عشت معاه عشرين سنة، كان مخبي عني حاجة بالحجم ده.
إيدي كانت بتترعش، وكريم قاعد قدامي ساكت، مستني يشوف رد فعلي.
بدأت أقرأ:
«يا أم سارة…
لو إنتِ بتقرئي الكلام ده، يبقى أنا مشيت من الدنيا، والسر اللي فضلت شايله جوايا سنين طويلة لازم يظهر أخيرًا.
عارف إنك هتكرهيني لما تعرفي الحقيقة، ويمكن مش هتسامحيني أبدًا، لكن أنا تعبت من إني أعيش وأنا شايل الذنب ده لوحدي.
فاكرة اليوم اللي بنتنا مريم فيه؟
فاكرة لما الدكتور خرج وقال إننا عملنا كل اللي نقدر عليه، وإن الطفلة ماقدرتش تكمل؟
إنتِ وقتها كنتِ منهارة، وفضلتي أيام مش بتتكلمي مع حد.
لكن في حاجة ماعرفتيهاش…
مريم ما ماتتش بالطريقة اللي إنتِ فاهمها».
أول ما قرأت الجملة دي، حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
رفعت عيني ناحية كريم وقلت بصوت مخنوق:
— إيه الكلام ده؟ هو جوزي كان بيقول إيه؟
كريم رد بهدوء:
— أنا معرفش يا طنط، والله ماعرفش غير اللي شوفته في الورق.
رجعت أبص للرسالة وكملت القراءة.
«في الليلة اللي دخلت فيها مريم المستشفى، حصلت مشكلة كبيرة بسبب تبديل ملفات الأطفال.
الممرضة اللي كانت مسؤولة عن القسم قالت لي إن بنتنا حالتها اتدهورت، وبعد ساعات قالوا لي إنها
لكن قبل ما يطلبوا مني أمضي على الأوراق، دخل عليا راجل من إدارة المستشفى، وقال لي إن فيه خطأ حصل، وإن فيه طفلة تانية اتسجلت على إنها بنتنا.
وقتها طلبت أشوف مريم، لكنهم رفضوا.
قالوا إن الإجراءات اتعملت، وإن فتح الموضوع هيعمل مشكلة كبيرة للمستشفى.
أنا ماصدقتش كلامهم، وفضلت أدور ورا الحقيقة».
وقفت عن القراءة.
حسيت بدوخة شديدة، وحطيت إيدي على
مريم…
بنتي اللي كنت بزورها في المقابر كل سنة في عيد ميلادها، واللي كنت بعيط عليها في السر، يمكن تكون ما ماتتش؟
صرخت:
— يا محمود… إنت كنت عارف؟! كنت عارف إن بنتنا ممكن تكون عايشة وسكت؟!
كريم قرب مني وناولني كوباية مية.
شربت شوية، ورجعت للرسالة.
«بعد أسابيع من البحث، وصلت للحقيقة.
مريم كانت عايشة.
لكنها خرجت من المستشفى مع أسرة تانية، بعد ما حصل خطأ في الأوراق، والأسرة دي كانت فاكرة إنها بنتها.
لما عرفت عنوانهم، روحت أشوفهم من بعيد.
شوفت راجل وست ومعاهم طفلة صغيرة.
كانت عندها نفس العلامة اللي على كتف مريم، نفس العلامة اللي كنتِ بتقولي إنها شبه الهلال.
وقفت قدام بيتهم ساعات، وكنت عايز أخبط الباب وآخد بنتي في حضني.
لكن ماقدرتش.
لأنهم كانوا بيحبوها، وكانت عايشة وسطهم في أمان.
خفت لو ظهرت الحقيقة، حياتها ر».
وقعت الورقة من إيدي.
أنا مش قادرة أستوعب.
عشرين سنة!
عشرين سنة وأنا فاكرة إن بنتي ماتت، وجوزي كان عارف إنها عايشة!
بصيت لكريم وقلت:
— هو إنت تعرف العنوان؟ تعرف أي حاجة عن البنت دي؟
هز راسه وقال:
— لأ يا طنط، أنا أول مرة أسمع الكلام ده.
رجعت للرسالة، وكان فيه سطر أخير في الصفحة:
«لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.
الأسرة اللي ربت مريم ماكانتش أسرة غريبة زي ما إنتِ متخيلة.
الراجل اللي أخدها من المستشفى كان قريب مننا جدًا.
وإنتِ تعرفيه كويس…
لأنه كان الشخص اللي وثقت فيه أكتر من أي حد بعد وفاة بنتنا».
حسيت إن قلبي وقف.
مين الشخص ده؟
مين اللي كان قريب مننا لدرجة إنه يقدر ياخد بنتنا ويخبيها عننا كل السنين دي؟
قلبت الصفحة بسرعة، لكن لقيت جزء منها مقطوع، وكأن حد نزعه عمدًا.
فضلت أدور وسط الأوراق لحد ما لقيت ظرف صغير ملزوق في آخر الرزمة.
كان مكتوب عليه:
«افتحيه لما تكوني مستعدة تعرفي مين ربّى بنتنا».
فتحت الظرف، ولقيت صورة قديمة.
صورة لراجل شايل طفلة صغيرة، واقف قدام بيت في الإسكندرية.
أول ما شفت وش الراجل، صرخت من الصدمة.
لأن الراجل ده ماكانش غريب…
ده كان أخويا أنا!
أخويا اللي مات من خمس سنين!
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن محمود كاتب على ظهر الصورة جملة واحدة:
«أخوكي ماكانش بيربي مريم لوحده… كان فيه شخص تاني عارف الحقيقة من أول يوم، ولسه عايش لحد النهارده».
وفي نفس اللحظة، تليفوني رن.
كان اسم المتصل ظاهر على الشاشة.
سارة… بنتي الكبيرة.
رديت وأنا لكن أول كلمة قالتها خلتني أتجمد:
— ماما، إنتِ فتحتي الحاجة اللي كانت جوه الكنبة؟
سكتُّ تمامًا.
إزاي بنتي عرفت بموضوع الكنبة؟
وليه كانت بتسألني عن الرزمة قبل ما أحكيلها أصلًا؟
يتبع في الجزء الثالث…




