روايات وقصص

ياماما تعالي خديني

لكن الأستاذ فؤاد فتح الملف الأسود، وطلع منه مستندات رسمية، وقال بصوت واضح:
«مدام نادية مش مجرد موظفة في الشركة. هي المساهم الرئيسي وصاحبة الحصة الأكبر، وبموجب النظام المعتمد للشركة، ليها صلاحية اعتماد القرارات التنفيذية ومراجعة تعيينات الإدارة العليا».
الابتسامة اختفت من على وجه إيريني.
محمود بصّ لي، وبعدها بصّ للمستندات، وكأنه بيحاول يلاقي أي تفسير للكلام اللي سمعه.
«إنتِ… إنتِ صاحبة الشركة؟»
ردّيت بهدوء:
«أنا شريكة رئيسية فيها، يا محمود. وده شيء ما كنتش محتاجة أعلنه لكل الناس علشان أثبت قيمتي».
الحقيقة إنني ما كنتش أحب أستخدم منصبي في حياتي الشخصية، وكنت أفضّل إن الناس تتعامل معايا على أساس عملي.
لكن إيريني فهمت هدوئي على إنه ضعف، ومحمود اعتبر بساطة حياتي دليلًا على إني لا أملك أي نفوذ.
والليلة دي، الإثنين اكتشفوا أنهم كانوا على خطأ.
إيريني حاولت تستعيد ثقتها وقالت:
«حتى لو الكلام ده صحيح، فهو مالوش علاقة باللي حصل بيني وبين البنت. أنا تصرفت باعتباري مسؤولة عنها في اللحظة دي».
ردّيت فورًا:
«المسؤولية مش معناها إنك تعرّضي طفلة للخطر. ولو عندك مشكلة معاها، كان ممكن تتصلي بأبوها أو بيا. لكنك اخترتِ تسيبيها لوحدها في البرد».
محمود تدخل:
«نادية، خلينا نتكلم بعيد عن الموظفين. إحنا ممكن نحل الموضوع بيننا».
بصّيت له طويلًا وقلت:
«كان عندك فرصة تحل الموضوع لما بعت لك رسالة بنتك. وكان عندك فرصة تراجع نفسك لما عرفت إنها لوحدها. لكنك اخترت تتخلى عنها».
وبعدين مسكت إيد ملك وقلت:
«دلوقتي، أنا هنا بصفتي مسؤولة عن الشركة، وعايزة أعرف إذا كانت أي صلاحيات وظيفية استُخدمت بشكل خاطئ».
التفتُّ للأستاذ فؤاد وقلت:
«عايزة مراجعة رسمية للواقعة، ومراجعة لأي شكاوى سابقة تخص أسلوب إدارة إيريني، وكل شيء يتم وفق اللوائح».
هزّ رأسه وقال:
«حاضر يا فندم».
لكن قبل ما ندخل قاعة الاجتماعات، حصل شيء لم أكن أتوقعه.
موظفة شابة كانت واقفة قرب مكتب الاستقبال قربت منا بتردد.
بصّت لإيريني، وبعدها بصّت لي وقالت:
«بعد إذن حضرتك يا مدام نادية… فيه حاجة لازم تعرفيها».
إيريني توترت فجأة.
«إنتِ بتعملي إيه هنا يا سارة؟ ارجعي مكتبك فورًا».
الموظفة ما اتحركتش، وبصوت مرتعش قالت:
«أنا كنت موجودة في المكتب الأسبوع اللي فات، وسمعت مكالمة تخص ملك. واللي حصل النهارده مش أول مرة أسمع فيها كلام بالشكل ده».
محمود اتجمد مكانه، أما إيريني فملامحها تغيرت تمامًا.
سألتها بهدوء:
«تقصدين إيه يا سارة؟»
فتحت الموظفة حقيبتها، وطلعت منها ظرفًا بنيّاً صغيرًا، وقالت:
«أنا محتفظة بالمستندات دي من يوم ما حسيت إن فيه خطأ بيحصل. كنت خايفة أتكلم، لكن بعد اللي حصل للبنت، مش قادرة أسكت أكتر من كده».
مدّت إيدها بالظرف ناحيتي، وفي اللحظة اللي أخدته منها، إيريني صرخت:
«ممنوع تفتحي الظرف ده!»
الجميع بصّوا لها.
أما أنا، فبصّيت للظرف، وبعدها رفعت عيني ناحيتها وقلت:
«ليه يا إيريني؟ إيه اللي جواه لدرجة تخليكي خايفة بالشكل ده؟»
ولما فتحت الظرف، اكتشفت أن ما حدث لم يكن السر الوحيد الذي تحاول إيريني إخفاءه…

الجزء الثالث: الظرف الذي كشف كل شيء
فضلت إيريني واقفة قدامي، وملامحها قد تغيرت تماماً. من قليل كانت تتحدث بثقة، والآن عينيها معلقتان بالظرف البني الذي في يدي.
أما محمود، فكان ينظر لسارة بحدة.
قلت للموظفة بهدوء:
«اتفضلي يا سارة، ارجعي مكتبك دلوقتي. محدش هيضغط عليكي، وأي معلومات هتقدميها هتتراجع بشكل رسمي».
هزّت رأسها ورجعت خطوة للخلف.
فتحت الظرف، وطلعت منه مجموعة أوراق مطبوعة، ومعاها صور لمراسلات داخلية بين إيريني وبعض المسؤولين في الشركة.
بدأت أقرأ الورقة الأولى.
كانت عبارة عن شكوى من موظف سابق، يقول فيها إنه تعرض لضغط للموافقة على قرارات إدارية لم تكن من اختصاصه، وتم إغلاق الشكوى دون تحقيق كافٍ.
الورقة الثانية كانت شكوى من موظفة تفيد بأن إيريني كانت تستخدم منصبها لفرض قراراتها وتهديد من يعترضها.
أما الورقة الثالثة، فكانت مراسلات توضح وجود تعليمات لتغيير مواعيد تسليم شحنات دون موافقات مكتملة.
رفعت عيني عن الورق وبصّيت لإيريني:
«ممكن تفسري لي المستندات دي؟»
ردّت بسرعة:
«دي أوراق قديمة، ومفيش حاجة فيها تثبت إني عملت أي مخالفة».
قلت لها:
«أنا لم أتكهمك بشيء حتى الآن، أنا فقط أطلب تفسيراً».
دخل محمود بعصبية:
«نادية، إنتِ بتحولي موقف عائلي لتحقيق إداري! إيريني مسؤولة كبيرة، ومش من حقك تحرجيها قدام الموظفين».
بصّيت له باستغراب:
«موقف عائلي بسيط؟ طفلة تُترك على طريق سريع في البرد وتراها بسيطاً؟»
رد محاولاً تبرير موقفه:
«أنا لم أكن موجوداً ولا أعرف التفاصيل».
طلعت موبايلي وفتحت الرسالة التي أرسلها لي:
«لكن كنت تعلم أنها لن تعود لمنزلك، وقررت التخلي عنها دون حتى أن تسأل عن مكانها».
سكت محمود.
وهنا تدخل الأستاذ فؤاد المستشار القانوني للشركة وقال:
«أقترح أن نفصل بين الواقعة العائلية والمراجعة الإدارية. بالنسبة للمستندات، يجب أن نتاكد من صحتها ونراجع السجلات».
هزّيت رأسي بالموافقة:
«بالضبط، لا نريد قرارات متسرعة، وكل ورقة يجب أن تراجع».
ثم وجهت كلامي لإيريني:
«حتى تنتهي المراجعة، ستتوقف صلاحياتك المتعلقة بالقرارات الحساسة مؤقتاً».
إيريني شهقت بدهشة:
«توقفيني عن العمل؟!»
ردّيت بهدوء:
«هذا إجراء احترازي لضمان نزاهة المراجعة، وليس حكماً مسبقاً».
صرخت قائلة:
«أنتِ تفعلين كل هذا من أجل ابنتك!»
أجبتها مباشرة:
«أنا هنا من أجل ابنتي، وهذا أمر لا أخجل منه. لكن مراجعة هذه المستندات هي مسؤولية الشركة».
ولحظتها، لم تجد إيريني ما ترد به.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في الأوراق، بل في محمود نفسه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى