
الجزء السادس: من هي الأم الحقيقية؟
ظللت أحدق في الرسالة على هاتفي.
«أنت تبحث عن ابنة سامح… لكنك لم تسأل السؤال الأهم: من هي أمها الحقيقية؟»
رفعت عيني إلى ليلى.
كانت تنظر إليّ وكأنها فهمت شيئًا لم أستطع فهمه بعد.
قلت:
— إيه معنى الرسالة دي؟
لم تجب.
قلت مرة أخرى:
— ليلى، مين أم البنات؟
قالت بصوت ضعيف:
— أنا.
— إنتِ أم الأربع بنات.
هزت رأسها.
— أيوه.
— طيب إيه المشكلة؟
أغمضت عينيها، ثم قالت:
— المشكلة إن واحدة منهم اتبدلت عند الولادة.
ساد الصمت داخل السيارة.
حتى كريم لم يتكلم.
قلت:
— اتبدلت إزاي؟
قالت:
— من ثلاث سنين، بعد وفاة سامح، اكتشفت إن المستشفى اللي ولدت فيه البنات كان عنده ملف ناقص.
— ملف مين؟
— واحدة من البنات.
— وإيه اللي كان ناقص؟
قالت:
— سجل الولادة.
ثم نظرت إلى الفتيات في المقعد الخلفي.
— وكل اللي أعرفه إن واحدة منهم خرجت من المستشفى ومعاها بطاقة باسم مش اسمها الحقيقي.
شعرت بالصدمة.
— يعني واحدة من الأربع مش بنتك أصلًا؟
قالت:
— لا.
ثم بدأت تبكي.
— الأربع بناتي.
— لكن واحدة منهن ليست البنت التي ولدت لي.
فهمت الآن سبب خوفها.
إذا كانت إحدى الفتيات قد استُبدلت عند الولادة، فهناك عائلة أخرى تبحث عنها.
وربما مروان لم يكن يبحث عن ابنة سامح فقط.
كان يبحث عن طفلة تحمل سرًا لا يعرفه أحد.
—
وصلنا إلى مكان آمن، وأدخلت الفتيات إلى غرفة جانبية.
ثم جلست مع ليلى وكريم.
وضعت الكتاب على الطاولة.
— لازم نعرف الحقيقة قبل ما مروان يوصل لنا.
فتحت الصفحة الأخيرة مرة أخرى.
لكن هذه المرة لاحظت شيئًا لم أنتبه له من قبل.
كان هناك رقم صغير مكتوب أسفل الرسم.
٤ — ١ — ٣ — ٢
قال كريم:
— ده ترتيب؟
قلت:
— غالبًا.
بدأنا نفحص صفحات الكتاب.
كل رقم كان يقودنا إلى صفحة معينة.
وفي كل صفحة وجدنا حرفًا.
بعد جمع الحروف، ظهرت كلمة واحدة:
«المستشفى.»
نظرت إلى ليلى.
— المستشفى اللي ولدتِ فيه البنات؟
أومأت.
— مستشفى النور في الإسكندرية.
اتصلت بأحد معارفي هناك.
وبعد دقائق، وصلتنا نسخة قديمة من سجلات الولادة.
لكن السجل كان صادمًا.
كانت أسماء الفتيات الأربع موجودة.
إلا أن هناك ملاحظة مكتوبة بالقلم الأحمر:
«تعديل في بيانات إحدى المواليد بناءً على طلب الإدارة.»
قلت:
— مين طلب التعديل؟
لم يظهر اسم.
لكن أسفل الورقة كان هناك توقيع.
تعرفت عليه فورًا.
مروان منصور.
ضرب كريم الطاولة بيده.
— يعني هو اللي بدّل البيانات!
قالت ليلى:
— بس ليه؟
قلت:
— عشان يخفي هوية واحدة من البنات.
ثم تذكرت شيئًا.
— لازم نعرف إيه البيانات الأصلية.
اتصلنا بأرشيف المستشفى.
وبعد انتظار طويل، حصلنا على صورة من السجل القديم.
كانت هناك أربعة أسماء.
لكن بجوار اسم إحدى الفتيات، كان هناك اسم آخر مشطوب.
اقتربت من الشاشة.
— استنى…
كبّرت الصورة.
كان الاسم الأصلي:
سلمى.
لكن الاسم الحالي:
نور.
نظرت إلى ليلى.
— نور كان اسمها سلمى؟
قالت:
— لأ… أنا سميتها نور من أول يوم.
سادت لحظة صمت.
قلت:
— يبقى مروان هو اللي غير الاسم.
لكن لماذا؟
—
في تلك اللحظة، خرجت إحدى الفتيات من الغرفة.
كانت نور.
قالت:
— عمو ياسين؟
نظرت إليها.
— نعم؟
اقتربت مني.
ثم أخرجت شيئًا من جيب معطفها.
كان مفتاحًا صغيرًا.
قالت:
— بابا اداني ده قبل ما يموت.
تجمدت.
— إمتى؟
— قبل ما يخرج من البيت في آخر يوم.
أخذت المفتاح.
كان محفورًا عليه رقم:
17.
نظرت إلى كريم.
— المخزن.
لكن نور قالت:
— بابا قال لي حاجة كمان.
— إيه؟
قالت:
— قال إن المفتاح مش للمخزن.
— أمال لإيه؟
نظرت خلفها للتأكد أن شقيقاتها لا يسمعن.
ثم همست:
— قال لي: لو حصل لي حاجة، خلي عمو ياسين يفتح الصندوق اللي ورا صورة أمي.
نظرت إلى ليلى.
كانت قد شحبت.
— صورة أمك؟
قالت نور:
— أيوه.
ثم أضافت:
— بس بابا ما كانش يقصد ماما ليلى.
توقفت تمامًا.
قلت:
— قصد مين؟
قالت:
— قال لي إن الصورة فيها الست اللي ولدتني.
لم تتحرك ليلى.
قالت بصوت مكسور:
— نور… إنتِ سمعتيه بيقول كده؟
هزت رأسها.
— أيوه.
ثم نظرت إليّ.
— وقال لي كمان إن الست دي ماتت من زمان.
شعرت بقشعريرة.
لأنني بدأت أرى الصورة كاملة.
سامح كان يعلم أن هناك طفلة ليست ابنة ليلى البيولوجية.
وكان يعلم من هي أمها.
ومروان حاول تغيير الأوراق لإخفاء ذلك.
لكن السؤال الأكبر ظل بلا إجابة:
لماذا كانت ابنة امرأة أخرى تعيش داخل بيت سامح؟
—
ذهبنا إلى منزل ليلى القديم.
دخلنا غرفة سامح.
كانت الغرفة مغلقة منذ ثلاث سنوات.
على الحائط كانت هناك صورة كبيرة للعائلة.
اقتربت منها.
كانت ليلى بجوار سامح.
والفتيات الأربع أمامهما.
لكنني لاحظت شيئًا غريبًا.
خلف الصورة، كان هناك جزء من الحائط مختلف اللون.
نزعت الصورة.
وجدت صندوقًا صغيرًا مخفيًا.
أدخلت المفتاح.
فتح الصندوق.
في الداخل كانت هناك أوراق، وصور، وشريط تسجيل قديم.
لكن قبل أن ألمس أي شيء، لاحظت صورة واحدة.
صورة لامرأة شابة تحمل طفلة رضيعة.
قلبت الصورة.
كان مكتوبًا خلفها:
«هذه هي أم سلمى الحقيقية.»
نظرت إلى ليلى.
كانت تبكي.
ثم قالت:
— أنا أعرفها.
— مين هي؟
نظرت إليّ.
— كانت أعز صديقة ليا.
— اسمها؟
ترددت.
ثم قالت:
— مريم.
وقبل أن أستوعب الاسم، سقط ظرف من الصندوق.
كان بداخله مستند واحد.
قرأت السطر الأول.
ثم شعرت بصدمة جعلتني غير قادر على الكلام.
كان المستند يثبت أن سامح لم يكن الأب البيولوجي لسلمى أيضًا.
بل كان هناك اسم رجل آخر.
رجل لم أكن أتوقع أن أراه أبدًا.
اسمي أنا.
رفعت عيني إلى ليلى.
— إيه ده؟
لم تجب.
أما كريم، فظل ينظر إلى المستند غير مصدق.
وفي تلك اللحظة فقط، فهمت لماذا اختارتني الفتيات في ذلك المطعم بالذات.
لم يكن الأمر صدفة.
والدهن الراحل لم يخترني لحمايتهن فقط…
بل لأن إحدى الفتيات الأربع كانت تحمل جزءًا من حقيقتي أنا.
الجزء السابع: الحقيقة التي أخفاها سامح عني
ظللت أحدق في المستند وكأنني أنتظر أن تتغير الكلمات أمام عيني.
لكنها لم تتغير.
كان اسمي مكتوبًا بوضوح.
ياسين عبد الرحمن.
وتحته عبارة جعلت قلبي يتوقف للحظة:
«الأب البيولوجي المحتمل للطفلة سلمى.»
رفعت رأسي ببطء نحو ليلى.
— إيه معنى الكلام ده؟
كانت تبكي.
قالت:
— سامح كان عارف.
— عارف بإيه؟
— عارف إن سلمى بنتك.
شعرت بأنني فقدت القدرة على الكلام.
قلت بصعوبة:
— أنا… ما عنديش بنت.
ردت ليلى:
— كان عندك.
— إمتى؟
— قبل ما تتجوز أنا سامح.
تراجعت خطوة.
بدأت الذكريات القديمة تتدافع في رأسي.
قبل زواج ليلى وسامح بسنوات، كنت أعيش فترة مختلفة تمامًا من حياتي.
كنت أعمل خارج الإسكندرية، ولم أكن أفكر في الزواج أو تكوين أسرة.
وكانت هناك فتاة اسمها مريم.
علاقة قصيرة انتهت فجأة، ثم اختفت من حياتي دون تفسير.
لم أكن أعرف أنها كانت حاملًا.
قلت:
— مريم كانت حامل؟
هزت ليلى رأسها.
— أيوه.
— وإنتِ كنتِ تعرفي؟
— عرفت بعدين.
— وسامح؟
قالت:
— هو عرف قبل ما يموت بسنين.
جلست على الكرسي.
— ليه ما قالليش؟
أجابت:
— لأن مريم طلبت منه.
— ليه؟
نظرت إلى الصورة القديمة.
— لأنها كانت مريضة، وكانت عارفة إنها مش هتقدر تربي البنت.
ثم سكتت لحظة.
— وسامح وعدها إنه يحميها.
نظرت إليها.
— وده سبب إن سلمى عاشت معاكم؟
— أيوه.
— لكن ليه أخفى الحقيقة عني؟
قالت:
— لأنه كان خايف إنك تاخدها منه.
أغلقت عيني.
لم أكن أعرف ماذا أشعر.
الغضب؟
الصدمة؟
الندم؟
كل شيء اختلط بداخلي.
ثم تذكرت الفتاة الصغيرة التي أمسكت بساقي في المطعم.
والطريقة التي نظرت بها إليّ منذ اللحظة الأولى.
قلت:
— سلمى فين؟
أشارت ليلى إلى الغرفة.
ذهبت إليها.
كانت الفتاة الصغيرة جالسة على السرير، تمسك دميتها.
عندما رأتني، ابتسمت.
— عمو ياسين.
جلست بجوارها.
لم أستطع أن أخبرها بالحقيقة.
ليس الآن.
لكنني سألتها:
— سلمى، بابا كان بيقولك إيه عني؟
فكرت قليلًا.
ثم قالت:
— قال إنك شخص كويس.
سألت:
— بس؟
هزت رأسها.
— وقال إنك هتعرفني لما أكبر.
شعرت بغصة في حلقي.
ثم سألت:
— وإنتِ كنتِ عارفة إني هاجي؟
قالت:
— لأ.
ثم أضافت:
— بس بابا قال لي لو خفت، دور على الراجل اللي عنده خاتم أسود.
نظرت إلى يدي.
كان في إصبعي خاتم أسود قديم.
تجمدت.
— سامح قال لك كده؟
هزت رأسها.
في تلك اللحظة فهمت.
سامح لم يترك الكتاب بالصدفة.
ولم يرسل الفتيات إليّ بالصدفة.
كان يعرف أنني سأكون الشخص الوحيد الذي يمكنه حمايتهن.
—
فتحت بقية الأوراق.
وجدت رسالة مكتوبة بخط سامح.
بدأت أقرأ:
«ياسين، لو وصلت للرسالة دي، فأنا فشلت في حماية الحقيقة وحدي.»
توقفت للحظة.
ثم تابعت:
«سلمى ابنتك. لكن مروان لا يريدها بسبب نسبها فقط.»
قلبت الصفحة.
«مريم قبل وفاتها اكتشفت أن والدها كان يملك حصة سرية في مجموعة شركات ضخمة. وبعد وفاتها، أصبحت الحصة قانونيًا من حق سلمى.»
شهقت.
لم تكن سلمى مجرد طفلة.
كانت وريثة لثروة هائلة.
لكن سامح كتب شيئًا أخطر:
«مروان عرف بالحصة قبل أن تعرف ليلى. ولذلك حاول تغيير أوراق سلمى وإخفاء هويتها.»
ثم جاءت الجملة التي غيرت كل شيء:
«لكن هناك شخصًا آخر ساعد مروان.»
توقفت.
كان الاسم ممزقًا من الورقة.
لم يتبقَّ منه سوى حرفين.
«مـ… ا…»
قال كريم:
— ممكن يكون اسم حد من الشركة.
هززت رأسي.
— لازم نعرف.
فجأة، سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.
ذهبت إلى النافذة.
كانت سيارة سوداء.
ثم نزل منها الرجل الذي طاردنا.
لكن هذه المرة لم يكن معه رجال.
كان معه شخص واحد فقط.
رجل مسن.
وعندما رأيته، شعرت بصدمة.
قلت:
— مستحيل.
سأل كريم:
— مين؟
أجبته:
— الدكتور فؤاد.
كان الطبيب الذي أجرى تحليل النسب.
الرجل الذي أخبر ليلى أن التقرير الذي معها مزور.
لكن لماذا جاء مع رجال مروان؟
—
رن جرس الباب.
قالت ليلى:
— ما تفتحش.
قلت:
— لازم نعرف هو عايز إيه.
وقفت خلف الباب.
— مين؟
جاء صوت الدكتور فؤاد:
— أنا.
— إيه اللي جابك؟
قال:
— لازم أشوف سلمى.
تبادلت النظرات مع ليلى.
قلت:
— ليه؟
صمت.
ثم قال:
— لأن مروان مش هو أخطر شخص في القصة دي.
فتحت الباب قليلًا.
كان وجهه شاحبًا.
قال:
— سامح طلب مني قبل موته أعمل تحليل نسب سري.
— وعملت التحليل؟
— أيوه.
— والنتيجة؟
نظر إليّ مباشرة.
— سلمى بنتك.
توقفت.
ثم قال:
— لكن في نتيجة تانية أخطر.
سألت:
— إيه؟
قال:
— واحدة من البنات الأربع مرتبطة بعائلة مريم.
— إزاي؟
— لأن مريم ما كانتش مجرد امرأة عادية.
ثم أخرج ملفًا قديمًا.
— كانت شاهدة على جريمة مالية كبيرة.
وأضاف:
— والناس اللي كانوا وراء الجريمة قتلواها بعد ما اكتشفوا الحقيقة.
نظرت إلى ليلى.
كانت تبكي.
ثم قلت:
— مين اللي قتل مريم؟
لم يجب الطبيب.
بل نظر خلفي.
كانت سلمى واقفة عند باب الغرفة.
ثم قال:
— الشخص اللي قتل مريم…
وسكت.
وفي تلك اللحظة، انطلقت رصاصة من خارج المنزل.
تحطم زجاج النافذة.
صرخت ليلى واحتضنت البنات.
أمسكت سلمى وسحبتها إلى الأرض.
ثم سمعت صوتًا من الخارج:
— سلّموا البنت!
عرفت الصوت فورًا.
كان مروان.
لكن المفاجأة أن الدكتور فؤاد لم يهرب.
بل قال لي:
— ياسين، لازم تخرج سلمى من هنا فورًا.
قلت:
— وإنت؟
نظر إليّ بحزن.
— أنا السبب إن الحقيقة فضلت مدفونة ثلاث سنين.
ثم أضاف:
— وحان الوقت أصلح غلطي.
أخرج من جيبه مفتاحًا آخر ووضعه في يدي.
— ده مفتاح المخزن رقم 17.
قلت:
— لكن مروان هناك.
هز رأسه.
— مروان مش هناك.
— أمال مين؟
نظر إليّ مباشرة.
— الشخص اللي قتل سامح.
ثم أشار إلى ليلى.
— والشخص ده…
توقف.
— موجود داخل بيتكم من أول يوم.
التفتُّ نحو ليلى.
لكنها كانت تنظر إلى شخص خلفي.
وعندما استدرت…
وجدت إحدى الفتيات الأربع واقفة وحدها في الممر.
كانت تحمل صورة مريم.
وقالت بصوت مرتجف:
— عمو ياسين…
— ماما قالت لي ما أقولش لك.
ثم رفعت الصورة.
— لكن أنا عرفت مين الست اللي فيها.
نظرت إليها.
قالت:
— دي مش مريم.
وتغير وجه ليلى فورًا.
لأن الصورة التي كانت في يد الطفلة…
كانت لامرأة أخرى تمامًا.
الجزء الثامن: المرأة التي أخفاها سامح
حدقتُ في الصورة التي كانت تمسكها الفتاة.
كانت امرأة شابة تقف بجوار سامح، وتحمل طفلة رضيعة بين ذراعيها.
نظرت إلى ليلى.
— مين دي؟
لم تجب.
اقتربت منها.
— ليلى، أنا بسألك مين الست دي؟
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.
ثم قالت بصوت مكسور:
— اسمها هالة.
— هالة مين؟
— أخت مريم.
شعرت بالصدمة.
— أخت مريم؟
أومأت.
— أيوه.
نظرت إلى الصورة مرة أخرى.
— وإيه علاقتها بسامح؟
قالت:
— كانت هي اللي بتساعد مريم قبل وفاتها.
ثم سكتت.
— لكن بعد وفاة مريم، هالة اختفت.
سألت:
— اختفت فين؟
قالت:
— محدش يعرف.
الدكتور فؤاد تدخل قائلًا:
— أنا أعرف.
التفتنا إليه.
قال:
— هالة ما اختفتش.
— أمال؟
خفض عينيه.
— تم تهريبها خارج الإسكندرية في نفس الليلة اللي مات فيها سامح.
قلت:
— مين هربها؟
أجاب:
— سامح.
سألت بدهشة:
— ليه؟
قال:
— لأنها كانت الشاهدة الوحيدة اللي تعرف كل شيء عن الحسابات السرية.
ثم أضاف:
— وكانت تعرف مين قتل مريم.
ساد الصمت.
قلت:
— مين؟
نظر الدكتور فؤاد إليّ.
— مروان.
لم أندهش هذه المرة.
لكن الطبيب أكمل:
— مروان لم يكن يعمل وحده.
تذكرت الاسم الممزق في رسالة سامح.
مـ… ا…
قلت:
— مين شريكه؟
قبل أن يجيب، سمعنا صوت الباب الرئيسي يُفتح.
تجمد الجميع.
قال كريم:
— مستحيل… إحنا قفلناه.
ثم جاء صوت امرأة:
— أنا اللي فتحته.
التفتنا.
كانت إحدى العاملات القديمات في منزل ليلى.
امرأة في منتصف العمر اسمها سعاد.
كانت تقف عند المدخل.
قالت:
— مروان دخل من الباب الخلفي.
رفعت صوتي:
— البنات فين؟
أشارت إلى الغرفة.
— جوه.
ركضت نحوهن.
وجدتهن الأربع معًا.
لكن شيئًا كان ناقصًا.
سلمى لم تكن هناك.
صرخت:
— سلمى!
لم يجب أحد.
بحثنا في كل الغرف.
لا أثر لها.
ثم وجدت ورقة صغيرة فوق سريرها.
فتحتها.
كانت مكتوبة بخط طفل:
«عمو ياسين، الراجل اللي عند الباب قال إنه صاحب بابا. أنا مشيت معاه عشان ينقذ ماما.»
شعرت بالغضب.
— خدوا سلمى!
قال كريم:
— مين؟
أجبت:
— مروان.
لكن الدكتور فؤاد هز رأسه.
— لا.
— إنت عرفت منين؟
قال:
— لأن مروان مش عايز سلمى.
نظرت إليه.
— أمال مين؟
قال:
— الشخص اللي أخذها.
ثم أضاف:
— هو الشخص اللي كان سامح بيحاول يحميها منه طوال السنوات الماضية.
—
خرجنا من المنزل بسرعة.
كان لدينا مفتاح المخزن رقم 17.
وصلنا إلى محطة الرمل.
كان المخزن مهجورًا منذ سنوات.
فتحت الباب.
في الداخل كانت هناك صناديق قديمة.
لكن في منتصف الغرفة، كانت توجد طاولة صغيرة فوقها آلة تسجيل.
ضغطت زر التشغيل.
خرج صوت سامح.
— لو أنت وصلت للمخزن، يبقى مروان عرف مكانه.
سكت لحظة.
— لكن لو سلمى معاك، يبقى عندك وقت قليل.
ثم قال:
— الشخص اللي لازم تخاف منه مش مروان.
تبادلت النظرات مع كريم.
تابع التسجيل:
— مروان مجرد أداة.
ثم جاء الاسم.
«ماهر الشاذلي.»
شهقت.
كان ماهر الشاذلي رجل أعمال نافذًا في الإسكندرية، واسمًا لا يظهر كثيرًا في العلن.
لكن الجميع يعرف أن نفوذه يمتد إلى شركات كثيرة.
تابع سامح:
— ماهر هو اللي كان بيموّل كل حاجة.
— وهو اللي أمر بقتل مريم.
— وهو اللي حاول يقتلني.
— وهو اللي دفع مروان لتغيير أوراق سلمى.
ثم جاء الجزء الأخطر:
— لكن ماهر مش عايز الفلوس.
— هو عايز شيء موجود في دم سلمى.
توقفت عن التنفس.
قلت:
— في دمها؟
واصل التسجيل:
— مريم كانت من عائلة تمتلك تركيبة وراثية نادرة مرتبطة بمرض وراثي خطير.
— وماهر يريد الوصول إلى الملفات الطبية للعائلة.
نظرنا إلى بعضنا.
لم تكن المسألة أموالًا فقط.
كانت هناك معلومات طبية وعائلية يمكن أن تساوي ثروة.
لكن لماذا سلمى؟
ثم ظهر تسجيل آخر.
صوت مريم.
كان تسجيلًا قصيرًا.
قالت:
— لو حصل لي حاجة، خلو بنتي بعيدة عن ماهر.
— هو مش عايزها تموت.
ثم سكتت.
— هو عايز يستخدمها.
انتهى التسجيل.
شعرت بالغضب.
قلت:
— لازم نلاقي سلمى.
في تلك اللحظة، رن هاتف ليلى.
كانت رسالة.
«تعالي إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء.»
وتحتها عنوان:
مستشفى النور.
—
وصلنا إلى المستشفى بعد منتصف الليل.
كان المكان شبه خالٍ.
دخلنا من الباب الخلفي.
سمعنا صوت طفل يبكي.
— سلمى!
ركضنا نحو الصوت.
وجدناها في غرفة قديمة.
كانت جالسة على كرسي، وبجوارها رجل.
رفعت رأسي.
كان ماهر الشاذلي.
ابتسم بهدوء.
— أخيرًا قابلتك يا ياسين.
وقفت أمامه.
— سيب البنت.
قال:
— مش هأذيها.
— ابعد عنها.
ضحك.
— أنت لسه فاكر إن الموضوع عن المال؟
نظرت إليه بغضب.
— إنت قتلت مريم.
تغيرت ابتسامته.
— مريم ماتت لأنها عرفت أكثر مما ينبغي.
قالت ليلى:
— ليه سلمى؟
نظر ماهر إلى الطفلة.
— لأنها تحمل الشيء الوحيد الذي أحتاجه.
سألته:
— إيه؟
اقترب من سلمى.
لكن قبل أن يلمسها، دخل الدكتور فؤاد.
قال:
— أنا أقدر أقولك.
التفت ماهر.
— إنت؟
قال الطبيب:
— التحليل الأصلي لسلمى موجود عندي.
ابتسم ماهر.
— إذًا أحضرته.
أخرج الطبيب ملفًا.
لكن بدلًا من إعطائه لماهر، ألقاه على الأرض.
ثم قال:
— التحليل أثبت شيئًا لم تتوقعه.
انحنى ماهر والتقط الملف.
قرأ الصفحة الأولى.
ثم تغير وجهه.
قال:
— مستحيل.
نظرت إلى الملف.
وكانت النتيجة واضحة:
سلمى ليست مجرد ابنة ياسين.
كانت تحمل صلة وراثية مباشرة بعائلة ماهر نفسه.
رفع ماهر رأسه ببطء.
وقال:
— مين والدها الحقيقي؟
نظر الجميع إليّ.
أما الدكتور فؤاد فقال:
— دي هي المفاجأة.
ثم فتح الصفحة الأخيرة.
— ياسين هو والدها بالفعل…
— لكن ماهر الشاذلي…
توقف.
— هو جدها من ناحية والدتها.
ساد صمت رهيب.
نظرت إلى سلمى.
ثم إلى ماهر.
وفهمت أخيرًا لماذا كان يطاردها طوال ثلاث سنوات.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في جملة قالها ماهر قبل أن يتحرك أحد:
— إذًا مريم كانت بنتي فعلًا…
ثم ابتسم ابتسامة غريبة.
— وده معناه إن كل اللي أخفيته عنكم لثلاثين سنة…
سكت.
ثم قال:
— لسه محدش عرف الحقيقة كاملة.
الجزء التاسع قبل الأخير: الحقيقة التي أخفاها ماهر
ساد الصمت داخل الغرفة.
لم أكن أستطيع أن أرفع عيني عن سلمى.
أما ماهر الشاذلي، فكان واقفًا في مكانه وكأنه تلقى ضربة لم يكن مستعدًا لها.
قال بصوت منخفض:
— مريم كانت بنتي…
ثم ضحك ضحكة قصيرة بلا أي فرحة.
— وأنا قضيت سنين بدور عليها من غير ما أعرف إنها كانت أقرب لي مما أتخيل.
نظرت إليه بغضب.
— إنت اللي قتلتها.
رفع عيني إليّ.
— أيوه.
قالها ببساطة جعلتني أشعر بالغضب أكثر.
— لكن ما قتلتهاش عشان أقتلها.
صرخت:
— أمال ليه؟
قال:
— لأنها سرقت مني ملفات كنت محتاجها.
تدخل الدكتور فؤاد:
— مريم ما سرقتش حاجة. هي اكتشفت إنك كنت تستخدم ملفات المرضى وتبيع معلوماتهم لشركات.
صمت ماهر.
ثم قال:
— كانت غبية.
قالت ليلى:
— كانت بتحاول تحمي بنتها.
نظر إليها.
— وأنا كنت بحاول أحمي عيلتي.
ضحكت بسخرية.
— عيلتك؟
ثم أشرت إلى سلمى.
— إنت حاولت تقتل أمها وتخطف بنتها، وبتقول عيلتك؟
لأول مرة تغير وجه ماهر.
قال:
— أنا ما كنتش عارف إنها بنتي.
ثم نظر إلى سلمى.
— لو كنت أعرف… ما كنتش سمحت لأي حد يقرب منها.
قال الدكتور فؤاد:
— كذب.
نظر إليه ماهر.
— إنت عارف الحقيقة.
أخرج الطبيب ملفًا آخر.
— التحليل اللي أخفيته ثلاث سنين كان بيقول إن مريم هي ابنتك.
ثم نظر إليّ.
— وإن سلمى بنت ياسين.
وأضاف:
— لكن التحليل أثبت كمان إن هناك طفلة أخرى تحمل تطابقًا وراثيًا مع عائلة ماهر.
تجمدت.
— طفلة أخرى؟
نظرت إلى الفتيات.
كانت ليلى واقفة خلفهن.
قالت:
— إيه اللي بتقوله؟
فتح الطبيب الملف.
— إحدى الفتيات الأربع تحمل نفس العلامة الوراثية الموجودة في عائلة ماهر.
نظر ماهر إلى الفتيات.
— مين؟
لم يجب الطبيب.
قلت:
— ليه كل السر ده مرتبط بالأربع بنات؟
قال:
— لأن مريم قبل موتها كانت تعرف أن هناك عملية تبديل تمت داخل المستشفى.
سألته:
— تبديل إيه؟
— أطفال.
شهقت ليلى.
قال الطبيب:
— ليلة ولادة الفتيات الأربع، حدث خطأ متعمد في السجلات.
— مروان استغل الفوضى وبدّل هوية إحدى المواليد.
قلت:
— ليه؟
— لأن الطفلة التي أراد إخفاء هويتها لم تكن ابنة سامح.
ثم نظر إلى ماهر.
— كانت حفيدته.
اتسعت عينا ماهر.
— مستحيل.
قال الطبيب:
— الطفلة التي تحمل دم عائلتك كانت موجودة داخل بيت سامح طوال ثلاث سنوات.
بدأت أنظر إلى الفتيات واحدة تلو الأخرى.
لكن ماهر تقدم فجأة.
— فين التحليل الأصلي؟
أجاب الطبيب:
— مع شخص آخر.
— مين؟
نظر إليّ.
— سامح.
توقفت.
— سامح مات من ثلاث سنين.
قال الطبيب:
— لكنه ترك نسخة في مكان لا يعرفه أحد.
ثم أشار إلى الكتاب القديم.
— داخل الكتاب.
فتحنا الكتاب مرة أخرى.
لكن هذه المرة، لاحظت شيئًا في الغلاف الداخلي.
كان هناك جزء ملتصق.
نزعت الورقة بحذر.
وجدنا ظرفًا صغيرًا.
كان عليه اسم:
«إلى ياسين… لا تفتحه إلا عندما تكون البنات الأربع معك.»
فتحت الظرف.
في الداخل صورة للفتيات الأربع، وتحتها أربع نتائج نسب.
أخذت نفسًا عميقًا.
بدأت أقرأ.
الأولى…
ابنة سامح.
الثانية…
ابنة سامح.
الثالثة…
ابنة سامح.
ثم الرابعة…
توقفت.
كانت النتيجة مختلفة.
ليست ابنة سامح.
لكنها كانت تحمل تطابقًا مباشرًا مع ياسين.
ومع عائلة مريم.
نظرت إلى سلمى.
ثم إلى ليلى.
قلت:
— سلمى هي البنت الرابعة.
هز الدكتور فؤاد رأسه.
— أيوه.
لكنني شعرت بشيء غريب.
قلت:
— طيب ليه التقرير الأول قال إن سلمى بنت سامح؟
قال:
— لأن مروان زوّر النتيجة.
ثم أضاف:
— وكان هدفه إنك ما تعرفش إنك والدها الحقيقي.
نظر ماهر إليّ.
— إذًا أنت والد حفيدتي.
قلت:
— حفيدتك اللي حاولت تقتل أمها.
خفض رأسه.
للحظة بدا وكأنه ندم.
لكنني لم أثق به.
وفجأة، سمعنا صوت سيارات كثيرة تتوقف خارج المستشفى.
نظر كريم من النافذة.
— الشرطة.
لكن ماهر ابتسم.
— مش الشرطة.
ثم جاء صوت عبر مكبر صوت:
— ماهر الشاذلي! أنت محاصر. اخرج ويداك مرفوعتان.
نظرنا إليه.
قال:
— إنت جبت الشرطة؟
أجاب كريم:
— من أول ما دخلنا المستشفى.
ثم اقترب مني وقال:
— كان لازم أضمن إن النهاية تكون قدام شهود.
حاول ماهر الوصول إلى الباب.
لكن الشرطة دخلت في اللحظة نفسها.
أمسكوا به.
وأثناء اقتياده للخارج، توقف أمام سلمى.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— أنا آسف.
لم تجبه.
أما أنا، فأمسكت يدها.
وقبل أن يخرج ماهر، قال شيئًا جعل الجميع يتوقف:
— ياسين…
نظرت إليه.
— مروان مش أخطر شخص.
— هو مجرد واحد من الناس اللي اشتغلوا معايا.
— لكن الشخص اللي بدأ كل ده…
سكت.
ثم قال:
— لسه حر.
نظرت إلى الدكتور فؤاد.
كان وجهه قد تغير.
قال:
— سامح كان يعرف.
— يعرف إيه؟
أجاب:
— الشخص اللي خطط لكل شيء لم يكن مروان ولا ماهر.
ثم أخرج ورقة أخيرة من ملف سامح.
كان عليها اسم واحد.
قرأته.
وشعرت بصدمة شديدة.
لأن الاسم كان لشخص قريب جدًا من العائلة.
ليلى منصور.
رفعت عيني إليها.
لكن ليلى لم تنكر.
بل قالت بهدوء:
— سامح كان عارف إني هعمل كده.
سألتها:
— عملتِ إيه؟
نظرت إلى الفتيات.
ثم قالت:
— أنا اللي بدّلت واحدة من البنات.
ساد الصمت.
— لكني عملت ده عشان أنقذها.
ثم أضافت:
— لأن أمها الحقيقية كانت لسه عايشة.
توقفت.
— ومريم لم تكن أم سلمى الحقيقية.
نظرت إليها مذهولًا.
— أمال مين؟
ابتسمت ليلى بحزن.
وقالت:
— أنا.
ثم أضافت:
— سلمى ليست ابنة مريم.
— سلمى كانت ابنتي أنا…
وفي تلك اللحظة، فهمت أن الحقيقة الأخيرة التي أخفاها سامح طوال ثلاث سنوات…
كانت أخطر من كل ما عرفناه.
الجزء العاشر والأخير: الحقيقة التي دُفنت ثلاث سنوات
لم أستطع الكلام.
حدقت في ليلى، ثم في سلمى، ثم عدت بنظري إلى الأوراق التي كانت أمامي.
— إنتِ بتقولي إيه يا ليلى؟
قالت وهي تبكي:
— سلمى بنتي أنا.
— لكن التحليل…
قاطعتني:
— التحليل كان صحيحًا في حاجة واحدة… إنت أبوها.
توقفت.
— يعني إيه؟
أخذت نفسًا عميقًا.
— قبل ما أتجوز سامح، كنت حامل منك.
شعرت وكأن كل شيء من حولي توقف.
قالت:
— أنا ومريم كنا صديقتين. ولما عرفت إني حامل، كنت خايفة. كنت لسه صغيرة، وأهلي كانوا هيرفضوا الطفل. ومريم كانت الوحيدة اللي وقفت جنبي.
— وبعد ما ولدت سلمى، سامح عرف بالحقيقة.
قلت:
— وليه أخدها؟
— لأنه كان يحبني، وكان مستعد يتجوزني ويعتبرها بنته.
سألتها:
— ومريم؟
خفضت رأسها.
— مريم لم تكن أم سلمى.
— إذًا ليه كل الناس كانوا بيقولوا إن مريم أمها؟
قالت:
— لأنها ساعدتني في المستشفى. وكانت هي اللي سجلت اسمها مؤقتًا في الأوراق، خوفًا من أهلي.
ثم نظرت إلى سامح في الصورة القديمة.
— بعد ذلك تزوجت سامح، وربّينا سلمى مع باقي البنات.
قلت:
— ومروان عرف؟
— أيوه.
— وماهر؟
— عرف بعده.
ثم بدأت الحقيقة تتضح.
مروان لم يكن يريد قتل سلمى لأنها وريثة مريم.
كان يريد استخدامها للسيطرة على أموال سامح، بينما ماهر كان يطاردها لأنه كان يعتقد أنها حفيدته.
أما الحقيقة…
فكانت مختلفة تمامًا.
—
قلت:
— طيب مين الشخص اللي بدأ كل ده؟
ليلى لم تجب.
وضعت أمامي رسالة قديمة.
كان الخط خط سامح.
فتحتها.
كتب:
«ياسين، أنا أخفيت عنك الحقيقة لأنني كنت أظن أن الصمت سيحمي الجميع. لكن الصمت جعل الخطر أكبر.»
ثم تابع:
«ليلى لم تخنني. هي طلبت مني أن أخفي حقيقة سلمى حتى لا يصل إليها مروان.»
«أما الشخص الذي بدأ كل هذه المؤامرة فهو…»
كان الاسم واضحًا.
مروان منصور.
لكنني تذكرت كلام ماهر.
مروان لم يكن وحده.
فتحنا ملفًا آخر.
وجدنا تحويلات مالية، رسائل، وتسجيلات تثبت أن مروان هو الذي حرّك كل الخيوط.
كان يستخدم اسم ماهر ونفوذه لتخويف الآخرين، ويستغل خوف ليلى على بناتها.
أما ماهر، فكان متورطًا في جرائم مالية وإخفاء معلومات، لكنه لم يكن العقل المدبر لكل ما حدث.
وكان مروان هو الشخص الذي حاول تزوير الأوراق، وتغيير هوية سلمى، والاستيلاء على أموال سامح.
—
بعد أيام، بدأت التحقيقات الرسمية.
تم القبض على مروان، وظهرت المستندات التي أخفاها لسنوات.
أما ماهر، فتم التحقيق معه في قضايا مالية عديدة.
الدكتور فؤاد قدم كل الملفات التي احتفظ بها طوال السنوات الماضية.
وأخيرًا ظهرت الحقيقة كاملة.
سامح لم يمت في حادث.
لقد مات بعدما اكتشف مؤامرة مروان.
وقبل موته، خبأ الأدلة داخل الكتاب القديم، لأنه كان يعرف أن أي شخص آخر قد يكتشفها ويحاول التخلص منها.
لكن سامح ترك شيئًا أهم من الأدلة.
ترك طريقة للوصول إليّ.
كان يعرف أنني إذا عرفت أن لدي ابنة، فسأفعل المستحيل لحمايتها.
—
بعد عدة أسابيع، جلست مع الفتيات الأربع في حديقة هادئة.
كانت سلمى تجلس بجواري.
سألتني:
— عمو ياسين؟
ابتسمت.
— أيوه؟
قالت:
— ينفع أناديك بابا؟
شعرت بعيني تمتلئان بالدموع.
نظرت إلى ليلى.
ابتسمت وهي تبكي.
ثم عدت إلى سلمى.
قلت:
— من النهارده، مش عمو.
احتضنتني.
وقالت:
— بابا.
كان ذلك الصوت البسيط أثمن شيء سمعته في حياتي.
أما أخواتها الثلاث، فاقتربن أيضًا.
قالت الكبرى:
— وإحنا؟
ضحكت.
— إنتوا كمان بناتي.
ضحكن جميعًا.
وفي تلك اللحظة، فهمت شيئًا لم أكن أعرفه من قبل.
العائلة ليست دائمًا مرتبطة بالدم.
أحيانًا تكون العائلة هي الأشخاص الذين يختارون البقاء بجانبك عندما يرحل الجميع.
—
بعد مرور عام، تم بيع جزء من ممتلكات سامح، وتخصيص أموال لتعليم الفتيات وتأمين مستقبلهن.
أما سلمى، فأصبحت تحمل اسمي رسميًا.
احتفظت بالكتاب القديم.
ليس لأنه يحتوي على أسرار أو أموال.
بل لأنه كان السبب في أنني التقيت بابنتي.
وفي الصفحة الأخيرة، وجدت جملة لم أنتبه إليها من قبل.
كانت مكتوبة بخط سامح:
«يا ياسين، لو وصلت إلى هذه الصفحة، فقد عرفت الحقيقة. لا تكرهني لأنني أخفيتها عنك. كنت أحاول أن أحمي طفلة لم تكن تعرف لماذا تخاف، ورجلًا لم يكن يعرف أنه أب.»
ثم كانت هناك جملة أخيرة:
«أرجوك، لا تجعل سلمى تدفع ثمن أخطاء الكبار.»
أغلقت الكتاب.
ونظرت إلى سلمى التي كانت تلعب مع أخواتها.
ابتسمت.
وأدركت أنني أمضيت ثلاث سنوات أبحث عن الحقيقة…
لكن الحقيقة كانت تبحث عني منذ اليوم الذي ولدت فيه ابنتي.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد سلمى الطفلة التي اختبأت تحت طاولتي وقالت:
«أرجوك مثّل أنك والدنا.»
أصبحت ابنتي.
وأصبحت أنا…
والدًا أخيرًا.
تمت
حكايات محمد عبده




