
الجزء الثاني والأخير نزل السائق بسرعة وفتح الباب الخلفي للسيارة، وفي اللحظة دي، كل العيون اتعلقت بالباب. ظهرت قدم لابسة حذاء أنيق، وبعدها نزلت ست بفستان راقي لونه أزرق ملكي، تصميمه بسيط لكنه غالي جدًا، وشعرها متصفف بعناية، وعلى إيدها ساعة فخمة.
كانت نورا!
لكن دي مكانتش نورا اللي مجدي فاكرها، ولا الست المكسورة اللي سابها من سنين.
كانت واقفة بثقة وهدوء، وملامحها فيها قوة وراحة نفسية، وكأنها ملكة داخلة قصرها.
لكن المفاجأة الأكبر لسه ما ظهرتش.
بعدها بثواني، نزل من العربية تلات أطفال، ولدين وبنت، أعمارهم حوالي خمس سنين، لابسين ملابس أنيقة ومتناسقة.
الولد الأول مسك إيدها اليمين، والتاني مسك إيدها الشمال، والبنت الصغيرة وقفت جنبها وهي بتعدل فستانها.
ابتسمت نورا ليهم وقالت بحنان:
“يلا يا حبايبي، خليكوا جنبي.”
واحد من الضيوف همس للي واقف جنبه:
“مش دي نورا؟ طليقة العريس؟”
رد التاني وهو مش مصدق:
“أيوه هي! بس إيه اللي حصل لها؟ دي شكلها بقت ست تانية خالص!”
أما مجدي، فكان واقف مكانه مش قادر يتحرك.
وشه اتغير، وابتسامته اختفت تمامًا.
داليا لاحظت نظراته، فسألته باستغراب:
“مجدي، إنت تعرف الست دي؟”
حاول يتماسك وقال بصوت متوتر:
“دي… دي مراتي السابقة.”
داليا بصت له بدهشة:
“طليقتك؟ إنت عمرك ما قلتلي إنها بالشكل ده!”
مجدي ما ردش، لأنه كان مشغول بحاجة تانية.
كان بيبص للأطفال التلاتة، وبيحاول يفتكر أعمارهم، وملامحهم اللي فيها شبه غريب منه.
وفجأة، واحد من الأطفال رفع عينه وبص ناحية مجدي.
الولد كان عنده نفس شكل عينيه، ونفس طريقة الابتسامة اللي كان بيشوفها في صور طفولته.
مجدي حس إن قلبه بيدق بسرعة.
قربت نورا من مدخل الفندق، والضيوف بدأوا يفتحوا لها الطريق باحترام.
واحد من منظمي الحفل استقبلها بابتسامة كبيرة وقال:
“أهلًا وسهلًا بحضرتك يا أستاذة نورا، إحنا سعداء جدًا بوجودك.”
مجدي استغرب طريقة استقبال الراجل ليها.
هو كان متوقع إنها تدخل مترددة ومحرجة، لكن اللي بيحصل قدامه كان عكس كل توقعاته.
نورا ابتسمت وقالت:
“شكرًا، ألف مبروك للعروسين.”
وبعدين رفعت عينيها وشافت مجدي.
اتقابلت عيونهم للحظات.
هو كان مستني يشوف دموع أو عتاب أو حتى نظرة حزن، لكنها اكتفت بابتسامة هادية وقالت:
“مبروك يا مجدي، أتمنى لك حياة سعيدة.”
الكلمات البسيطة دي وجعته أكتر من أي إهانة؛ لأنها قالتها من غير غضب، ومن غير ما تحاول تثبت له أي حاجة، وكأن وجوده في حياتها بقى مجرد ذكرى قديمة.
مجدي قرب منها بسرعة وقال بصوت منخفض:
“إنتِ إيه اللي جابك هنا؟”
ردت بهدوء:
“إنت اللي بعتلي الدعوة، نسيت؟”
قال بتوتر:
“أنا كنت فاكر إنك مش هتيجي.”
ابتسمت نورا:
“وليه ماجيش؟ دي مناسبة سعيدة، وأنا مفيش بيني وبينك أي حاجة تستدعي إني أخاف أحضرها.”
بص مجدي للأطفال تاني، وبعدين سألها بصوت متقطع:
“دول… دول ولاد مين؟”
نورا بصت لأولادها بحنان وقالت:
“دول ولادي.”
رد بسرعة:
“عارف إنهم ولادك، بس أبوهم مين؟”
قبل ما ترد، البنت الصغيرة شدت فستان أمها وقالت بصوت بريء:
“ماما، هو ده بابا اللي في الصورة القديمة؟”
سكت المكان للحظة.
مجدي حس إن الأرض بتتهز من تحته.
بص لنورا، ثم للأطفال، وقال بصوت مش قادر يسيطر عليه:
“يعني إيه؟!”
نورا أخدت نفس عميق وقالت:
“كنت حامل فيهم لما اتطلقنا يا مجدي. وعرفت بعد ما خرجت من حياتك بأسابيع.”
مجدي رجع خطوة لورا، وحط إيده على رأسه:
“إنتِ كنتِ حامل؟! تلاتة كمان؟! وإزاي ما قولتيليش؟”
نورا بصت له بوجع قديم وقالت:
“كنت هقولك إزاي؟ إنت يوم الطلاق قلتلي بالحرف الواحد إنك مش عايز أي حاجة تربطك بيا تاني، وإنك عايز تبدأ حياة جديدة من غير وجع دماغ.”
مجدي حاول يتكلم، لكنها كملت:
“أنا وقتها كنت محتاجة حد يقف جنبي، لكنك كنت مستعجل تخرجني من حياتك. ولما عرفت إني حامل، ما حبيتش أرجع أترجاك تقبل أولادك.”
داليا كانت واقفة جنب مجدي، وملامح الصدمة على وشها، فسألته بصوت مرتفع:
“إنت عندك تلات أطفال من طليقتك؟ وإنت مخبي عليا الموضوع ده؟”
مجدي حاول يبرر:
“أنا ما كنتش أعرف يا داليا، والله ما كنت أعرف.”
لكن داليا ما اقتنعتش بسهولة.
أما نورا، فكانت بتحاول تحافظ على هدوئها عشان أولادها.
وفجأة، ظهر رجل في منتصف الأربعينات، لابس بدلة رسمية، واتجه ناحية نورا، وقال باحترام:
“أستاذة نورا، الأستاذ سامح وصل، ومستني حضرتك في القاعة الرئيسية.”
ابتسمت نورا وقالت:
“شكرًا يا أستاذ شريف.”
مجدي بص للرجل باستغراب وسأله:
“هي نورا مين بالضبط؟”
الرجل رد بكل ثقة:
“حضرتك بتسأل عن الأستاذة نورا العاصم؟ دي صاحبة مجموعة العاصم للتصميم والاستثمار، ومن أهم شركائنا في الفندق والمشروعات الجديدة.”




