
الجزء الثاني – الورقة الصغيرة اللي قلبت حياة محمود وحماتي رأسًا على عقب أول ما أبويا دخل أوضتي، حسيت إن قلبي رجع يدق من جديد. كان لابس جلابيته البسيطة، وماسك عصايته القديمة، وبجانبه راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رسمية وبيشيل شنطة جلد سودا. حماتي سعاد أول ما شافتهم، قامت من مكانها وقالت باستهزاء:
— إيه ده يا عم جلال؟ إنت جاي تعمل إيه؟ مش إحنا اتفقنا إنك تاخد بنتك ونخلص من الموضوع؟
أبويا ما ردش عليها، لكنه قرب مني وبص على وشي.
— عاملة إيه يا بنتي؟
مسكت إيده وقلت بصوت ضعيف:
— أنا كويسة يا بابا، بس عايزاك تعرف كل حاجة.
محمود اتدخل بعصبية:
— هو إحنا هنفضل في المسرحية دي كتير؟ أنا جاي أخلص إجراءات الطلاق، ومش عايز مشاكل.
المحامي اللي كان واقف جنب أبويا فتح شنطته، وطلع ملف كبير، وحطه على الترابيزة.
وقال بهدوء:
— قبل ما تتكلم عن الطلاق، الأفضل تسمع اللي عندنا الأول.
سعاد ضحكت وقالت:
— وإنت مين بقى؟ جاي تهددنا؟ إحنا ناس محترمة، ومش هنسمح لحد يبتزنا.
المحامي رد من غير ما يرفع صوته:
— أنا المستشار شريف منصور، وموكلتي ليها حقوق قانونية، وفيه وقائع خطيرة لازم يتم التحقيق فيها.
محمود بص لأمه بقلق، وبعدها قال:
— وقائع إيه؟ مراتي فقدت بنتها، وإحنا بنحاول نتعامل مع الموضوع، لكن هي مصممة تعمل مشاكل.
بصيت له وقلت:
— أنا اللي بعمل مشاكل يا محمود؟ ولا إنت اللي مضيت على ورقة بتتهمني فيها إني كنت عارفة بمرض مش موجود؟
سكت.
أبويا مد إيده وأخرج ساعة قديمة من جيبه.
كانت ساعة أمي، اللي ورثتها عنها، واللي كنت محتفظة بيها من سنين.
فتح الغطاء الخلفي للساعة، وطلع منه ورقة صغيرة مطوية بعناية.
سعاد بصت للساعة وقالت باستغراب:
— إيه حكاية الساعة دي؟
أبويا قال:
— بنتي بعتت لي رسالة، وقالت لي إن فيه حاجة لازم أشوفها بنفسي.
المحامي فتح الورقة وبدأ يقرأ.
كانت الورقة بخط إيدي، وكتبت فيها قبل ما يوصل أبويا:
“بابا، أنا سمعت محمود بيتكلم في التليفون مع حد من المستشفى. قال له إن الورق لازم يختفي قبل ما أطلب الملف الأصلي. وسمعته بيقول إن موضوع التحليل الوراثي لازم يفضل سر. أنا شاكّة إن موت ليلى مش زي ما قالوا.”
محمود اتغير لون وشه.
— إنتِ بتتجسسي عليا يا نهى؟
رديت عليه:
— أنا كنت بدور على الحقيقة، لأن بنتي ماتت وأنا مش عارفة ليه.
المحامي طلع ملف تاني، وقال:
— إحنا قدمنا طلب رسمي للحصول على نسخة من التقارير الطبية وسجلات المستشفى، وفيه مستندات مبدئية بتشير إلى وجود تلاعب في بعض البيانات.
سعاد حاولت تتماسك وقالت:
— الكلام ده كله كدب. المستشفى عندها أطباء كبار، وابني راجل أعمال معروف، ومحدش يقدر يتهمنا بحاجة.
أبويا بص لها وقال:
— أنا عمري ما اتدخلت في حياتكم، ولا عرفتكم أنا مين ولا بملك إيه، لأن بنتي كانت عايزة تعيش بعيد عن المظاهر. لكن اللي حصل لبنتي مش هعديه.
محمود ضحك بسخرية:
— وإنت هتعمل إيه يعني؟ هتروح تشتكيني؟ إنت أصلاً مش معاك تمن محامي كبير!
المحامي ابتسم ابتسامة بسيطة وقال:
— يبدو إن حضرتك لسه ما تعرفش مين الأستاذ جلال العاصم.
سعاد عقدت حواجبها.
— يعني إيه؟
أبويا قعد على الكرسي، وطلع من جيبه كارت صغير، وحطه قدام محمود.
كان مكتوب عليه اسم مجموعة شركات العاصم للصناعات الزراعية.
محمود مسك الكارت، وفضل يبص فيه.
وشه بدأ يتغير تدريجيًا.
— مجموعة العاصم؟!
المحامي رد:
— أيوه. الأستاذ جلال هو مؤسس ورئيس مجلس إدارة المجموعة، اللي عندها استثمارات كبيرة في الزراعة وتجارة الحبوب والتصنيع الغذائي.
سعاد فضلت ساكتة.




