روايات وقصص

الجزء الاول بقلم محمد عبده

في يوم عيد ميلادي، بنت أختي كبّت مشروبها على فستاني وقالت بسخرية:

“دلوقتي بقيتي شبه واحدة رخيصة بالظبط… زي ما إنتِ في الحقيقة.”

وأمي وقفت في صفها.

أنا اكتفيت إني ابتسمت.

لكن في نفس الليلة، عملت حاجة محدش فيهم كان يتوقعها… عطّلت البطاقة البنكية الخاصة بأختي الكبيرة.

وفي الساعة 7:50 الصبح، بنتها صحيت واكتشفت إن عربيتها… اختفت.

وبعدها مباشرة، حصلت حاجة خلت البيت كله ينقلب رأسًا على عقب.

اسمي نورا عبد الرحمن، والليلة اللي كملت فيها تمانية وتلاتين سنة، كانت الشموع لسه بتدخن فوق التورتة، لما بنت أختي قررت تميل الكوباية ناحيتي.

كنا قاعدين في قاعة فخمة بأحد الفنادق في التجمع الخامس بالقاهرة، تحت نجفة ضخمة مليانة كريستال.

المكان كان من النوع اللي الجرسون فيه ييجي يظبط لك المنديل أول ما تقوم من على السفرة، والأكل بيتقدم في أطباق صغيرة بشكل يخليك تتساءل إذا كنت بتاكل ولا بتتفرج.

كان فيه فرقة جاز بتعزف موسيقى هادية ناحية البار، والجو كله مليان ريحة الزبدة والروزماري.

أما فستاني العاجي، فكان أغلى قطعة ملابس اشتريتها في حياتي.

وأغلى من إني كنت متعودة أدفعه في حاجة لمجرد إنها حلوة.

فضلت أتفرج عليه أونلاين حوالي تلات أسابيع قبل ما أقرر أشتريه.

تصميمه بسيط.

قماشه ناعم.

الخصر محدد.

مفيهوش أي حاجة مبالغ فيها.

لأنه ببساطة… مكنش محتاج يلفت النظر.

وكان أول شيء جميل أشتريه لنفسي من غير ما أحسب في دماغي مين تاني ممكن يكون محتاج الفلوس دي.

بنت أختي لارا كانت ماسكة كوب مشروب فراولة بالليمون.

عندها تسعتاشر سنة.

جميلة، واثقة في نفسها، ومتعودة من وهي صغيرة إن كل حاجة لازم تحصل على مزاجها.

كانت لابسة فستان غالي، وشعرها البني اللامع متصفف بعناية.

نظرتها كانت بتقول إن العالم كله موجود علشان يلبي طلباتها… ولو خذلها، فدي مشكلة العالم مش مشكلتها.

وبعدين…

الكوباية مالت.

سمعت صوت التلج وهو بيخبط في الكريستال.

وفي ثانية واحدة، اندفع السائل الوردي فوق مفرش السفرة الأبيض، وبعدها ضرب صدري وحضني بالكامل.

السائل البارد اتشرب جوه قماش الفستان.

قطع الفراولة المهروسة نزلت على واجهته.

والشربات اللزج اتعلق بجلدي.

اللحظة دي، حتى صوت الموسيقى حسيت إنه اختفى.

ورايا، وقعت شوكة على الأرض.

لارا فضلت ماسكة الكوباية الفاضية في إيدها.

وبكل برود قالت:

“أهو كده بقيتي شبه واحدة رخيصة بالظبط… زي ما إنتِ أصلًا.”

المطعم كله سكت.

أختي الكبيرة داليا حطت إيدها على بوقها.

لكن مش علشان كانت مصدومة.

كانت بتحاول تخبي ابتسامة.

جوزها محمود فضل باصص في طبقه.

أبويا مد إيده ناحية منديل، لكنه وقف في نص الحركة.

أما أمي سميحة، فبصتلي في عيني وقالت بمنتهى الهدوء:

“ماتعمليش مشكلة يا نورا… لارا لسه صغيرة.”

صغيرة.

أنا لما كان عندي تسعتاشر سنة، كنت بصحى الصبح أشتغل في مكتبة تصوير، وبعدها أروح محاضرات بالليل، وأحسب باقي الفلوس قبل ما أشتري أي حاجة من الخضري.

أما لارا، وهي عندها نفس السن، كانت بتسوق عربية مرسيدس بيضا، وبتنادي على الجرسون بصوتها وكأن المكان ملكها.

بصيت لأختي.

فقالت بسرعة:

“الكوباية وقعت منها بالغلط.”

رديت بهدوء:

“لأ… هي ماوقعتش بالغلط.”

لارا رجعت بضهرها على الكرسي وقالت:

“يا نهار أبيض! إنتِ هتعيطي علشان فستان؟”

بصيت لها.

وبعدين بصيت لداليا.

وبعدين لأمي، سميحة…

الست اللي كانت بتبرر تصرفات داليا من قبل حتى ما نعرف معنى كلمة “عواقب”.

حسيت طعم الفراولة في بوقي من شدة الغيظ.

لكن الغريب…

إني فجأة هديت.

بعد تمنية وتلاتين سنة قضيتهم وأنا بدافع عن نفسي، وبحاول أشرح للناس اللي مصممين يفهموني غلط، لأول مرة حسيت إني مش محتاجة أقول أي حاجة.

ابتسمت.

لكن ابتسامتي المرة دي ماكانتش دافية.

كانت نفس الابتسامة اللي كنت بستخدمها في اجتماعات الشغل لما حد يوقع عقد من غير ما يقرأ آخر صفحة.

قلت:

“أنا مش هعيط.”

داليا قلبت عينيها وقالت:

“كويس. علشان المفروض إن دي ليلة سعيدة.”

سألتها:

“عيد ميلادي المفروض يبقى ليلة سعيدة؟”

قالت:

“إنتِ عارفة أنا أقصد إيه.”

وفعلًا…

كنت عارفة.

“ليلة سعيدة” عندهم كان معناها إني أبلع الإهانة.

إن مفيش حد يتضايق.

إن داليا تفضل مرتاحة.

وإن كل واحد يروح بيته وهو مبسوط…

وأنا كالعادة أدفع الحساب.

مرة تانية.

وقفت من على الكرسي.

مسكت شنطتي.

والجرسون قرب بسرعة وهو شايل مناشف علشان يساعدني أنضف الفستان.

بصلي أبويا وقال بصوت واطي:

“نورا…”

وقفت.

استنيت إنه يكمل.

لكنه ماكملش.

زي عادته.

هو عمره ما كان بيكمل.

وأنا وقتها فهمت إن المشكلة مش في الكوباية اللي اترمت عليا.

ولا في الفستان.

ولا حتى في كلمة “رخيصة”.

المشكلة كانت إنهم كلهم كانوا متأكدين إني هفضل أتحمل.

لكن اللي ماكانوش يعرفوه…

إن الليلة دي كانت آخر ليلة.

لأن وأنا خارجة من المطعم، كنت بالفعل بدأت أنفذ أول خطوة من الخطة اللي هتخلي أختي الكبيرة تكتشف إن كل حاجة كانت بتعتمد عليها…

مكنتش ملكها أصلًا.

واللي حصل الصبح…

كان مجرد البداية.

خرجت من المطعم من غير ما أبص ورايا.

ولا حتى لما سمعت صوت أمي بتنادي:

“نورا! استني!”

كملت مشيي.

كنت حاسة بالبرودة في جسمي من المشروب اللي غرق الفستان، لكن الغريب إن اللي كان بيوجعني أكتر هو إنهم كلهم كانوا شايفين اللي حصل…

ومحدش وقف في صفي.

ركبت عربيتي، وقبل ما أدور الموتور، بصيت لنفسي في المراية.

الفستان كان متبقع.

لكن أنا كنت هادية.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى