روايات وقصص

ياماما تعالي خديني

الجزء الثاني: السر الذي لم يكن يعرفه أحد أول ما دخلت بعربيتي من بوابة الشركة، فرد الأمن خرج بسرعة من الكابينة، وبصّ للعربية باستغراب. كان واضح إنه مستغرب وجودي في الوقت ده، خصوصًا إن الساعة كانت قربت من منتصف الليل. فتح البوابة، ووقف جنب العربية، وبعدها قال باحترام: «مساء الخير يا فندم… إحنا كنا مستنيين حضرتك؟»

بصّيت له باستغراب وقلت:
«مستنييني أنا؟ ليه؟»
قبل ما يرد، ظهر مدير الأمن من داخل المبنى، وكان يتحدث في الهاتف. أول ما شاف عربيتي، أنهى المكالمة بسرعة، وجرى ناحيتي.
«أهلاً يا مدام نادية! الحمد لله إن حضرتك وصلتي».
مدام نادية؟
ملك بصّت لي، وبعدها بصّت لمدير الأمن، وكأنها بتحاول تفهم إيه اللي بيحصل.
نزلت من العربية وقلت له:
«إيه الأخبار يا أستاذ سامح؟ وليه كل الناس دي موجودة لحد دلوقتي؟»
ردّ وهو بيحاول يخفي توتره:
«مجلس الإدارة وصل من شوية يا فندم، وفي اجتماع طارئ بالداخل. الأستاذ محمود موجود، والأستاذة إيريني كمان موجودة».
قلبي دق بسرعة أول ما سمعت اسم محمود.
طليقي كان موجود هنا بالفعل، ومعاه زوجته.
لكن اللي استغربته أكتر إن مجلس الإدارة كله كان موجود في الوقت ده.
بصّيت لملك وقلت لها:
«تعالي يا حبيبتي، خليكي جنبي».
مسكت إيدي بقوة، ودخلنا المبنى.
كان الممر الرئيسي مليان موظفين ومديرين، وكل واحد فيهم واقف بيتكلم بصوت منخفض. أول ما شافوني، الكلام بدأ يقل تدريجيًا.
واحد من المديرين قرب مني وقال:
«مساء الخير يا مدام نادية. إحنا جاهزين، وكل الأوراق المطلوبة موجودة في قاعة الاجتماعات».
هزّيت رأسي من غير ما أتكلم.
ملك كانت بتبص حواليها بدهشة، وبعدين همست لي:
«ماما، هو إنتِ تعرفي كل الناس دي؟»
ابتسمت لها وقلت:
«أيوه يا حبيبتي».
«بس إنتِ عمرك ما حكيتي لي عنهم».
وقفت لحظة، وبصّيت لها بحنان.
«لأن شغلي مش أهم حاجة في حياتي. إنتِ أهم».
كنا لسه بنتحرك ناحية المصعد، لما سمعنا صوت إيريني جاي من آخر الممر.
«أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل هنا! مين سمح للموظفين دول يجمعوا مجلس الإدارة في الوقت ده؟»
كانت لابسة بدلة أنيقة، وشعرها مرتب بعناية، وفي إيديها ملف كبير.
جانبها كان محمود، لابس قميص أبيض وساعة فاخرة، ووشه مليان ضيق.
أول ما شافني، وقف مكانه.
وبعد ثواني، ضحك بسخرية وقال:
«نادية؟ إنتِ بتعملي إيه هنا؟»
ما رديتش عليه.
إيريني بصّت لي من فوق لتحت، وبعدها ضحكت وقالت:
«يا سلام! حتى هنا؟ هو مفيش مكان أقدر أشتغل فيه من غير ما ألاقيك قدامي؟»
بصّيت لها بهدوء وقلت:
«أنا جاية علشان بنتي».
ردّت ببرود:
«بنتك؟ هي مشكلتك وحدك. محمود وضّح لك الموضوع، ولا إنتِ مش بتفهمي من أول مرة؟»
في اللحظة دي، ملك استخبت ورايا، ومسكت طرف الجاكيت بتاعي.
حسّيت بإيديها الصغيرة وهي تترعش.
لفّيت ناحيتها وقلت:
«ما تخافيش يا حبيبتي. محدش هيقدر يزعلك تاني».
وبعدين رجعت بصّيت لإيريني.
«عايزة أسألك سؤال واحد. ليه سيبتي بنت عندها 12 سنة على طريق سريع في البرد؟»
اتغيرت ملامحها للحظة، لكنها سرعان ما استعادت ثقتها.
«هي اللي رفضت تسمع الكلام».
محمود تدخل بسرعة وقال:
«نادية، كفاية. إحنا في مكان عمل، ومش هسمح لك تعملي مشكلة هنا بسبب خلاف عائلي».
بصّيت له وقلت:
«خلاف عائلي؟ إنت شايف إن ترك بنتك على طريق سريع مجرد خلاف عائلي؟»
رفع صوته:
«ملك لازم تتعلم تحترم الكبار! وإيريني مش مجبرة تستحمل تصرفاتها!»
ملك بدأت تبكي في هدوء.
ولأول مرة من سنين، حسّيت إن غضبي أكبر من قدرتي على السكوت.
لكن بدل ما أرفع صوتي، طلعت موبايلي، وفتحت الرسالة اللي بعتها لي محمود.
مدّيتها له وقلت:
«دي رسالتك، صح؟»
بصّ للشاشة وقال:
«أيوه. وإيه المشكلة؟»
«يعني إنت كنت عارف إن بنتك مش هترجع بيتك، ومع ذلك ما سألتش حتى إذا كانت وصلت لمكان آمن».
ردّ باستخفاف:
«هي عندك دلوقتي. خلاص، الموضوع انتهى».
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقلت:
«لأ يا محمود. الموضوع لسه بيبدأ».
في اللحظة دي، خرج رجل في أواخر الخمسينات من قاعة الاجتماعات. كان لابس بدلة رمادية، وفي إيده ملف أسود.
أول ما شافني، وقف باحترام وقال:
«مساء الخير يا مدام نادية. إحنا جاهزين نبدأ وقت ما تحبي».
إيريني بصّت له باستغراب.
«أستاذ فؤاد، حضرتك بتكلم مين؟»
الرجل ما ردش عليها، وفضل واقف مستني كلامي.
محمود عقد حاجبيه، وبعدها بصّ لمدير الأمن اللي كان واقف جنبي.
«هو فيه إيه؟ ليه الكل بيتعامل معاها بالطريقة دي؟»
مدير الأمن ردّ بهدوء:
«لأن مدام نادية هي صاحبة القرار النهائي في الشركة».
ساد الصمت.
إيريني ضحكت ضحكة قصيرة، وكأنها سمعت نكتة.
«صاحبة القرار النهائي؟ هي؟ دي مسؤولة عن قسم الرصيف! أنا نائبة رئيس العمليات، ومش معقول حد يحاول يقنعني بالكلام ده».

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى