روايات وقصص

الجزء الرابع بقلم محمد عبده

## الجزء الرابع: الشخص اللي خان العيلة من سنين… والسر اللي أخفوه عني لحد النهارده!

فضلت باصص لندى، مش قادر أستوعب إننا بعد كل اللي اكتشفناه لسه فيه حد بيحاول يسبقنا بخطوة.

أمي كانت قاعدة على الكنبة، ووشها شاحب. عمّي حسن واقف جنب الترابيزة، والشنطة الجلد القديمة مفتوحة قدامه، والمحامي شريف بيحاول يفهم إيه اللي حصل بالضبط.

أما أنا، فكان كل اللي شاغلني سؤال واحد:

مين الشخص اللي سرق النسخة الأصلية؟ وليه كل الناس دي كانت مصممة تخبي الحقيقة عني؟

قربت من ندى وقلت لها:

— أنا مش هضغط عليكي، لكن لازم أفهم. إنتِ رحتي المكان ده ليه من غير ما تقولي لي؟

ندى نزلت عينيها، وبعدها بصت لسلمى اللي كانت قاعدة جنبها.

— علشان الشخص ده اتصل بيا امبارح بالليل. قال لي إنه معاه دليل يثبت إنك ممكن تخسر شركتك كلها، وإن لو حاولت أوصل للمستندات، بنتي هتكون أول واحدة تدفع الثمن.

حسيت بالغضب بيزيد جوايا.

— وصدقتيه؟

— أنا مكنتش عايزة أصدق أي حاجة، لكني كنت خايفة. أنا اتمنعت عن بنتي تلات سنين يا إبراهيم. كنت بشوفها من بعيد أحيانًا، ومكنتش قادرة أقرب منها. لما قال لي إن الموضوع ممكن يتكرر، خوفت أرجع لنفس الكابوس.

سلمى قربت من أمها ومسكت إيدها.

— ماما، محدش هيبعدني عنك تاني، صح؟

ندى حضنتها وقالت:

— لأ يا حبيبتي، مش هسيبك تاني.

بصيت للمحامي شريف وقلت:

— من النهارده، أي تهديد يخص سلمى هنتعامل معاه رسميًا. وعايز أعرف مين الشخص اللي بيتصل بندى، ومين اللي أخد المستندات.

شريف هز راسه.

— هنبدأ من سجل المكالمات، وهنراجع كاميرات المكان اللي كانت فيه ندى، وهنطلب من الجهات المختصة فحص أي دليل متاح. لكن مهم محدش يواجه أي شخص لوحده أو يحاول يسترجع المستندات بالقوة.

عمّي حسن قفل الشنطة وقال:

— قبل كل ده، لازم أقول لكم حاجة أنا ساكت عنها من سنين.

كلنا بصينا له.

أخد نفسًا طويلًا، وبدأ يحكي.

— قبل وفاة أخويا بشهر تقريبًا، أبوكم اكتشف إن فيه تحويلات مالية بتخرج من حساب أحد المشروعات من غير مستندات كافية. في البداية، افتكر إنها أخطاء محاسبية، لكنه لما راجع الحسابات بنفسه، اكتشف إن فيه مبالغ كبيرة بتتحرك من خلال شركة وسيطة.

سألته:

— والشركة دي كانت بتاعة مين؟

عمّي اتردد شوية، وبعدها قال:

— كانت شركة مسجلة باسم شخص قريب من العيلة، لكن المستفيد الحقيقي منها مكانش واضح في الأوراق.

المحامي تدخل:

— وهل عندك مستندات تثبت الكلام ده؟

عمّي فتح الشنطة مرة تانية، وطلع ملفًا صغيرًا.

— عندي نسخة من عقد تأسيس الشركة، وبعض المراسلات القديمة. لكن النسخة الأصلية من اتفاق الأسهم كانت عند أبوكم، وهو اللي احتفظ بيها في مكان محدش يعرفه غيره.

قلت له:

— وليه ماقلتش الكلام ده من الأول؟

عمّي بص لي بحزن.

— لأن أخويا طلب مني ما أتكلمش إلا لما تظهر أدلة حقيقية. كان خايف إن أي اتهام من غير دليل يدمّر العيلة. وأنا، بصراحة، فضلت ساكت زيادة عن اللزوم.

كنت غاضبًا منه، لكني كنت عارف إن الغضب وحده مش هيكشف الحقيقة.

طلبت من شريف ياخد نسخة من المستندات ويراجعها، وبعدها سألت عمّي:

— إنت قلت إن أبويا غيّر رأيه في آخر لحظة. كان ناوي يعمل إيه بالضبط؟

عمّي بص ناحية أمي.

أمي قامت من مكانها فجأة وقالت:

— كفاية يا حسن! مش كل حاجة لازم تتقال!

رد عمّي بحزم:

— لأ يا فاطمة، كفاية سكوت. الولد من حقه يعرف.

وبعدين التفت ناحيتي وقال:

— أبوك كان ناوي يعمل مراجعة شاملة لحسابات الشركة، وبعدها يعيد تنظيم الملكية والإدارة بطريقة تضمن إن محدش يقدر يستغل أموال الشركة لمصلحته الشخصية. وكان ناوي كمان يخصص جزءًا من أرباح أحد المشروعات لمؤسسة خيرية لرعاية الأطفال.

بصيت لأمي.

— يعني المستند اللي لقيته كان حقيقيًا من حيث فكرة المشروع، لكن حد غيّر تفاصيله؟

عمّي رد:

— ده احتمال وارد، لكن لازم خبير يفحص المستندات ويحدد الحقيقة. اللي أقدر أقوله لك إن أبوك كان مصرّ إن أي تغيير في ملكية الشركة يحصل بإرادته الواضحة وبإجراءات قانونية سليمة.

في اللحظة دي، المحامي شريف استأذننا ياخد المستندات لمكتبه، وطلب مننا نحتفظ بكل الأوراق الأصلية من غير ما نغيّر فيها أي حاجة.

وقبل ما يمشي، قال لي:

— يا إبراهيم، لازم تكون مستعد لاحتمال إن الموضوع ياخد وقت. إحنا عندنا مؤشرات مهمة، لكن إثبات المسؤولية محتاج تحقيقًا رسميًا، ومش هنقدر نعتبر أي شخص مذنبًا لمجرد إن اسمه ظهر في تحويل أو مستند.

وافقت، رغم إن جوايا كان فيه نار مش قادرة تهدى.

***

بعد ما المحامي مشي، قررت أتكلم مع أمي لوحدنا.

طلبت من عمّي وندى يقعدوا مع سلمى في الصالون، ودخلت مع أمي المكتب.

قفلت الباب، وقعدت قدامها.

لأول مرة في حياتي، كنت ببص لأمي ومش عارف أبدأ كلامي منين.

هي اللي سهرت عليّ وأنا صغير، وهي اللي كنت بجري عليها لما أخاف، وهي اللي كنت فاكر إنها مستحيل تكون سببًا في وجع بنتي.

قلت لها:

— يا أمي، أنا مش عايز أسمع تبريرات. عايز أعرف ليه عملتي كده في سلمى وندى.

أمي فضلت ساكتة فترة طويلة.

وبعدين قالت:

— بعد وفاة أبوك، أنا حسيت إن كل حاجة بتضيع من إيدي. الشركة كبرت، وإنت بقيت مسؤول عن كل حاجة، وخالد كان حاسس إنه أقل منك في كل شيء.

قلت لها:

— وده يبرر إنكم تحرموا بنتي من حقها؟

هزت راسها وهي بتعيط.

— لأ. مفيش حاجة تبرر اللي حصل.

الكلمة دي كانت أول اعتراف حقيقي أسمعه منها.

لكنها كملت:

— لما اتطلقت إنت وندى، أنا كنت مقتنعة إنها هتفضل تسيطر على حياتك من خلال سلمى. كنت خايفة إنك تبعد عننا، وإن كل اللي تعبنا فيه يروح لناس من بره العيلة.

رديت عليها بوجع:

— ندى مش غريبة، دي أم بنتي. وحتى لو كانت غريبة، سلمى بنتي، وحقها مش منّة من حد.

أمي غطت وشها بإيديها.

— أنا عارفة.

سألتها:

— طب الفلوس راحت فين؟

قالت بصوت منخفض:

— جزء منها راح لخالد، وجزء اتصرف على حاجات تخصني. كنت بقول لنفسي إن الفلوس دي هتفضل في العيلة في النهاية، وإنك هتقدر تعوضها بعدين.

حسيت بغضب شديد، لكني حاولت أسيطر على نفسي.

— وخمسة ملايين وأربعمائة ألف جنيه اختفوا من غير ما تسألي نفسك بنتي عايشة إزاي؟

أمي ماقدرتش ترد.

وبعد لحظات، قالت:

— كنت عارفة إنها مش بتاكل كويس، لكني كنت فاكرة إنك هتكتشف الموضوع قبل ما يوصل للدرجة دي.

الجملة دي كانت أقسى من أي اعتراف تاني.

يعني أمي كانت عارفة إن حفيدتها بتعاني، ومع ذلك سابت الوضع يستمر.

قمت من مكاني وقلت:

— أنا مش هقدر أسامحك دلوقتي. ومش هقدر أتصرف كأن مفيش حاجة حصلت. من النهارده، سلمى هتعيش في مكان آمن، وفلوسها وحقوقها هتتراجع قانونيًا. وأي حد يثبت إنه استغلها أو هددها هيتحاسب بالقانون.

أمي رفعت عينيها وقالت:

— حتى لو الشخص ده أخوك؟

رديت من غير تردد:

— حتى لو كان أقرب شخص ليا في الدنيا.

***

في الأيام اللي بعدها، بدأت حياة سلمى تتغير تدريجيًا.

كشف عليها الدكتور، وطلب إجراء بعض الفحوصات للاطمئنان على صحتها بعد فترة الإهمال اللي مرت بيها. ولما ظهرت النتائج الأولية، أكد إن البنت محتاجة تغذية منتظمة ومتابعة، وإن الأهم إنها تحس بالأمان وتبعد عن أي ضغط نفسي.

ندى انتقلت مع سلمى لمكان آمن، واتفقنا إن أي ترتيبات تخص رعاية بنتنا تتم بهدوء وبما يحقق مصلحتها.

كنت بحاول أعوض سلمى عن الأيام اللي فاتت، لكن كل مرة كانت بتسألني سؤالًا بسيطًا، كنت بحس قد إيه هي لسه خايفة.

في إحدى الليالي، كنت بقعد جنب سريرها قبل النوم، فسألتني:

— بابا، هو لو أكلت كتير، تيتة هتزعل؟

حسيت بغصة في حلقي.

مسكت إيدها وقلت:

— لأ يا حبيبتي. الأكل حقك، ومحدش هيعاقبك علشان جعانة. وإنتِ مش محتاجة تخبي الأكل أو تستأذني حد علشان تاكلي.

سلمى فضلت باصة لي شوية، وبعدها سألت:

— طب لو صحيت الصبح ولقيت ماما مشيت؟

حضنتها وقلت:

— ماما موجودة، وأنا موجود. وإحنا هنفضل نطمنك ونفهمك كل حاجة خطوة بخطوة.

نامت وهي ماسكة إيدي.

ولما خرجت من أوضتها، لقيت رسالة من المحامي شريف.

كان كاتب إنه وصل لمعلومة جديدة بخصوص الشركة الوسيطة اللي ظهرت في التحويلات القديمة.

اتصلت به فورًا.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى