
الجزء الثاني
وقفتُ أمام مئات الجنود، بينما كان زوج أختي يحاول إخفاء الذي ظهر في عينيه… لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن أنني أصبحت القائدة الجديدة، بل ما كنت على وشك كشفه عن السنوات الست الماضية!
لم أكن أتخيل أن اليوم الذي انتظرته طويلًا سيأتي بهذه الطريقة.
وقفت في منتصف ساحة العرض العسكري، أسمع التصفيق من حولي، وأرى نظرات الدهشة على وجوه أفراد عائلتي.
لكنني لم أكن أفكر في التصفيق، ولا في المنصب الجديد، ولا حتى في نظرات أبي الذي بدأ ينظر إليّ وكأنه يكتشف للمرة الأولى أن لديه ابنة تستحق الفخر.
كنت أنظر إلى أحمد الشافعي.
الرجل الذي وقف لسنوات أمام الجميع في صورة الضابط المثالي، بينما كان يعمل في الخفاء على تدمير مستقبلي.
اقترب مني أحد الضباط المسؤولين عن تنظيم المراسم، وأدى التحية العسكرية، ثم قال باحترام:
— سيادة العقيد سلمى منصور، نرجو من حضرتك التفضل بالصعود إلى المنصة لاستكمال المراسم.
أومأت برأسي، ثم بدأت السير نحو المنصة بخطوات ثابتة.
وعندما مررت بجوار عائلتي، سمعت أمي تناديني بصوت مرتجف:
— سلمى… استني لحظة!
توقفت والتفت إليها.
كانت تنظر إلى رتبتي العسكرية، ثم إلى وجهي، وكأنها تحاول التأكد من أن ما يحدث أمامها حقيقي.
قالت بصوت منخفض:
— إنتِ… إنتِ اللي هتاخدي مكان أحمد؟
أجبتها بهدوء:
— أيوه يا أمي. ده قرار رسمي، واتبلغت بيه من فترة.
نظرت إلى أحمد، ثم عادت تنظر إليّ.
— طب ليه ما قولتيش لنا؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عيني.
— كنت هقول لكم إيه يا أمي؟ إن بنتكم اللي كنتوا بتتهموها بالفشل وعدم الاستقرار، بقت مؤهلة لمنصب كان أحمد نفسه بيحلم بيه؟
تدخل أبي بسرعة، وكأنه شعر أن حديثنا بدأ يجذب انتباه بعض الحاضرين.
— مش وقت الكلام ده يا سلمى. إحنا في مناسبة رسمية، ولازم نحافظ على شكلنا قدام الناس.
نظرت إليه طويلًا.
حتى الآن، وبعد كل ما حدث، كان أكثر ما يشغله هو شكل العائلة أمام الآخرين.
لم يسألني كيف وصلت إلى هذا المنصب.
لم يسألني عن السنوات التي قضيتها في العمل بعيدًا عنهم.
ولم يسألني لماذا بدا أحمد وكأنه رأى شبحًا عندما اكتشف وجودي.
كل ما أراده أبي هو أن ألتزم الصمت، كما فعلت طوال السنوات الماضية.
قلت له:
— متقلقش يا أبي. أنا مش جاية أعمل فضيحة لحد. أنا جاية أؤدي واجبي.
ثم استدرت وصعدت إلى المنصة.
—
كان أحمد واقفًا بجوار مقعده، يحاول استعادة هدوئه.
اقترب مني عندما سنحت له الفرصة، وتحدث بصوت منخفض حتى لا يسمعه أحد.
— إنتِ بتعملي إيه هنا بالضبط؟
نظرت إليه وكأنني لم أفهم سؤاله.
— بعمل إيه؟ مش واضح؟ جاية أستلم منصبي.
شد فكه، ثم قال:
— إنتِ عارفة كويس إني أقصد حاجة تانية. إيه اللي في الشنطة دي؟
رفعت الحقيبة قليلًا.
— أوراق تخص شغلي.
— متلعبيش معايا يا سلمى!
كانت نبرته حادة، لكنني لاحظت كيف تحركت عيناه بسرعة نحو الضباط الواقفين بالقرب منا.
كان يخشى أن يسمع أحد حديثنا.
قلت بهدوء:
— غريبة! إنت طول عمرك بتقول إنك مفيش حاجة تخاف منها. إيه اللي اتغير؟
اقترب خطوة أخرى، وخفض صوته أكثر.
— اسمعيني كويس. اللي حصل من ست سنين انتهى. أيًّا كان اللي فاكرة إنك معاكي، مش هيغير حاجة.
تلك الكلمات أكدت لي أنه لم يتغير على الإطلاق.
حتى في اللحظة التي اكتشف فيها أنني أصبحت مسؤولة عن القيادة، كان لا يزال يعتقد أنه يستطيع تخويفي وإجباري على الصمت.
أجبته:
— الفرق بين زمان ودلوقتي يا أحمد، إنك كنت فاكر إنك تقدر تتحكم في مستقبلي. دلوقتي أنا مش محتاجة إذنك عشان أتكلم.
تجمدت ملامحه.
ثم قال:
— إنتِ مش فاهمة العواقب.
— بالعكس. أنا فاهمها كويس جدًا. وعشان كده رجعت.
قبل أن يتمكن من الرد، اقترب منا ضابط آخر وأبلغه أن المراسم ستبدأ خلال لحظات.
ابتعد أحمد عني، لكنه ظل ينظر إلى الحقيبة في يدي.
كنت أعرف تلك النظرة.
إنها النظرة نفسها التي رأيتها في عينيه قبل ست سنوات، عندما أدرك أنني بدأت أقترب من الحقيقة.
لكن هذه المرة، لم أكن وحدي.
—
بدأت مراسم تسليم القيادة وسط أجواء رسمية.
تقدم المسؤول عن المراسم، وبدأ في قراءة القرارات المتعلقة بانتهاء فترة قيادة العقيد أحمد الشافعي، ثم أعلن اسمي بصفتي الضابط الذي سيتولى المسؤولية الجديدة.
تقدمت إلى المكان المحدد، وأديت التحية العسكرية.
كان كل شيء يسير وفقًا للإجراءات الرسمية، لكنني شعرت أن الهواء نفسه أصبح أثقل.
فأحمد كان يعرف أنني لا أحمل مجرد أوراق قديمة.
كنت أحمل ما يمكن أن يثبت أنه تعمد تضليل التحقيق الذي كاد ينهي مسيرتي العسكرية.
وقبل انتهاء المراسم، طلب المسؤول من أحمد تسليم المستندات الرسمية المتعلقة بمهامه إلى القيادة الجديدة.
تقدم أحمد، يحمل ملفًا أزرق اللون.
مد يده نحوي بالملف، ثم قال بصوت رسمي مصطنع:
— أتمنى لكِ التوفيق في مسؤوليتك الجديدة يا سيادة العقيد.
نظرت إلى الملف، ثم إلى وجهه.
— شكرًا يا سيادة العقيد السابق.
مددت يدي وتسلّمت الملف.
وللحظة قصيرة، تلامست أيدينا.
همس أحمد بكلمات لم يسمعها غيري:
— لسه تقدري توقفي كل ده.
لم أنظر إليه حتى.
قلت وأنا أضع الملف فوق الطاولة:
— الفرصة دي كانت موجودة من ست سنين. إنت اللي ضيعتها.
ثم ابتعدت عنه.
ارتفعت أصوات التصفيق من جديد، والتُقطت الصور الرسمية، بينما بدأ الحاضرون يتبادلون التهاني.
لكنني لاحظت شيئًا غريبًا.
أحمد لم يغادر المنصة كما كان متوقعًا.
ظل واقفًا بالقرب من أحد الضباط، يتحدث معه بصوت منخفض، ثم نظر نحوي نظرة سريعة قبل أن يتجه إلى خارج ساحة العرض.
لم أكن أعرف ما الذي يخطط له، لكنني كنت متأكدة من شيء واحد:
لقد بدأ يشعر بأن سيطرته على الموقف تتلاشى.
—
بعد انتهاء المراسم، اقتربت مني مريم.
كانت لا تزال ترتدي ابتسامتها المعتادة، لكن هذه المرة بدت ابتسامة مرتبكة لا تعرف كيف تحافظ عليها.
قالت:
— سلمى، أنا محتاجة أتكلم معاكي.
أجبتها:
— اتفضلي.
نظرت حولها، ثم أمسكت بذراعي وسحبتني بعيدًا عن الحاضرين.
— إيه اللي بيحصل هنا؟ إنتِ من إمتى بقيتي بالرتبة دي؟ وليه أحمد اتغير وشه أول ما شافك؟
سحبت ذراعي برفق.
— دي أسئلة كتير يا مريم.
— أنا بتكلم بجد! أحمد من ساعة ما شافك وهو مش على بعضه. ولما سألته، قال لي إنك بتحاولي تنتقمي منه بسبب مشكلة قديمة بينكم.
لم أجب فورًا.
كنت أتوقع أن يبدأ أحمد في تحضير رواية جديدة، لكنني لم أتوقع أن يستخدم أختي بهذه السرعة.
سألتها:
— وقال لك إيه عن المشكلة القديمة دي؟
ترددت قليلًا.
— قال إنك كنتِ مسؤولة عن خطأ كبير في شغلك، وإنه حاول يساعدك، لكنك رفضتي تتحملي مسؤولية اللي حصل. وإنك من وقتها بتكرهيه لأنه رفض يغطي على غلطك.
كدت أضحك من شدة المفارقة.
ست سنوات كاملة، وهو يروي القصة نفسها لكل من يقابله.
لقد حوّلني من ضابطة حاولت كشف مخالفة خطيرة إلى شخص غير مسؤول يرفض الاعتراف بأخطائه.
والأسوأ أن عائلتي صدقته من دون أن تمنحني فرصة واحدة للدفاع عن نفسي.
قلت لمريم:
— هو حكى لك الحكاية دي كلها، صح؟
أومأت برأسها.
— أيوه.
— طب عمرك سألتي نفسك ليه ما سمعتيش مني أنا؟
تغيرت ملامحها.
— لأنك كنتِ دايمًا بتقفلي الكلام لما حد يجيب سيرته!
— لأ يا مريم. أنا كنت بقفل الكلام لأن كل مرة كنت بحاول أتكلم، كنتوا بتتهموني إني غيرانة منه، أو إني بحاول أفسد حياتك.
خفضت مريم عينيها.
للمرة الأولى منذ وصولي، لم تجد ردًا جاهزًا.
لكنني لم أكن مستعدة لأن أتركها تهرب من السؤال الأساسي.
فتحت حقيبتي وأخرجت ظرفًا بنيًا صغيرًا.
لم أفتحه أمامها، بل وضعته بين يديها.
نظرت إليه باستغراب.
— إيه ده؟
— نسخة من جزء من الملف اللي اتسبّب في تدمير سمعتي.
ارتجفت أصابعها وهي تمسك الظرف.
— إنتِ بتقولي إيه؟
قلت بوضوح:
— بقول إن أحمد ما كانش مجرد شاهد على اللي حصل من ست سنين. هو كان طرف أساسي فيه.
فتحت مريم الظرف ببطء.
أخرجت منه عدة أوراق، وبدأت تقرأ الصفحة الأولى.
في البداية، بدت غير مستوعبة لما تراه.
ثم انتقلت إلى الصفحة الثانية.
وبعدها توقفت فجأة.
رفعت عينيها نحوي، وكان وجهها قد فقد لونه.
— سلمى… التوقيع ده…
أومأت برأسي.
— توقيعي، لكنه مزوّر.
نظرت إلى الأوراق مرة أخرى، ثم همست:
— يعني إيه مزوّر؟ إنتِ مش اللي مضيتي؟
— لأ.
هزت رأسها بعنف، وكأنها تحاول رفض الفكرة.
— بس التقرير مكتوب فيه إنك وافقتِ على الإجراء، وإنك كنتِ عارفة بالمخالفة من البداية!
قلت:
— وده بالضبط اللي أحمد حاول يثبته. لأن لو الحقيقة ظهرت وقتها، كان هو اللي هيتحاسب.
سكتت مريم طويلًا.
ثم سألتني بصوت ضعيف:
— وإنتِ كنتِ عارفة كل ده من زمان؟
— كنت شاكّة، لكن إثبات الحقيقة كان محتاج وقت. النسخة اللي معايا دلوقتي أصلية ومؤكدة ضمن المستندات اللي اتجمعت خلال المراجعة الرسمية.
لم أخبرها بكل التفاصيل.
فبعض الأمور لا يمكن حسمها من خلال ورقة واحدة، وأي اتهام رسمي يحتاج إلى فحص الأدلة وسماع الأطراف المعنية.
لكنني كنت أعرف أن الأوراق الموجودة أمامها كافية لتجعلها تعيد التفكير في كل ما صدقته طوال السنوات الماضية.
رفعت مريم رأسها، وكانت عيناها تلمعان بالدموع.
— ليه ما قولتيليش؟ أنا أختك يا سلمى!
نظرت إليها بألم لم أعد أحاول إخفاءه.
— حاولت يا مريم. حاولت كتير. لكنك كل مرة كنتِ بتختاري تصدقيه هو.
شهقت وهي تضع يدها على فمها.
— أنا مكنتش أعرف…
قاطعتها بهدوء:
— ودي هي المشكلة. إنك ما كنتيش تعرفي، لكنك كنتِ متأكدة إني غلطانة.
في تلك اللحظة، سمعت صوت خطوات سريعة تقترب منا.
التفتنا معًا.
كان أحمد عائدًا إلى المكان.
لكن هذه المرة، لم يكن وحده.
كان برفقته ضابطان، وعلى وجهه تعبير مختلف تمامًا.
لم يعد يحاول إخفاء ارتباكه خلف ابتسامة رسمية.
توقف أمامنا، ثم نظر إلى الظرف المفتوح في يد مريم.
وعندما رأى الأوراق، تغير وجهه مرة أخرى.
قال بحدة:
— مريم، اديني الورق ده!
تراجعت مريم خطوة إلى الخلف.
لأول مرة في حياتها، لم تنفذ طلبًا منه على الفور.
قالت بصوت مرتجف:
— أحمد… إنت قلت لي إن سلمى هي اللي غلطت!
لم يجبها.
مد يده نحو الأوراق مرة أخرى.
لكن مريم ضمتها إلى صدرها، ونظرت إليه وكأنها تراه للمرة الأولى.
— التوقيع ده مزوّر فعلًا؟
ساد الصمت.
نظر أحمد إليّ، ثم إلى الضابطين الواقفين خلفه.
وأدرك أن أي كلمة يقولها الآن قد تزيد الموقف تعقيدًا.
حاول استعادة هدوئه، وقال:
— الموضوع أكبر من إنك تفهميه من ورقتين. سلمى بتحاول تستخدم منصبها عشان تنتقم مني.
لكن مريم لم تتراجع هذه المرة.
قالت:
— أنا بسألك عن التوقيع يا أحمد!
لم يجبها.
وكان صمته أكثر إرباكًا من أي إجابة.
تدخل أحد الضابطين، وطلب من أحمد الحضور لمناقشة المستندات التي ظهرت ضمن المراجعة الرسمية للملف القديم.
لم يكن ذلك إعلانًا بإدانته، ولم يصدر أي حكم في تلك اللحظة.
لكنه كان يعني أن الأمر لم يعد مجرد خلاف عائلي يستطيع دفنه خلف الأبواب المغلقة.
لقد أصبحت هناك مستندات تحتاج إلى الفحص، وأسئلة تحتاج إلى إجابات، وإجراءات رسمية لا يمكن تجاوزها بمجرد ابتسامة أو رتبة عسكرية.
وقبل أن يتحرك أحمد، اقترب مني للمرة الأخيرة.
قال بصوت خافت:
— إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟
نظرت إليه بثبات.
— أنا مش جاية أكسب عليك يا أحمد. أنا جاية أثبت الحقيقة.
ابتسم ابتسامة باردة، ثم قال:
— يبقى لازم تعرفي إن الحقيقة كاملة أخطر مما تتخيلي.
توقفت أنفاسي للحظة.
لم يكن يتحدث عن التوقيع فقط.
كنت أعرف أن هناك شيئًا آخر، شيئًا ظل يخفيه طوال السنوات الماضية.
وقبل أن أتمكن من سؤاله، استدار وغادر برفقة الضابطين.
بقيت مريم واقفة إلى جواري، تمسك بالأوراق بكلتا يديها.
ثم التفتت إليّ وقالت:
— سلمى… هو كان يقصد إيه بكلامه؟
نظرت إلى الحقيبة الجلدية التي لا تزال تحمل بقية المستندات.
كنت أظن أنني أعرف كل ما حدث قبل ست سنوات.
لكن كلمات أحمد جعلتني أشك في ذلك.
فتحت الحقيبة وأخرجت ملفًا آخر، لم أكن قد عرضته على مريم بعد.
كان ملفًا يحمل اسمًا مختلفًا.
اسم شخص آخر ظهر في التحقيق القديم، ثم اختفى من السجلات قبل أن يتمكن أحد من استجوابه.
وعندما قرأت مريم الاسم المكتوب على الغلاف، شهقت بصوت مسموع.
لأنها كانت تعرف ذلك الشخص جيدًا.
كان اسم أبي!
وفي اللحظة نفسها، فهمت أن القضية التي بدأت بتوقيع مزوّر لم تكن مجرد محاولة من أحمد لإنقاذ مستقبله العسكري.
بل ربما كانت هناك أسرار أخرى داخل عائلتي، أسرار جعلت أبي يلتزم الصمت طوال ست سنوات… حتى عندما كان يراني أخسر كل شيء.
نظرت مريم إليّ بعينين دامعتين، وهمست:
— سلمى… قولي لي إن بابا ملوش علاقة بالموضوع ده!
لم أستطع الإجابة.
لأن الصفحة الأولى من الملف كانت تحمل توقيعه بالفعل.
والسؤال الذي ظل يطاردني منذ تلك اللحظة لم يعد: لماذا دمّر أحمد مستقبلي؟
بل أصبح:
لماذا سمح أبي بحدوث ذلك… وماذا فعل حتى يضمن ألا تظهر الحقيقة أبدًا؟
عندما اكتشفت أن توقيع أبي موجود في الملف الذي دمّر مستقبلي العسكري، شعرت أن الأرض انسحبت من تحت قدميّ… لكنني لم أكن مستعدة لما ستكشفه الصفحة التالية، ولا للحقيقة التي كانت أمي تخفيها عني طوال ست سنوات!
وقفت مريم أمامي، تمسك بالملف بكلتا يديها، بينما كانت الدموع تتجمع في عينيها.
لم تستطع أن تصدق أن اسم أبي، الرجل الذي قضى حياته يتحدث عن الشرف والسمعة والالتزام، ظهر في قضية تتعلق بتزوير مستندات عسكرية.
قالت بصوت مرتجف:
— سلمى، لازم يكون فيه تفسير لكل ده. بابا عمره ما كان ممكن يساعد أحمد يدمّر مستقبلك!
نظرت إليها، ولم أجب فورًا.
كنت أتمنى أن تكون محقة.
كنت أتمنى أن أفتح الملف وأجد أن هناك خطأ في الأسماء، أو أن التوقيع يخص مستندًا آخر لا علاقة له بالقضية.
لكنني كنت أعرف أن المستندات لا تكذب بهذه السهولة.
قلت لها بهدوء:
— أنا مش هتهم بابا بحاجة قبل ما أعرف الحقيقة كاملة. لكن مش هقدر أتجاهل اللي قدامي لمجرد إن الحقيقة صعبة علينا.
هزت مريم رأسها، ثم جلست على أحد المقاعد القريبة وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.
— طب نعمل إيه دلوقتي؟
أغلقت الملف واحتفظت به داخل حقيبتي.
— هنبدأ من أول صفحة، وهنعرف مين عمل إيه بالضبط. لكن المرة دي، محدش هيقدر يطلب مني أسكت.
لم أكن أريد أن تتحول القضية إلى معركة عائلية، ولم يكن هدفي الانتقام من أحمد أو أبي.
كنت أريد شيئًا واحدًا فقط.
أن أعرف لماذا تحولت حياتي إلى كابوس بسبب جريمة لم أرتكبها.
—
بعد أقل من ساعة، وصلتني رسالة رسمية تطلب مني الحضور إلى مكتب القيادة لمناقشة بعض التفاصيل المتعلقة بالملف القديم.
لم يكن الأمر مفاجئًا؛ فظهور مستندات جديدة يستلزم مراجعتها من الجهات المختصة، خصوصًا بعد انتقال القيادة إلى مسؤوليتي.
طلبت من مريم أن تنتظرني في قاعة الاستقبال، ثم توجهت إلى المكتب.
وجدت أمامي ضابطين من إدارة المراجعة العسكرية، وإلى جوارهما مسؤولًا قانونيًا كان قد اطلع على جزء من المستندات.
أشار إليّ أحدهما بالجلوس.
قال الضابط الأكبر سنًا:
— سيادة العقيد سلمى، إحنا راجعنا المستندات اللي قدمتيها، وظهر عندنا سؤال مهم بخصوص توقيع والد حضرتك.
شعرت بانقباض في صدري، لكنني حافظت على هدوئي.
— اتفضل.
فتح ملفًا أمامه، وأخرج صورة من مستند قديم.
— التوقيع الموجود هنا يبدو مطابقًا لتوقيع والدك، لكننا محتاجين نعرف طبيعة علاقته بالقضية وقتها. هل كان يشغل منصبًا يسمح له بالاطلاع على الملف؟
أجبته:
— والدي لم يكن ضمن القيادة العسكرية المسؤولة عن التحقيق، لكن كانت لديه معرفة شخصية بالعقيد أحمد، وكان يتواصل معه باستمرار.
تبادل الضابطان نظرة سريعة.
ثم قال الآخر:
— هل سبق أن أخبرك والدك بأي شيء عن الواقعة؟
ترددت للحظة.
لم أكن أريد أن أظلم أبي، لكنني أيضًا لم أعد أستطيع الدفاع عنه من دون دليل.
قلت:
— لا. طوال السنوات الماضية، كان مقتنعًا بأنني ارتكبت خطأ مهنيًا، ولم يمنحني فرصة حقيقية لشرح موقفي.
دوّن الضابط بعض الملاحظات، ثم أغلق الملف.
— إحنا هنحتاج نسمع أقوال كل الأطراف المعنية، بما فيهم والدك. ومهم جدًا إنك تفضلي بعيدة عن أي إجراء ممكن يتعارض مع مسؤولياتك القيادية الجديدة.
أومأت برأسي.
كنت أعرف أن عليّ الالتزام بالإجراءات الرسمية، مهما كانت صعوبة ما سأكتشفه.
فالحقيقة التي كنت أبحث عنها لن تكون لها قيمة إذا حاولت الوصول إليها باستخدام منصبي.
—
عندما خرجت من المكتب، وجدت مريم واقفة بجوار النافذة.
كانت تمسك بهاتفها، وتتحرك في المكان بعصبية.
ما إن رأتني حتى أسرعت نحوي.
— سلمى، لازم نروح البيت دلوقتي.
سألتها:
— ليه؟
نظرت حولها، ثم اقتربت مني وهمست:
— ماما اتصلت بيا. عرفت إنك لقيتي الملف، وطلبت مني أجيبك البيت فورًا.
تجمدت للحظة.
— أمي عرفت منين؟
خفضت مريم عينيها.
— أنا كلمتها بعد ما مشيتي. كنت محتاجة أفهم منها إذا كانت تعرف حاجة عن الموضوع.
شعرت بشيء ثقيل يستقر في صدري.
لقد كنت أظن أن أمي لا تعرف شيئًا، وأنها صدقت رواية أحمد مثل أبي تمامًا.
لكن خوفها الآن جعلني أتساءل عما إذا كانت الحقيقة أقرب مما تخيلت.
قلت لمريم:
— هي قالت لك إيه؟
أجابت بصوت خافت:
— قالت إن فيه حاجات حصلت زمان، وإنها كانت بتحاول تحمي العيلة. ولما سألتها تقصد إيه، عيطت وقفلت المكالمة.
لم أعلق.
أخذت حقيبتي، وطلبت من مريم أن تأتي معي.
هذه المرة، لم أكن ذاهبة إلى منزل العائلة باعتباري الابنة التي يجب عليها تبرير تصرفاتها.
كنت ذاهبة لأواجه سنوات من الصمت.
—
عندما وصلنا إلى منزل والديّ، وجدنا أبي جالسًا في غرفة المعيشة، بينما كانت أمي تقف بجوار النافذة.
بمجرد أن رآني أبي، نهض من مكانه.
— إنتِ إيه اللي جابك دلوقتي يا سلمى؟
وضعت حقيبتي فوق الطاولة.
— عندي سؤال واحد، وعايزة إجابة واضحة.
نظر إلى مريم، ثم عاد ينظر إليّ.
— مش فاهم.
أخرجت صورة المستند الذي يحمل توقيعه، ووضعتها أمامه.
— التوقيع ده توقيعك؟
تغير وجهه.
لم يلمس الورقة.
ولم يسألني من أين حصلت عليها.
اكتفى بالنظر إليها طويلًا، ثم جلس ببطء.
كانت تلك اللحظة كافية لتخبرني أنني لم أكن أواجه رجلًا يسمع اتهامًا للمرة الأولى.
بل رجلًا يعرف المستند جيدًا.
قالت أمي وهي تحاول الاقتراب منا:
— يا جماعة، خلينا نتكلم بهدوء…
قاطعتها:
— أنا هادية يا أمي. أنا بس عايزة أعرف ليه توقيع بابا موجود في ملف القضية اللي اتسببت في تدمير مستقبلي.
رفع أبي رأسه أخيرًا.
— الموضوع مش بالبساطة اللي إنتِ متخيلاها.
ابتسمت بمرارة.
— الجملة دي سمعتها من أحمد من ساعة واحدة. واضح إنكم متفقين على نفس الكلام من زمان.
ضرب أبي كفه على الطاولة.
— احترمي نفسك يا سلمى! إنتِ بتتكلمي عن أبوكي!
لم أتراجع.
— وأنا بنتك يا أبي. فين احترامك ليا لما صدقت إنني مذنبة من غير ما تسمعني؟ فين احترامك لما سيبت الناس تتكلم عني وكأنني ضابطة فاشلة؟ فين كنت لما كنت بحاول أثبت براءتي، وإنت كنت بتطلب مني أبطل أعمل مشاكل؟
ساد الصمت.
مريم كانت تنظر إلى أبي بصدمة، بينما بدأت أمي تبكي بصمت.
واصلت حديثي:
— ست سنين وأنا بحاول أرجع اسمي ومكاني. ست سنين وأنا بشوفكم بتفتخروا بأحمد، وبتعاملوني كأني عار على العيلة. والنهارده اكتشفت إن توقيعك موجود في الملف. عايزة أفهم ليه.
وضع أبي يديه فوق وجهه.
لأول مرة في حياتي، رأيته يبدو عاجزًا عن الرد.
وبعد صمت طويل، قال:
— أنا ما زوّرتش توقيعك يا سلمى.
أجبته:
— أنا ما قلتش إنك زوّرت توقيعي. أنا بسألك عن توقيعك إنت.
رفع رأسه، ونظر إلى الورقة.
ثم قال بصوت منخفض:
— أحمد هو اللي جاب لي المستند ده وقتها. قال لي إن فيه مشكلة كبيرة حصلت في شغلك، وإن مستقبلك العسكري كله ممكن يضيع لو الموضوع وصل للقيادات العليا.
سألته:
— وإنت صدقته؟
— كان معاه أوراق وتقارير، وكان بيقول إنك وافقتِ على الإجراء بنفسك.
— وإنت ما فكرتش تسمع مني؟
لم يجب.
اقتربت أمي منه، وجلست بجواره.
ثم قالت بصوت متقطع:
— أنا طلبت منه يسمعك يا سلمى. والله طلبت منه.
التفت إليها.
— إنتِ كنتِ عارفة؟
انهارت دموعها.
— كنت أعرف إن فيه مشكلة، لكن ما كنتش أعرف إن التوقيع مزوّر. أحمد قال لنا إنك ارتكبتِ خطأ، وإنه حاول يساعدك، وإنك رفضتِ تعترفي بيه.
قلت لها:
— وليه ما سألتونيش؟




