روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية

في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى مكتب المحامي ياسر منصور.

وضعت دعوة الزفاف أمامه دون أن أقول شيئًا.

أمسكها، قرأ الاسم، ثم رفع عينيه نحوي.

—مازن هيتجوز؟

هززت رأسي.

—أيوه.

ثم أضفت بهدوء:

—ومراته حامل.

ظل ياسر صامتًا لثوانٍ.

ثم نظر إلى الدعوة مرة أخرى.

—وإنتِ عايزة تعملي إيه؟

نظرت إلى الصورة الصغيرة الموجودة على هاتفي.

كانت ليان نائمة في سريرها داخل المستشفى.

قلت:

—مش عارفة.

ثم رفعت عيني إليه.

—بس أنا مش عايزة أتصرف بدافع الغضب.

أومأ ياسر ببطء.

—وده تصرف صح.

ثم أشار إلى الدعوة.

—لكن ليه بعتلك الدعوة أصلًا؟

لم أجب.

لأن السؤال نفسه كان يراودني منذ اللحظة التي وصلتني فيها الدعوة.

مازن لم يكن بحاجة إلى وجودي في حفل زفافه.

بل على العكس.

بعد الطلاق، لم تكن علاقتنا جيدة.

فلماذا يدعوني؟

فتح ياسر جهاز الكمبيوتر الخاص به وبدأ يبحث عن اسم الشركة الموجودة على الدعوة.

—مين متكفل بمصاريف الفرح؟

قلت:

—مازن.

ثم ترددت.

—أو على الأقل ده اللي كنت فاكرة.

أدار شاشة الكمبيوتر نحوي.

—بصي هنا.

ظهرت أمامي بيانات شركة لم أسمع بها من قبل.

شركة النخبة للاستثمارات.

قال ياسر:

—الشركة دي دفعت جزء كبير من تكاليف الزفاف.

عقدت حاجبي.

—ليه؟

—ده اللي هنحاول نعرفه.

بدأ يبحث في السجلات العامة، ثم فتح مجموعة من المستندات.

كلما مر الوقت، تغيرت ملامحه.

قلت:

—في إيه؟

لم يجب فورًا.

ظل يقرأ.

ثم قال:

—الشركة دي مرتبطة بشركة تانية.

—وإيه علاقة ده بمازن؟

رفع عيني نحوي.

—علاقة كبيرة.

ضغط على عدة صفحات.

—مازن مش مجرد موظف فيها زي ما كنتِ فاكرة.

شعرت بشيء غريب في صدري.

—أمال إيه؟

—اسمه موجود ضمن مجموعة صغيرة من المستفيدين من صندوق استثماري تابع للشركة.

تجمدت.

—مستفيدين؟

—أيوه.

ثم أضاف:

—والأغرب إن التحويلات بدأت قبل طلاقكم بفترة.

شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

قبل الطلاق؟

قلت:

—ممكن تكون فلوس شغل.

هز ياسر رأسه.

—ممكن.

ثم قلب الصفحة.

—لكن فيه حاجة مش منطقية.

اقتربت من الشاشة.

كانت هناك سلسلة من التحويلات المالية، بعضها بمبالغ صغيرة، ثم بدأت المبالغ تكبر تدريجيًا.

والتاريخ الأول كان قبل سنوات.

في نفس الفترة التي بدأت فيها رحلة علاجي من أجل الإنجاب.

قلت بصوت منخفض:

—إيه علاقة ده بموضوع الحمل؟

نظر إليّ ياسر طويلًا.

—لسه مش عارف.

ثم أغلق الملف.

—لكن عندي سؤال لازم أسألهولك.

—إيه؟

—الأطباء اللي كنتِ بتروحي لهم زمان… كلهم كانوا بيقولوا إن المشكلة عندك؟

أومأت.

—أيوه.

—هل كان فيه تحليل مؤكد؟

ترددت.

—كان فيه تحاليل كتير.

—تحاليلك إنتِ؟

—أيوه.

ثم أضاف:

—ومازن؟

توقفت.

لم أفكر في هذا السؤال من قبل.

قلت:

—كان المفروض يعمل تحاليل.

—عمل؟

هززت رأسي.

—قال إنه عمل.

تغيرت نظرة ياسر.

—قال؟

—أيوه.

—وإنتِ شوفتي النتيجة؟

لم أجب.

كان الصمت هو الإجابة.

فتح ياسر ملفًا جديدًا.

—إذن أول حاجة هنعملها إننا نطلب كل السجلات الطبية القديمة، لو لسه موجودة.

شعرت بانقباض في معدتي.

—إنتَ بتشك في إيه؟

قال بهدوء:

—إني مش مقتنع إنك كنتِ السبب.

لم أستطع الرد.

بعد سنوات من سماع العكس، كانت مجرد جملة بسيطة كافية لإعادة فتح جرح ظننته التأم.

في ذلك المساء، عدت إلى المستشفى.

وجدت ليان نائمة.

جلست بجوارها ووضعت إصبعي على كفها الصغير.

فتحت أصابعها وأمسكت إصبعي.

ابتسمت رغم الدموع التي امتلأت بها عيناي.

قلت لها:

—أنا آسفة إني خليت أي حد يخليني أصدق إني مش كفاية.

لم تكن تفهم كلماتي.

لكنني كنت بحاجة إلى قولها.

في اليوم التالي، اتصل بي ياسر.

صوته كان مختلفًا.

جادًا جدًا.

—تعالي المكتب فورًا.

—لقيت حاجة؟

—أيوه.

—إيه؟

سكت للحظة.

ثم قال:

—وصلنا لجزء من سجلاتك الطبية القديمة.

شعرت بقلبي يتسارع.

—وفيها إيه؟

—نتيجة تحليل تخص مازن.

صمتُّ.

—إنت متأكد؟

—أيوه.

ثم قال جملة جعلتني أشعر أن الأرض تحركت من تحت قدمي:

—النتيجة بتقول إن مازن كان عنده مشكلة طبية ممكن تفسر تأخر الإنجاب.

لم أتنفس لثوانٍ.

—يعني…

—يعني لو النتيجة أصلية، كان المفروض تعرفي من خمس سنين إن المشكلة مش عندك وحدك.

أغلقت عيني.

كل المواعيد.

كل الأدوية.

كل الليالي التي بكيت فيها وحدي.

كل مرة قال فيها مازن إنني السبب.

كل مرة شعرت فيها أنني خذلته.

كل هذا بدأ يأخذ معنى مختلفًا.

لكن ياسر لم ينتهِ.

قال:

—وفيه حاجة تانية.

—إيه؟

—النتيجة دي مش هي اللي قدمها لكِ مازن وقتها.

شعرت بقشعريرة.

—أمال النتيجة اللي شفتها كانت إيه؟

قال ياسر:

—ده السؤال اللي لازم نجاوب عليه.

ثم أضاف:

—وعشان نجاوب عليه، لازم نعرف مين كان عنده مصلحة يخفي الحقيقة.

وضعت الهاتف على أذني بقوة.

—ياسر…

—أيوه؟

—إنتَ فاكر إن الموضوع كان مجرد كذب من مازن؟

صمت.

ثم قال:

—بعد اللي شوفته لحد دلوقتي؟

—لا.

—أنا بدأت أعتقد إن فيه حد تاني كان بيدير الموضوع من ورا الستار.

في تلك اللحظة، سمعت صوتًا خلفي.

التفت.

كانت ممرضة تقف عند باب الغرفة.

قالت:

—مدام ندى؟

—أيوه؟

—في شخص بيسأل عنك بره.

توقفت.

—مين؟

نظرت الممرضة إلى ورقة صغيرة في يدها.

ثم قالت:

—بيقول إنه من طرف الأستاذ مازن.

نظرت إلى ليان.

ثم إلى الباب.

ولأول مرة منذ ولادتها، شعرت أن الخطر الذي كنت أحاول إبعاده عنها…

بدأ يقترب.

تجمدت في مكاني.

نظرت إلى الممرضة ثم إلى ليان.

—قال اسمه إيه؟

راجعت الورقة التي في يدها.

—اسمه شريف الدسوقي. وبيقول إنه مستشار قانوني تابع لشركة الأستاذ مازن.

شعرت بانقباض في صدري.

قلت لها فورًا:

—قولي له إني مش هقابله.

هزت الممرضة رأسها وغادرت.

بعد دقائق، رن هاتفي.

كان ياسر.

—وصلتِ لإيه؟

أخبرته بما حدث.

صمت للحظات، ثم قال:

—اسمعيني كويس. متقابليش أي حد لوحدك، ومتسلميش أي مستند أو معلومة تخص ليان.

—أنا كنت هعمل كده أصلًا.

—والأهم…

توقف.

—مازن عرف إننا بنبحث في الموضوع؟

—مش عارفة.

—يبقى لازم نفترض إنه عرف.

وضعت الهاتف جانبًا ونظرت إلى ابنتي.

كانت نائمة ببراءة.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى