
— أنا عارف إني غلطت، بس الظروف كانت صعبة، وأمي كانت تعبانة، وإنتِ عارفة إنها كانت محتاجاني.
قلتله:
— وأولادك ماكانوش محتاجينك؟ وأنا لما كنت مش قادرة أقف على رجلي بعد الولادة، مين كان محتاجني؟
ماعرفش يرد.
وفي اللحظة دي، ظهرت ملك ومريم ونور من ورايا.
ملك بصت لجلال وسألتني:
— ماما، هو مين الراجل ده؟
اتجمد مكانه.
حاول يبتسم وقال:
— أنا بابا يا حبيبتي.
ملك بصتله باستغراب، وبعدين قالت الجملة اللي خلت ابتسامته تختفي تمامًا:
— بابا؟ هو بابا ده اللي بيجيب لنا هدايا في أعياد الميلاد، ولا اللي بيكون معانا لما بنخاف ونعيط؟
جلال نزل الهدايا من إيده، وفضل باصص لها من غير كلام.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن مريم قربت منه، وبصتله شوية، وبعدين قالت بصوت واضح:
— حضرتك بابا اللي ماما كانت بتعيط بسببه زمان؟
جلال وشه اصفر، وبصلي وكأنه مستني مني أنقذه من الموقف.
لكن قبل ما أتكلم، نور مسكت إيدي وقالت:
— ماما، هو ممكن ياخدنا منه؟ أنا مش عايزة أسيبك.
وقتها جلال فهم إن الموضوع مش مجرد خمس سنين غياب، وإن البنات اللي سابهم وهما لسه في الحضانة بقوا عندهم حياة كاملة من غيره.
لكنه ماكانش جاي بالهدايا بس…
كان جاي بطلب غريب، ولما قاله قدامي، حسيت إن الماضي كله رجع يفتح أبوابه من جديد.
لأن جلال ماطلبش يشوف بناته وبس، ده طلب مني أرجعله تاني!
يتبع…
### الجزء الثالث والأخير
وقفت قدام جلال وأنا مش مصدقة اللي سمعته.
بعد خمس سنين كاملة من الغياب، وبعد ما طردني وأنا لسه خارجة من عملية الولادة، واقف قدامي وبيطلب مني أرجعله تاني!
قلتله بسخرية:
— إنت بتتكلم بجد يا جلال؟ إنت فاكر إن الحياة زرار، تقفله وقت ما تحب وتفتحه وقت ما تحب؟
حاول يقرب مني وقال:
— أنا عارف إني غلطت، وعارف إنك شيلتي كتير، بس أنا اتغيرت. أمي توفت من سنة، ومن وقتها وأنا عايش لوحدي. الشقة فاضية، ومفيش حد في حياتي، وبدأت أحس إني ضيعت أهم حاجة عندي.
بصيتله وقلت:
— يعني لما أمك كانت موجودة، بناتك ماكانوش أهم حاجة عندك؟ ولما كانت بتقول إن عياطهم بيتعبها، كنت بتوافقها وتطردهم؟ إيه اللي اتغير دلوقتي؟
رد وهو بيحاول يبرر:
— كنت تحت ضغط كبير، ومكنتش عارف أتصرف إزاي.
قلتله:
— لأ يا جلال، إنت كنت عارف كويس إنت بتعمل إيه. إنت اخترت راحتك، واخترت ترضي أمك على حساب مراتك وبناتك.
في اللحظة دي، ملك ومريم ونور كانوا واقفين ورايا بيسمعوا الكلام.
جلال فتح علب الهدايا وقال:
— بصوا يا حبايبي، جبتلكم لعب وفساتين وحاجات حلوة. إيه رأيكم تيجوا معايا بكرة نقضي يوم جميل؟
ملك بصت للهدايا، وبعدها بصتله وقالت:
— إحنا عندنا لعب كتير يا عمو، وماما بتجيبلنا كل اللي نفسنا فيه.
جلال اتضايق من كلمة عمو، وقال:
— أنا مش عمو، أنا بابا.
مريم ردت بهدوء:
— بس إحنا مش فاكرين إنك كنت موجود لما كنا صغيرين.
الجملة دي كانت أقسى عليه من أي عتاب.
حاول يغير الموضوع، وطلع من جيبه تلات دلايات دهب صغيرة.
— دي هدية من بابا، عشان تفضلوا فاكريني.
نور مسكت إيدي وقالت:
— ماما، هو ليه عايزنا نفتكره دلوقتي؟ هو كان فين لما مريم كانت بتروح للدكتورة؟ وإنتِ كنتِ بتعيطي كل يوم من التعب؟
جلال بص لمريم، وبعدها بصلي، وقال بصوت مكسور:
— أنا ماكنتش أعرف إن مريم عندها مشكلة في السمع.
قلتله:
— وإزاي كنت هتعرف وإنت ما سألتش عنها مرة؟ إنت ماكنتش عارف حتى مين فيهم محتاج إيه، ولا مين فيهم بيخاف من الضلمة، ولا مين فيهم كان بيصحى بالليل يدور على حضن أمه.
سكت شوية، وبعدين قال:
— طيب اديني فرصة أعوض اللي فات. أنا عايز أكون أب لبناتي.
رديت عليه:
— الأبوة مش هدايا بتتجاب بعد خمس سنين، ولا فلوس بتتحول كل فترة. الأبوة مسؤولية ووجود واهتمام، ودي حاجات إنت اخترت تتخلى عنها بإرادتك.
وفجأة رن تليفونه.
كان المتصل المحامي بتاعه، وسمعته بيقوله:
— يا أستاذ جلال، لازم تيجي المكتب بكرة، لأن موضوع الشقة وصل لمرحلة مهمة، وفيه مستندات بتثبت حق سهام في المبلغ اللي دفعته.
قفل جلال المكالمة وبصلي بقلق.
قال:
— إنتِ لسه مصممة على موضوع الشقة؟ بعد كل السنين دي؟
قلتله:
— أنا مش بطلب منك صدقة، أنا بطلب حقي وحق بناتي. والموضوع مش هيتحل بالكلام ولا بالهدايا.
حاول يضغط عليا وقال:
— يعني إنتِ عايزة تفضلي تعاقبيني طول عمري؟
قلتله:
خرج جلال من البيت، وساب الهدايا مكانها.
وبعد أسبوعين، قابلته في مكتب المحامي، واتكلمنا في حقوقي المالية وحقوق البنات، واتفقنا إن كل حاجة تتوثق رسميًا، وإن أي تواصل يخص البنات يكون بطريقة تحافظ على استقرارهم وراحتهم.
أما الرجوع، فكان قرار انتهى من زمان.
مرت شهور تانية، وجلال بدأ يحاول يتواصل مع البنات بشكل منتظم، لكن المرة دي كان لازم يثبت بالأفعال إنه جاد، مش بمجرد الوعود.
وبالنسبة ليا، كملت شغلي ومشروعي، وبدأت أوسع المحل، وبناتي دخلوا المدرسة.
مريم اتحسنت حالتها مع المتابعة والتأهيل، وبقت بتتكلم بثقة أكبر، وملك طلعت شاطرة جدًا في الدراسة، أما نور فكانت أكتر واحدة بتحب تساعدني في المحل.
وفي يوم، كنا قاعدين سوا على السفرة، ملك سألتني:
— ماما، هو إنتِ زعلانة من بابا؟
فكرت شوية، وبعدين قلتلها:
— أنا مش عايزاكم تشيلوا كره لحد، بس عايزاكم تعرفوا إن اللي بيحبكم لازم يثبت حبه بأفعاله، مش بكلامه بس.
مريم مسكت إيدي وقالت:
— إحنا مش محتاجين حد يجيب لنا هدايا يا ماما، إحنا عندنا إنتِ.
حضنتهم التلاتة، وحسيت إن ربنا عوضني عن أيام كتير صعبة.
أنا خسرت زوج كان المفروض يكون سندي، لكن كسبت درس عمري ما هنساه.
مش كل اللي بيختار يمشي من حياتك يستحق إنك تفتحله الباب تاني، ومش كل اعتذار معناه إن الجرح اتنسى.
وفي النهاية، فهمت إن أكبر انتصار ليا ماكانش إني أثبت لجلال إنه خسرني، لكن إني قدرت أبني حياة آمنة لبناتي من غير ما أستنى منه ينقذنا.
النهاية.




