روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

### الجزء الثاني

فضلت طول الطريق من إسكندرية لكفر الدوار ماسكة الملف الرمادي، وبفكر في الورقة اللي وقعت عيني عليها.

أبويا كان سايق وساكت، لكنه كل شوية يبصلي من المراية، لحد ما قال:

— إنتِ كويسة يا بنتي؟ أنا عارف إن اللي حصل مش سهل، بس أوعي تفتكري إنك لوحدك. أنا جنبك، وبناتك دول في رقبتي قبل ما يكونوا في رقبتك.

ماقدرتش أتمالك نفسي، وعيطت لأول مرة من ساعة ما خرجت من الشقة.

وصلنا بيت أبويا بعد نص الليل. أمي كانت مستنيانا، وأول ما شافتني نازلة من العربية والبنات في حضني، جريت عليا وفضلت تحضني وتعيط.

— يا حبيبتي! إزاي جلال يعمل فيكي كده وإنتِ لسه والدة؟ ده حتى مفيش رحمة!

لكن أنا ماكنتش عايزة أضيع وقت في العياط. كان عندي تلات بنات محتاجين رعاية، وواحدة منهم محتاجة فحص طبي عاجل.

تاني يوم الصبح، أمي أخدتني أنا والبنات للدكتورة، وبعد الكشف طلبت إعادة اختبار السمع لمريم، وعملت لنا جدول متابعة للوزن والتغذية بسبب الولادة المبكرة.

وفي نفس اليوم اتصلت بجلال.

رد بعد رابع رنة وقال بضيق:

— خير يا سهام؟ مش إنتِ وصلتي عند أهلك؟ عايزة إيه تاني؟

قلتله:

— عايزة أعرف هتتصرف إزاي في مصاريف بناتك.

ضحك بسخرية:

— ما أنا قولتلك هحول 3 آلاف جنيه.

— جلال، إنت مرتبك 68 ألف جنيه، وأنا عارفة كويس. البنات ليهم حقوق، ومش هقبل إنك تصرف عليهم المبلغ اللي إنت شايفه على مزاجك.

سكت لحظة، وبعدين صوته اتغير:

— إنتِ عرفتي منين موضوع المرتب؟

قلتله:

— دي مش مشكلتك دلوقتي. مشكلتك إنك فاكر إنك تقدر تتخلى عن بناتك بكلمتين.

قفل المكالمة في وشي.

بعدها بيومين، رحت مع أبويا لمحامي، وبدأنا نجهز الإجراءات القانونية الخاصة بالنفقة وإثبات حقوقي في الشقة.

وهنا كانت المفاجأة الأولى.

المحامي راجع الأوراق وقال:

— يا أستاذة سهام، إنتِ معاكي مستندات قوية جدًا. المبلغ اللي دفعتيه في مقدم الشقة مثبت بتحويلات بنكية، وعندك كمان ما يثبت مساهمتك في المصاريف. والأهم إن فيه ورقة هنا محتاجين نفهم ظروفها كويس.

طلع المحامي مستند قديم من الملف.

كان إقرارًا مكتوبًا بخط جلال وممضي منه، بيعترف فيه باستلام مبلغ 650 ألف جنيه مني للمشاركة في شراء الشقة، وإن المبلغ ده حق مالي ليا.

المفاجأة إن جلال كان فاكر إن الورقة ضاعت بعد ما نقلنا الشقة، لكنه ماكنش يعرف إني محتفظة بنسخة أصلية منها.

بدأت الإجراءات القانونية، وقررت أركز في بناتي بدل ما أضيع عمري في مطاردة شخص اختار أمه على أسرته.

مرت الشهور الأولى بصعوبة شديدة.

كنت بصحى كل ساعتين أطعم البنات، وأروح مواعيد الأطباء، وأتابع وزنهم، وأحاول أتعافى من العملية.

مريم احتاجت متابعة متخصصة، وبعد إعادة الفحوصات اتضح إنها عندها ضعف في السمع، وبدأنا رحلة العلاج والتأهيل بدري.

أبويا كان بيرجع من شغله يلاقي أمي شايلة بنت، وأنا شايلة التانية، والتالتة نايمة في سريرها.

كان يقول وهو بيضحك:

— أنا كنت فاكر إني هبقى جد هادي، طلعت بقيت ممرض في حضانة!

ومع مرور الوقت، البنات بدأوا يكبروا، وبدأت أستعيد قوتي.

أما جلال، فكان بيحول الفلوس كل شهرين مرة، وأحيانًا يختفي شهور كاملة.

وفي كل مرة كنت بكلمه، حماتي ترد بدلًا منه وتقول:

— ابني مش ماكينة فلوس، وبعدين إنتِ اللي اخترتي تمشي.

لحد ما جه اليوم اللي قررت فيه أبدأ حياة جديدة.

اشتغلت من البيت في مجال تصميم الملابس، وبدأت بمشروع صغير، وبعد فترة قدرت أفتح محل ملابس أطفال في إسكندرية.

كنت بشتغل بالنهار وأهتم ببناتي بالليل، وأمي كانت أكبر سند ليا.

مرت سنة، واتنين، وتلاتة.

وفي يوم عيد ميلاد البنات الخامس، كنت بجهز التورتة، وفجأة جرس الباب رن.

فتحت، ولقيت جلال واقف قدامي!

كان لابس بدلة أنيقة، وفي إيده تلات علب هدايا كبيرة، ووشه عليه ابتسامة حاول يرسمها بالعافية.

قال:

— كل سنة وإنتِ طيبة يا سهام.

بصيتله من غير أي رد.

قال وهو بيحاول يبص لجوه:

— البنات فين؟ أنا جاي أشوف بناتي، وحشوني.

ضحكت بسخرية وقلت:

— وحشوك؟ بعد خمس سنين افتكرت إن عندك بنات؟

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى