
نكمل من حيث توقفنا، مع الحفاظ على الأسماء والمدن التي غيّرناها في الجزء الأول.
الجزء الثاني: «أرجوك… قل إنك بابانا»
ظللت أنظر إلى الفتيات الأربع، غير قادر على استيعاب ما طلبنه مني.
قلت بهدوء:
— طيب، الأول اطلعوا من تحت الترابيزة وقولوا لي إيه اللي بيحصل.
لكن الفتاة الكبرى هزت رأسها بسرعة.
— لا… لو خرجنا، هيشوفونا.
— مين؟
نظرت حولها مرة أخرى.
— الراجل اللي واقف بره.
التفتُّ ناحية زجاج المطعم.
في البداية، لم أرَ شيئًا غير المارة والسيارات.
لكن بعد ثوانٍ، لاحظت رجلًا يقف على الجانب الآخر من الشارع.
كان يرتدي معطفًا رماديًا طويلًا، ويمسك هاتفًا بيده، لكنه لم يكن يتحدث.
كان يراقب المطعم.
والأغرب من ذلك أنه لم يكن ينظر إلى الداخل بشكل عشوائي.
كان يبحث عن شخص.
أو بالأحرى… عن أربع طفلات.
عدت بنظري إلى الفتيات.
— هو ده اللي خايفين منه؟
هزت الكبرى رأسها.
ثم قالت بصوت خافت:
— هو مش لوحده.
شعرت بشيء من القلق.
— طيب، فين والدكم؟
ساد الصمت.
هذه المرة لم تجب أي واحدة منهن.
وبعد لحظات، قالت الطفلة التي كانت تمسك بساقي:
— بابا مات.
نظرت إليها.
— إمتى؟
رفعت الفتاة الكبرى عينيها وقالت:
— من تلات سنين.
ثلاث سنوات.
لم يكن الأمر مجرد أطفال تائهين في مطعم.
هناك شيء آخر.
شيء لم أفهمه بعد.
قلت:
— ووالدتكم؟
هنا تغيرت ملامحهن.
الفتاة الثالثة بدأت تمسح دموعها.
أما الكبرى فقالت:
— ماما قالت لنا ما نثقش في أي حد.
ثم أضافت بسرعة:
— لكن إحنا شوفناك.
استغربت.
— شفتوني فين؟
قالت:
— من الصبح.
تجمدت للحظة.
— يعني إيه؟
— كنا ماشيين وراك.
نظرت إليها بدهشة.
— ليه؟
قالت الطفلة:
— لأن ماما قالت إن بابا كان يعرفك.
توقفت أنفاسي للحظة.
والدهم يعرفني؟
أنا لم أكن أعرف عن ماذا تتحدث.
قلت:
— اسم باباكم إيه؟
ردت الكبرى:
— سامح منصور.
تغيرت ملامحي فورًا.
سامح.
لم أسمع هذا الاسم منذ سنوات.
كان سامح منصور رجل أعمال معروفًا في الإسكندرية، وكنت قد تعاملت معه في صفقة كبيرة قبل وفاته.
لكنني لم أكن أعلم أنه ترك خلفه أربع بنات.
والأهم…
لم أكن أعلم أن موته كان يحمل كل هذه الأسرار.
انحنيت قليلًا وقلت:
— طيب، اسمعوني كويس. أنا هساعدكم، لكن لازم أفهم مين بيطاردكم.
قالت الكبرى:
— مش عايزينك تعرف دلوقتي.
— ليه؟
أجابت:
— لأن ماما قالت إن لو أي حد عرف الحقيقة، إحنا ممكن نخسرها.
توقفت.
— تخسروا أمكم؟
هزت رأسها.
ثم مدت يدها الصغيرة من أسفل الطاولة وأعطتني ورقة مطوية.
فتحتها.
كانت هناك جملة واحدة مكتوبة بخط يد امرأة:
«إذا حدث لي شيء، لا تثقوا في الرجل الذي سيأتي ويقول إنه كان صديقًا لوالدكم.»
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
رفعت عيني نحو الفتيات.
— مين الرجل ده؟
لم تجب الكبرى.
وفجأة…
سمعنا صوت خطوات تقترب من باب المطعم.
الفتيات الأربع التصقن ببعضهن.
ثم قالت أصغرهن بصوت يكاد لا يُسمع:
— هو دخل.
رفعت رأسي ببطء.
دخل رجل طويل إلى المطعم.
نظر حوله للحظات.
ثم بدأ يتقدم بين الطاولات.
كان يبحث.
وعندما وصل بالقرب من طاولتي، توقف.
نظر إليّ مباشرة.
ثم ابتسم ابتسامة باردة.
وقال:
— مساء الخير يا أستاذ ياسين.
تجمدت في مكاني.
لأنني لم أكن أعرف هذا الرجل.
لكن الرجل كان يعرف اسمي.
وفي اللحظة نفسها، شعرت بيد صغيرة تشد بنطالي من أسفل الطاولة.
كانت أصغر فتاة تهمس:
— متقولش إننا هنا.
رفعت عيني إلى الرجل الغريب.
ثم قلت له بهدوء:
— مساء النور.
جلس أمامي دون أن أطلب منه.
وقال:
— كنت بدور على أربع بنات صغيرين.
ابتسمت.
— وأنا بدور على الهدوء، لكن واضح إن الاتنين مش هنلاقي اللي بندور عليه النهارده.
ظل ينظر إليّ لثوانٍ.
ثم قال:
— أنت شفتهم؟
هززت كتفي.
— أطفال؟ لا.
كان يحدق في وجهي وكأنه يحاول قراءة أفكاري.
ثم أخرج هاتفه، وفتح صورة للفتيات الأربع.
ووضع الهاتف أمامي.
— دول.
نظرت إلى الصورة.
ثم رفعت عيني إليه.
— لأ، مشوفتهمش.
لكنني في تلك اللحظة، شعرت بأصابع الطفلة الصغيرة تزداد تشبثًا بساقي.
كان الرجل على بعد أقل من متر من الفتيات.
وكانت حياتهن تعتمد على إجابتي التالية.
فقلت له:
— لو سمحت، أنا قاعد لوحدي وبحب أشرب الشاي في هدوء.
ابتسم.
— أكيد.
ثم نهض.
لكنه قبل أن يبتعد، انحنى قليلًا وقال بصوت منخفض:
— لو شفتهم… ما تحاولش تساعدهم.
ثم غادر.
انتظرت حتى خرج من المطعم.
بعدها نظرت تحت الطاولة.
— اطلعوا.
خرجت الفتيات الأربع ببطء.
كانت الكبرى ترتجف.
قلت:
— دلوقتي هتقولوا لي الحقيقة كلها.
نظرت إليّ الكبرى طويلًا.
ثم قالت:
— بابا قبل ما يموت، قال لنا إنك الشخص الوحيد اللي ممكن ينقذنا.
شعرت بالصدمة.
— قال اسمي؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— إمتى؟
قالت:
— قبل ما يموت بيوم واحد.
ثم أضافت جملة جعلتني أشعر أن الأرض تحركت تحت قدمي:
— وقال لنا كمان إن لو حصل له أي حاجة، لازم نسلمك كتابه القديم.
سألتها:
— الكتاب فين؟
أشارت إلى حقيبتها الصغيرة.
فتحتها وأخرجت كتابًا قديمًا متهالك الغلاف.
ناولته لي.
وعندما لمست الغلاف، لاحظت شيئًا غريبًا.
كان هناك اسم محفور عليه.
سامح منصور.
لكنني عندما قلبت الكتاب، سقطت منه ورقة صغيرة على الطاولة.
التقطتها.
كانت تحمل تاريخًا يعود إلى ثلاث سنوات مضت.
وتحت التاريخ كانت هناك جملة واحدة:
«الحقيقة ليست أن سامح مات… الحقيقة أن شخصًا آخر كان من المفترض أن يموت في تلك الليلة.»
رفعت عيني إلى الفتيات.
ولأول مرة، فهمت أنني لم أكن أمام أربع طفلات هاربات.
كنت أمام سر خطير…
سر أخفاه والدهن قبل موته، وظل شخص ما يحاول دفنه طوال ثلاث سنوات.
الجزء الثالث: السر المدفون في الكتاب
ظللت أحدق في الجملة المكتوبة على الورقة.
«الحقيقة ليست أن سامح مات… الحقيقة أن شخصًا آخر كان من المفترض أن يموت في تلك الليلة.»
شعرت أن أصابعي تجمدت حول الورقة.
رفعت عيني إلى الفتيات.
— مين كتب الكلام ده؟
قالت الكبرى:
— بابا.
— وإنتِ متأكدة؟
هزت رأسها.
— شوفته وهو بيكتبه.
جلست على الكرسي ببطء.
سامح منصور لم يكن مجرد رجل أعمال عادي بالنسبة لي.
قبل ثلاث سنوات، كان شريكي في مشروع كبير، لكنه اختفى فجأة من حياتي بعد حادث السيارة الذي قيل إنه أودى بحياته.
كنت وقتها خارج الإسكندرية، وعندما عدت، كان كل شيء قد انتهى.
جنازة.
تقارير.
أوراق قانونية.
وشركة انتقلت إدارتها إلى أشخاص آخرين.
لم أشك في شيء.
لكن الآن، بعد ثلاث سنوات، ظهرت أربع طفلات وكتاب قديم ليخبروني أن القصة كلها ربما كانت كذبة.
قلت:
— والدكم كان يعرف إن حياته في خطر؟
قالت الكبرى:
— أيوه.
— ومامتكم كانت تعرف؟
ترددت قليلًا.
ثم قالت:
— ماما كانت تعرف إن بابا خايف، بس ما كانتش تعرف السبب.
— وإيه اللي حصل بعد موت بابا؟
نظرت الفتيات إلى بعضهن.
ثم قالت الثالثة:
— بعد الجنازة، بدأ ناس ييجوا البيت.
— مين؟
— رجال ما نعرفهمش.
وأضافت الكبرى:
— وكانوا بيسألوا عن حاجات تخص بابا.
— زي إيه؟
قالت:
— أوراقه… وكتبه… والكمبيوتر بتاعه.
نظرت إلى الكتاب الموجود أمامي.
— والكتاب ده؟
قالت:
— كانوا بيدوروا عليه.
أمسكت الكتاب وبدأت أتفحصه.
كان قديمًا، لكنني لاحظت أن الغلاف أكثر سمكًا من المعتاد.
مررت أصابعي على حافته.
ثم سمعت صوتًا خافتًا.
طَق.
نظرت إلى الفتيات.
وضغطت على الغلاف مرة أخرى.
انفتح جزء صغير منه.
كان هناك تجويف مخفي داخل الغلاف.
وفي داخله…
ذاكرة إلكترونية صغيرة.
أخرجتها.
كانت بلا أي علامة أو اسم.
قالت الكبرى:
— بابا قال لنا ما نفتحش الكتاب قدام أي حد.
— وإنتوا فتحته ليه؟
قالت:
— لأننا ما لقيناش حد تاني نثق فيه.
نظرت إلى الذاكرة الإلكترونية.
لم أكن أعرف ما الذي تحتويه.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا.
إذا كان سامح قد أخفاها بهذه الطريقة، فلا بد أن ما بداخلها أخطر من مجرد ملفات شخصية.
أخذت الفتيات معي إلى سيارتي.
وقبل أن نتحرك، اتصلت بشخص أثق به.
— كريم، محتاجك حالًا.
جاء صوته عبر الهاتف:
— في مشكلة؟
قلت:
— كبيرة.
— فين؟
— هبعتلك الموقع.
ثم نظرت إلى الفتيات.
كان الخوف واضحًا على وجوههن.
قلت:
— ومحتاج منك تعمل حاجة كمان.
— إيه؟
— دورلي على كل حاجة تخص سامح منصور… خصوصًا آخر أسبوع في حياته.
ساد الصمت للحظات.
ثم قال كريم:
— ياسين، إنت عارف إن ملف سامح اتقفل من زمان.
— عارف.
— طيب ليه بتفتحه دلوقتي؟
نظرت إلى الذاكرة الصغيرة في يدي.
— لأن يمكن سامح ما قالش الحقيقة كلها قبل ما يموت.
أغلقت الهاتف.
لكن قبل أن أشغل السيارة، رن هاتف إحدى الفتيات.
كانت الأم.
ردت الطفلة بسرعة.
— أيوه يا ماما…
لم أسمع ما قالته الأم، لكنني رأيت وجه الفتاة يتغير.
قالت:
— إحنا كويسين.
ثم نظرت إليّ.
— مع عمو ياسين.
وفجأة صمتت.
ثم قالت:
— حاضر… هنرجع.
أغلقت الهاتف.
سألتها:
— والدتكم عرفت إنكم معايا؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— وقالت إيه؟
لم تجب.
كانت تنظر إلى شقيقتها الصغرى.
ثم قالت:
— ماما قالت إنك لازم تبعد عننا.
تجمدت.
— ليه؟
قالت:
— قالت إن بابا مات بسبب الناس اللي حواليه.
ثم أضافت:
— وقالت إنك كنت واحد منهم.
لم أجد ما أقوله.
لأنني بدأت أفهم شيئًا أخطر.
ربما والدتهن لم تكن تخفي الحقيقة عنهن فقط.
ربما كانت تخفي الحقيقة عني أنا أيضًا.
—
بعد حوالي ساعة، وصلنا إلى مكتب كريم.
أغلقنا الباب، ووضعت الذاكرة الإلكترونية في جهاز الكمبيوتر.
ظهرت ثلاثة ملفات فقط.
الأول باسم:
«المشروع القديم»
والثاني:
«الحسابات»
أما الثالث فكان اسمه:
«إلى ياسين فقط»
حدقت في الشاشة.
لم أكن أتوقع أن أرى اسمي.
فتحت الملف.
ظهر تسجيل فيديو.
كان سامح يجلس أمام الكاميرا.
وجهه كان متعبًا، وعيناه تحملان خوفًا لم أره فيهما من قبل.
قال:
— ياسين… لو إنت بتشوف التسجيل ده، يبقى أنا غالبًا مت.
توقفت أنفاسي.
تابع:
— وأنا عارف إنك هتفتكر إن موتي كان حادث.
ثم اقترب من الكاميرا.
وقال:
— لكنه ما كانش حادث.
تبادلنا أنا وكريم النظرات.
ثم قال سامح:
— الشخص اللي حاول يقتلني… ما كانش عايز يقتلني أنا.
ضغطت إيقافًا مؤقتًا.
— يعني إيه؟
أجاب كريم:
— شغله.
أعدت تشغيل الفيديو.
قال سامح:
— كانوا عايزين يقتلوا شخصًا آخر، وأنا اكتشفت بالصدفة إن العملية كلها كانت هتحصل في نفس الليلة.
ثم سكت للحظات.
— لكن أسوأ حاجة إن الشخص اللي كان المفروض يموت… كان قريب جدًا من عائلتي.
شعرت بقلبي يضرب بقوة.
ظهر على الشاشة ملف مرفق.
اسمه:
«الاسم الحقيقي»
فتحته.
ظهرت صورة امرأة.
كانت امرأة أعرفها.
رفعت يدي عن الماوس من شدة الصدمة.
كريم نظر إليّ.
— إنت تعرفها؟
قلت بصوت منخفض:
— أيوه.
كانت والدة الفتيات.
زوجة سامح.
لكن ما ظهر تحت صورتها جعلني عاجزًا عن الكلام.
كان هناك اسم آخر…
وتاريخ آخر…
ومعلومة لم تكن موجودة في أي ملف رسمي.
ثم ظهر سطر واحد:
«ليلى ليست من مات زوجها قبل ثلاث سنوات… لأنها تعرف الحقيقة كاملة.»
وفي اللحظة نفسها، سمعنا صوت ارتطام قوي من خارج المكتب.
التفتنا نحو الباب.
ثم جاء صوت رجل يقول:
— افتح يا ياسين.
تجمدت الفتيات في مكانهن.
كان نفس الرجل الذي دخل المطعم.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
كان معه عدة رجال.
وقال بصوت هادئ:
— الكتاب معاك.
ثم أضاف:
— وإحنا جايين ناخده.
نظرت إلى كريم.
ثم إلى الفتيات.
وأدركت أن الأمر لم يعد مجرد سر قديم.
لقد بدأ الخطر الحقيقي الآن.
نكمل مباشرة من لحظة وصول الرجال إلى المكتب، مع الحفاظ على الأسماء والمدن التي غيّرناها.
الجزء الرابع: الرجل الذي كان يعرف كل شيء
تجمدت الفتيات في أماكنهن.
كان صوت الرجل خلف الباب هادئًا، لكن هدوءه كان أكثر رعبًا من الصراخ.
— افتح يا ياسين… إحنا عارفين إنك جوه.
اقترب كريم من الباب ونظر إليّ.
— نعمل إيه؟
قلت بصوت منخفض:
— مفيش حد يخرج من هنا.
أغلقت جهاز الكمبيوتر بسرعة، وأخذت الذاكرة الإلكترونية ووضعتها في جيبي.
ثم نظرت إلى الفتيات.
— تعالوا ورايا.
أخذتهن إلى غرفة صغيرة في نهاية المكتب، وأغلقت الباب.
قلت للكبرى:
— مهما حصل، ما تفتحوش الباب.
هزت رأسها.
— بس إنت؟
— أنا هتصرف.
عدت إلى الصالة.
في اللحظة التالية، بدأ أحد الرجال يضرب الباب بعنف.
ضربة.
ثم أخرى.
ثم انفتح الباب بالقوة.
دخل أربعة رجال.
كان أولهم نفس الرجل الذي رأيته في المطعم.
ابتسم عندما رآني.
— كنت أتمنى إنك ما تدخلش في الموضوع.
قلت:
— وأنا كنت أتمنى إنك ما تدخلش مكتبي من غير إذن.
ضحك.
— لسه فاكر نفسك تقدر تتحكم في كل حاجة؟
اقترب خطوة.
— إحنا مش جايين نؤذيك.
نظرت إليه.
— جايين تعملوا إيه؟
قال:
— ناخد الكتاب.
أخرجت الكتاب من فوق المكتب ورفعته أمامه.
— ده؟
تغيرت ملامحه فورًا.
كانت تلك أول مرة أرى الخوف في عينيه.
قلت:
— واضح إن الكتاب ده أهم مما توقعت.
مد يده.
— اديني إياه.
ضحكت.
— ولو رفضت؟
قال:
— هتندم.
في اللحظة نفسها، خرج كريم من خلفه ودفع أحد الرجال بعيدًا.
اندلع اشتباك سريع داخل المكتب.
لم يكن الرجال يتوقعون مقاومة.
لكنهم لم يعرفوا شيئًا عني.
بعد أقل من دقيقة، كان اثنان منهم على الأرض، بينما فر الثالث نحو الباب.
أما الرجل الذي كان يقودهم، فتراجع للخلف.
نظر إليّ بغضب.
ثم قال:
— أنت مش فاهم أنت بتلعب مع مين.
قلت:
— لأ، بس قريب هفهم.
رفع هاتفه.
ثم قال:
— اسأل زوجة سامح.
توقفت.
— إيه علاقتها؟
ابتسم.
— هي عارفة كل حاجة.
ثم خرج مسرعًا.
—
بعد دقائق، كان المكان هادئًا.
خرجت الفتيات من الغرفة.
كانت الكبرى تبكي.
قالت:
— هو قال اسم ماما.
قلت:
— عارف.
ثم نظرت إلى الكتاب.
— لازم نروح لها.
لكن كريم أمسك ذراعي.
— استنى.
— ليه؟
— يمكن ده اللي هم عايزينه.
فكرت للحظة.
كان معه حق.
لو كانت والدة الفتيات تعرف الحقيقة، فمن المحتمل أن الرجال كانوا يحاولون دفعنا إليها.
لكن لماذا؟
فتحت جهاز الكمبيوتر مرة أخرى.
كانت هناك نسخة من التسجيل.
أعدت تشغيله.
ظهر سامح على الشاشة.
قال:
— ياسين، أهم حاجة لازم تعرفها هي إن ليلى ما خانتنيش.
توقفت.
ثم أكمل:
— بالعكس… هي حاولت تنقذني.
نظرت إلى كريم.
قال:
— كمّل.
تابع سامح:
— قبل موتي بثلاث سنوات، اكتشفت إن في أموال ضخمة بتخرج من حسابات الشركة من غير علمي.
— ولما بدأت أحقق، اكتشفت إن حد قريب مني هو اللي بيسرق.
ثم ظهرت على الشاشة مجموعة من المستندات.
أرقام.
تحويلات.
شركات وهمية.
وحسابات مصرفية.
لكن المفاجأة لم تكن في الأموال.
المفاجأة كانت في اسم صاحب الحساب الأخير.
ليلى منصور.
شهقت.
قلت:
— إزاي؟
كريم اقترب من الشاشة.
— الحساب باسمها فعلًا.
لكن التسجيل استمر.
قال سامح:
— لو لقيت الحساب باسم ليلى، ما تصدقش إن الفلوس كانت ليها.
ثم ظهرت صورة مستند آخر.
— الشخص اللي فتح الحساب استخدم أوراقها من غير علمها.
ثم قال سامح:
— وأنا عرفت مين عمل كده.
سكت.
وبدا وكأنه يحاول جمع شجاعته.
ثم قال:
— الشخص ده موجود في عائلتي.
انتهى التسجيل.
ساد الصمت.
قلت:
— مين؟
كريم نظر إلى الملفات.
— لازم نفتش باقي المستندات.
فتحنا الملف الثاني.
كانت هناك قائمة بأسماء.
أسماء موظفين.
شركاء.
أقارب.
ثم وصلنا إلى آخر اسم.
توقفت يدي.
كان الاسم:
مروان منصور.
قلت:
— أخو سامح.
كريم أومأ.
— واضح إنه كان متورط.
لكن قبل أن نكمل، سمعنا طرقًا على الباب.
هذه المرة كان الطرق خفيفًا.
اقتربت بحذر.
— مين؟
جاء صوت امرأة من الخارج:
— أنا ليلى.
نظرت إلى الفتيات.
ركضن نحو الباب.
— ماما!
فتحت الباب.
دخلت ليلى وهي شاحبة الوجه، واحتضنت بناتها بقوة.
ثم نظرت إليّ.
لم تقل شيئًا في البداية.
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.
ثم قالت:
— كان لازم أقول لك الحقيقة من زمان.
قلت:
— الحقيقة عن إيه؟
نظرت إلى الكتاب في يدي.
ثم قالت:
— عن سامح.
اقتربت مني.
— زوجي ما ماتش في حادث.
سكت الجميع.
— اتقتل.
شعرت بقشعريرة.
قالت:
— وأنا عرفت مين قتله.
سألتها:
— مين؟
نظرت إلى بناتها.
ثم قالت:
— أخوه مروان.
لكن قبل أن أستوعب كلامها، أضافت جملة جعلتني أشعر أن السر أكبر بكثير مما توقعت:
— مروان ما قتلش سامح عشان الفلوس.
— قتله عشان كان سامح اكتشف الحقيقة.
قلت:
— أي حقيقة؟
أغلقت ليلى عينيها للحظة.
ثم قالت:
— إن واحدة من بناتي الأربع…
توقفت.
نظرت إلى الفتيات.
ثم أكملت بصوت مرتجف:
— مش بنت سامح.
ساد الصمت.
لم تتحرك أي واحدة من الفتيات.
أما أنا، فشعرت أن كل ما حدث خلال الساعات الماضية لم يكن سوى بداية.
لكن ليلى لم تكن قد انتهت.
قالت:
— وأنا أخفيت الحقيقة ثلاث سنين لأن لو الشخص اللي يبحث عنها عرف أي واحدة هي…
ثم نظرت إليّ مباشرة.
— هيقتلها.
وفي تلك اللحظة، انطفأت أنوار المكتب بالكامل.
ومن خلف الزجاج، ظهر ضوء سيارة سوداء توقفت أمام المبنى.
ثم رن هاتف ليلى.
نظرت إلى الشاشة.
كان هناك رقم مجهول.
فتحت المكالمة.
جاء صوت رجل واحد:
— انتهى وقت الاختباء يا ليلى.
ثم قال:
— سلّمي البنت… أو الأربع بنات هيموتوا.
الجزء الخامس: أي واحدة منهن هي ابنة سامح؟
بقيت ليلى واقفة في منتصف المكتب، والهاتف ما زال في يدها.
كانت شاحبة تمامًا.
أما الفتيات الأربع، فالتصقن ببعضهن من الخوف.
قالت ليلى بصوت مرتجف:
— هو عارف إننا هنا.
اقتربت منها.
— مين كان بيتكلم؟
— مروان.
— متأكدة؟
هزت رأسها.
— صوته مستحيل أنساه.
ثم نظرت إلى بناتها، وبدأت الدموع تنهمر من عينيها.
— هو عايز واحدة منهم.
سألتها:
— ليه؟
لم تجب.
قلت بحزم:
— ليلى، مفيش وقت. لازم أعرف كل حاجة دلوقتي.
أخذت نفسًا عميقًا.
— قبل موت سامح بأسبوع، اكتشف إن مروان كان بيحوّل أموال الشركة إلى حسابات سرية.
— سامح واجهه.
— وفي نفس الليلة، اكتشفت أنا حاجة أخطر.
نظرت إليها.
— إيه؟
قالت:
— اكتشفت إن مروان كان بيزوّر مستندات تخص العائلة.
— مستندات إيه؟
وضعت يدها على فمها للحظة، ثم قالت:
— شهادات الميلاد.
نظرت إلى الفتيات.
— بعد ولادة البنات، سامح كان مسافر لفترة طويلة بسبب شغله. ومروان استغل غيابه.
— لكن ليه؟
قالت:
— عشان يغيّر بيانات واحدة من البنات.
سألتها:
— ويكتب إيه بدل بياناتها؟
سكتت.
ثم قالت:
— يكتب إنها مش بنت سامح.
شعرت بالصدمة.
— يعني إيه؟
— يعني إن واحدة من بناتي الأربع هي الوريثة الحقيقية لكل ممتلكات سامح… ومروان كان عايز يمحي حقها.
قال كريم:
— وليه يخاف من طفلة؟
ردت ليلى:
— لأنها لما تكبر، هتقدر تسترد كل حاجة.
ثم أضافت:
— لكن فيه سبب تاني.
نظرت إليها.
— إيه؟
قالت:
— سامح كان مخبي ثروة كبيرة جدًا.
تجمد كريم.
— ثروة؟
هزت رأسها.
— مش فلوس في بنك.
ثم نظرت إلى الكتاب القديم.
— أصول وأسهم وعقارات باسم شركة سرية.
فهمت فجأة.
— والكتاب فيه مكانها؟
قالت ليلى:
— سامح أخفى المفتاح.
رفعت الكتاب.
— المفتاح ده؟
— أيوه.
—
فجأة، سمعنا صوت تحطم الزجاج.
انحنى الجميع.
مرت رصاصة في الهواء واستقرت في الحائط.
صرخت الفتيات.
أمسكتهن بسرعة وأبعدتهن عن النوافذ.
قال كريم:
— لازم نخرج من هنا.
أومأت.
أخذنا طريق الطوارئ الخلفي.
لكن قبل أن نخرج، أمسكت ليلى بذراعي.
— ياسين.
نظرت إليها.
— لو حصل لي حاجة…
قاطعتها:
— مش هيحصل لك حاجة.
قالت:
— اسمعني.
ثم أمسكت يدي بقوة.
— البنت اللي مروان بيدور عليها هي…
وفجأة دوّى صوت خطوات من الممر.
توقفت.
ثم قالت:
— هقولك في العربية.
خرجنا من الباب الخلفي.
كانت سيارة كريم تنتظرنا.
ركبنا جميعًا وانطلقنا.
وبعد دقائق، قالت ليلى:
— البنت هي نور.
نظرت إلى الفتيات.
كانت نور هي الفتاة الكبرى.
قلت:
— ليه هي بالذات؟
أخرجت ليلى ظرفًا قديمًا من حقيبتها.
— لأن سامح عمل تحليل نسب قبل موته.
فتحت الظرف.
كان بداخله تقرير طبي قديم.
والنتيجة كانت واضحة.
نور هي ابنة سامح البيولوجية.
لكنني لاحظت شيئًا غريبًا.
التقرير كان يحمل تاريخًا بعد وفاة سامح.
قلت:
— التقرير ده اتعمل إمتى؟
تغير وجه ليلى.
— بعد وفاته.
— إزاي؟
لم تجب.
أخذت التقرير من يدها.
نظرت إلى التوقيع.
ثم قلت:
— ده مش توقيع الطبيب اللي أعرفه.
قال كريم:
— يعني التقرير مزور؟
هزت ليلى رأسها ببطء.
— أيوه.
سألتها:
— طيب، فين التقرير الأصلي؟
أجابت:
— مع سامح.
— فين؟
قالت:
— في نفس المكان اللي خبّى فيه كل أسراره.
فتحت الكتاب.
في الصفحة الأخيرة، كان هناك رسم صغير لمفتاح.
وتحته عنوان مكتوب بخط يد سامح:
«المخزن رقم 17 — محطة الرمل.»
نظرت إلى كريم.
— نروح هناك.
لكن قبل أن يتحرك، رن هاتف ليلى مرة أخرى.
هذه المرة لم يكن مروان.
كان رقمًا مسجلًا باسم الطبيب.
ردت.
جاء صوت رجل مذعور:
— ليلى… ما تروحيش للمخزن.
سألت:
— ليه؟
قال:
— لأن مروان سبقكم.
ثم سكت لحظة.
وأضاف:
— وفيه حاجة لازم تعرفيها.
— إيه؟
قال:
— تحليل النسب اللي عندك مزور فعلًا.
تنفست ليلى بارتياح للحظة.
لكن الطبيب أكمل:
— لكن نور مش هي البنت الوحيدة اللي ليها علاقة بسامح.
ساد الصمت.
سألته:
— قصدك إيه؟
قال:
— التحليل الأصلي أظهر نتيجة مختلفة تمامًا.
ثم أغلق الخط.
نظرت ليلى إليّ.
— ياسين…
قلت:
— إيه؟
قالت:
— لو التحليل الأصلي معاه…
ثم نظرت إلى بناتها الأربع.
— يبقى إحنا مش عارفين مين فيهم بنت سامح.
وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة إلى هاتفي من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة قديمة للفتيات الأربع وهن رضيعات.
وتحت الصورة جملة واحدة:
«أنت تبحث عن ابنة سامح… لكنك لم تسأل السؤال الأهم: من هي أمها الحقيقية؟»
رفعت عيني عن الهاتف.
وكان واضحًا أن السر الذي أخفته ليلى طوال ثلاث سنوات…
أكبر بكثير مما تخيلنا.
يتبع الجزء الاخير




