روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
ظل ياسر واقفًا أمامي وكأنه فقد القدرة على الكلام.

كان يحاول أن يفهم كيف وصلت إلى هنا.

وكيف عرفت كل شيء.

لكنني لم أعطه فرصة ليسأل.

قلت له بهدوء:

“مبروك يا ياسر.”

نظر إليّ باستغراب.

“إنتِ بتعملي إيه هنا؟”

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

“جيت أحضر آخر يوم في حياتك القديمة.”

اتسعت عيناه.

وقبل أن يرد، اقترب أحد موظفي الفندق منه وقال:

“أستاذ ياسر، محتاجين نتكلم مع حضرتك فورًا.”

التفت إليه بعصبية.

“في إيه؟”

قال الرجل:

“شركة تنظيم الحفل أوقفت بعض الخدمات لأن الدفعات الإلكترونية مرفوضة.”

صرخ ياسر:

“إيه الكلام ده؟! اتصلوا بالبنك!”

نظرت إليه وقلت:

“اتصلت.”

تجمد مكانه.

“إنتِ؟”

أومأت برأسي.

“أنا اللي طلبت منهم يراجعوا كل العمليات.”

اقترب مني أكثر وقال بصوت منخفض:

“إنتِ مجنونة؟! ده فرحي!”

قلت:

“عارفة.”

ثم أضفت:

“وعشان كده اخترت أسيبك تستمتع بيه للآخر.”

قبل أن يفهم كلامي، ظهرت داليا من خلفه.

كانت ترتدي فستان زفافها، وتحيط بها اثنتان من صديقاتها.

كانت تبتسم في البداية.

لكن بمجرد أن رأتني، اختفت ابتسامتها.

قالت:

“إنتِ؟”

نظرت إليها بهدوء.

“أيوه.”

التفتت إلى ياسر.

“هي بتعمل إيه هنا؟”

لم يجب.

كان وجهه قد أصبح شاحبًا.

وهنا بدأت داليا تفهم أن هناك شيئًا لا تعرفه.

قالت:

“ياسر… هو في إيه؟”

رد بسرعة:

“مفيش حاجة. مشكلة بسيطة في البنك وهتتحل.”

نظرت إليه وقلت:

“مشكلة بسيطة؟”

ثم أخرجت هاتفي وفتحت كشف الحساب.

“18 ألف و400 دولار للزهور.”

ثم مررت الشاشة.

“62 ألف دولار لحجز المكان.”

ثم أظهرت باقي العمليات.

“مجوهرات.”

“ملابس.”

“سيارات.”

“رحلة شهر العسل.”

“وكل ده من حسابي.”

ساد الصمت.

داليا حدقت في الشاشة.

ثم رفعت عينيها إلى ياسر.

“حسابها؟”

لم يرد.

قالت:

“إنت قلت لي إن دي فلوسك!”

ظل صامتًا.

هنا بدأت الأصوات ترتفع حولنا.

بعض الضيوف كانوا يراقبون الموقف.

وواحدة من قريبات داليا اقتربت منها وسألت:

“هو إيه اللي بيحصل؟”

لكن داليا لم تجب.

كانت تحدق في ياسر وكأنها تراه للمرة الأولى.

قالت:

“قول لها إن ده مش صحيح.”

رفع ياسر صوته:

“مريم بتحاول تبوّظ فرحنا!”

التفتُّ إليه.

“لو كنت عايزة أفسد فرحك، كنت اتكلمت من أول يوم.”

ثم أخرجت ملفًا من حقيبتي.

“لكن أنا جيت أرجع حاجتي.”

فتحته أمامه.

كان بداخله تقرير كامل عن العمليات المالية.

وتحته صور من سجلات الدخول إلى حساب الشركة.

ثم وضعت أمامه نسخة من خطاب الرعاية المزيف.

تغير وجهه فورًا.

قلت:

“دي مش مجرد مصاريف زفاف.”

“إنت استخدمت اسم شركتي.”

“وزورت موافقة إلكترونية.”

“ودخلت على حساب قديم للشركة من شقتك.”

ثم نظرت إلى داليا.

“والأهم… إنك كنتِ عارفة إن الشركة هي اللي بتموّل كل حاجة.”

هزت رأسها بسرعة.

“لا! ياسر قال إن الشركة بتاعته!”

ابتسمت بمرارة.

“شركتي.”

سكتت.

كان واضحًا أنها بدأت تدرك حجم المشكلة.

وفي تلك اللحظة، دخل محامي الشركة إلى القاعة.

توقف بجانبي وقال:

“مساء الخير.”

نظر إليه ياسر وكأنه رأى شبحًا.

“إنت جبت المحامي هنا؟!”

أجاب:

“أنا هنا بصفتي الممثل القانوني للشركة.”

ثم أخرج مجموعة أوراق.

“وعندي إخطار رسمي.”

بدأت الهمسات تنتشر بين الضيوف.

داليا نظرت إلى ياسر.

“إخطار إيه؟”

لم يجبها.

فقال المحامي:

“هناك إجراءات قانونية بدأت بالفعل بشأن استخدام بيانات الشركة دون تصريح، وتقديم مستندات غير صحيحة باسمها، بالإضافة إلى مراجعة جميع المعاملات المالية محل الاعتراض.”

وضعت يدي في جيبي بهدوء.

لم أكن أريد الانتقام.

كنت أريد الحقيقة فقط.

لكن ياسر لم يستطع تحمل الموقف.

اقترب مني وقال:

“مريم، لو سمحتي، خلينا نتكلم بعيد.”

قلت:

“اتكلم.”

قال:

“أنا غلطت.”

ضحكت لأول مرة.

“دلوقتي بس؟”

خفض صوته:

“أنا كنت مضغوط.”

قلت:

“عشان كده صرفت 347 ألف دولار؟”

سكت.

ثم قال:

“كنت هسدهم.”

نظرت إليه طويلًا.

“بفلوس مين؟”

لم يجد إجابة.

وفي تلك اللحظة، رن هاتف داليا.

نظرت إلى الشاشة.

ثم تغيّر وجهها تمامًا.

قالت:

“ياسر…”

التفت إليها.

“إيه؟”

قالت بصوت مرتجف:

“الفندق بعت لي رسالة.”

“بيقولوا إن جناح شهر العسل اتلغى.”

ثم جاءت رسالة أخرى.

وبعدها ثالثة.

وفي أقل من دقيقة…

بدأت الخدمات واحدة تلو الأخرى تتوقف.

القاعة.

السيارات.

الجناح.

المجوهرات التي لم تُسدّد بالكامل.

حتى بعض ترتيبات الزهور تم تعليقها.

كانت داليا تقف وسط القاعة بفستان زفافها، بينما حلمها الذي بناه ياسر بأموال غيره ينهار أمام عينيها.

لكنني لم أكن قد أظهرت لهم أخطر شيء بعد.

وضعت يدي على الملف الأخير.

ونظرت إلى ياسر.

“في حاجة واحدة لسه ما قلتهاش.”

ابتلع ريقه.

“إيه؟”

قلت:

“أنا عرفت ليه كنت بتستخدم بطاقتي أصلًا.”

رفع رأسه.

“إيه قصدك؟”

فتحت الملف.

وأخرجت صورة واحدة.

وضعتها أمامه.

في اللحظة التي رآها…

تغير وجهه بالكامل.

لأن الصورة لم تكن لعملية شراء.

ولا لفاتورة.

ولا لمستند مزور.

كانت صورة التُقطت قبل انفصالنا بأسبوعين.

وكان ياسر واقفًا فيها مع شخص آخر…

شخص لم يكن من المفترض أن أعرف أنه موجود أصلًا.

نظرت إليه وقلت:

“دلوقتي بقى… هنبدأ الجزء الحقيقي من الحكاية.”
ظل ياسر يحدق في الصورة وكأنه يتمنى لو يستطيع محوها من أمام عينيه.

مد يده بسرعة.

لكنني سحبتها قبل أن يلمسها.

قلت:

“متقلقش… النسخة الأصلية موجودة مع المحامي.”

نظر إليّ بغضب.

“إنتِ كنتِ بتراقبيني؟”

هززت رأسي.

“لا.”

ثم قلت:

“إنت اللي سيبت وراك أدلة.”

كان الرجل الموجود في الصورة يقف بجوار ياسر أمام أحد مكاتب تحويل الأموال.

لم يكن شخصًا غريبًا.

كان سامح راضي، المدير المالي السابق في شركتي.

الرجل الذي استقال فجأة قبل شهرين من دون سبب واضح.

نظر ياسر إلى الصورة ثم إلى المحامي.

قال:

“دي صورة قديمة ومش معناها حاجة.”

رد المحامي:

“ممكن.”

ثم فتح جهازه اللوحي.

“لكن العمليات المالية اللي تمت بعدها معناها حاجة.”

شعرت داليا أن الأرض بدأت تتحرك تحت قدميها.

قالت:

“ياسر… إنت كنت بتخطط لكل ده من إمتى؟”

لم ينظر إليها.

قالت مرة أخرى:

“جاوبني.”

لكنه ظل صامتًا.

وهنا فهمت أن الموضوع لم يكن مجرد بطاقة ائتمانية.

لقد كان هناك شيء أكبر.

شيء بدأ قبل انفصالي عنه بوقت طويل.

قال المحامي:

“مريم، الأفضل إننا نخرج من هنا.”

لكنني لم أتحرك.

كنت أريد أن أسمع الحقيقة من ياسر.

قلت:

“كنت بتقول لي إنك بتحبني.”

رفع عينيه نحوي.

“كنت بحبك.”

أجبته:

“لا.”

ثم نظرت إلى داليا.

“هو كان بيحب فلوسي.”

ساد الصمت.

لكن داليا صرخت فجأة:

“أنا كمان كنت عارفة!”

التفت الجميع إليها.

حتى ياسر بدا مصدومًا.

قالت وهي تبكي:

“كنت عارفة إنه بيستخدم بطاقتك…”

شهقت إحدى السيدات.

داليا أكملت:

“لكنه قال لي إنك وافقتِ!”

نظرت إليها.

“ومصدقة الكلام ده؟”

قالت:

“كان بيوريني رسائل!”

ابتسم المحامي.

“رسائل مزيفة.”

أخرج جهازه.

“تم إنشاء بعض هذه الرسائل من حساب بريد إلكتروني مرتبط بجهاز ياسر.”

جلست داليا على أقرب كرسي.

كانت تحاول استيعاب كل شيء.

ثم قالت:

“يعني حتى أنا… كنت جزء من الخطة؟”

لم يجبها أحد.

لكن ياسر فقد أعصابه.

صرخ:

“كفاية!”

توجه نحوي.

“إنتِ عايزة إيه؟ فلوسك؟ هترجع.”

قلت:

“مش الموضوع فلوس بس.”

“أمال إيه؟”

أجبته:

“كرامتي.”

سكت.

ثم قلت:

“كنت ممكن أعتبر اللي حصل نهاية علاقتنا.”

“لكن لما استخدمت اسمي وشركتي وحساباتي، الموضوع بقى مختلف.”

وفي نفس اللحظة، دخل أحد موظفي الفندق مسرعًا.

قال للمسؤول عن الحفل:

“عندنا مشكلة أكبر.”

سأله:

“إيه؟”

قال:

“شركة التصوير أوقفت العمل.”

ثم أضاف:

“والفرقة الموسيقية طلبت الدفع نقدًا قبل ما تبدأ.”

بدأ الضيوف يتبادلون النظرات.

كان الحفل يتحول إلى فوضى.

داليا أمسكت بذراع ياسر.

“اعمل حاجة!”

قال لها:

“هحلها.”

ضحكت بمرارة.

“تحلها بإيه؟”

لم يجب.

فقالت:

“أنت قلت لي إن كل حاجة باسمك!”

نظر إليها.

“داليا…”

قاطعته:

“كدبت عليّ.”

ثم خلعت خاتم الخطوبة ووضعته في يده.

“أنا مش هتجوز راجل مش عارفة حتى هو مين.”

ساد صمت ثقيل.

ياسر نظر إلى الخاتم في يده.

ثم نظر إليّ.

كانت عينه مليئة بالغضب.

اقترب مني وقال:

“إنتِ فرحانة دلوقتي؟”

قلت:

“لا.”

ثم أضفت:

“أنا مرتاحة.”

قال:

“هتندمي.”

ابتسم المحامي.

“أنصحك ما تهددش موكلتي.”

تراجع ياسر.

وفي تلك اللحظة، وصلت رسالة إلى هاتفي.

فتحتها.

كانت من البنك.

تم اكتشاف عمليات إضافية مرتبطة بحسابات الشركة.

قرأت التفاصيل.

ثم شعرت بقلبي يتوقف للحظة.

لم تكن العمليات تخص الزفاف.

كانت تخص شيئًا آخر تمامًا.

مبالغ كبيرة خرجت من حسابات الشركة قبل انفصالي عن ياسر بأشهر.

نظرت إلى المحامي.

قلت:

“دي مش عمليات الزفاف.”

أخذ الهاتف وقرأ.

تغير وجهه.

قال:

“دي تحويلات لشركة مسجلة باسم…”

توقف.

“اسم مين؟”

قلت:

“اقرأ.”

رفع عينيه نحوي.

“شركة داليا منصور للاستشارات.”

تجمدت.

داليا نفسها شهقت.

“إيه؟!”

التفتُّ إليها.

“شركة باسمك؟”

هزت رأسها بسرعة.

“أنا معنديش شركة!”

نظر المحامي إلى ياسر.

وفي تلك اللحظة فهمنا جميعًا الحقيقة.

الشركة كانت باسم داليا…

لكن الأموال كانت تُحوّل إليها منذ أشهر.

والسؤال الذي لم يكن له إجابة حتى الآن:

من كان يدير الشركة فعلًا؟

رفع ياسر عينيه.

ولأول مرة منذ بداية الليلة…

لم يكن غاضبًا.

كان خائفًا.

خائفًا جدًا.

ثم قال بصوت منخفض:

“مريم… لازم نتكلم لوحدنا.”

نظرت إليه.

“ليه؟”

قال:

“لأن اللي حصل كله… مش فكرتي لوحدي.”

تجمدت مكاني.

“مين كان معاك؟”

نظر حوله إلى القاعة المزدحمة.

ثم اقترب وقال بصوت بالكاد سمعته:

“الشخص اللي كان بيدير كل حاجة…”

توقف.

ثم نظر إلى الباب الرئيسي.

“واقف هنا دلوقتي.”

التفتُّ ناحية الباب.

وكان هناك رجل يدخل القاعة بهدوء.

وعندما رأيته…

عرفت وجهه فورًا.

لأنني كنت أعتقد أنه مات منذ ثلاث سنوات.
توقفت أنفاسي للحظات.

لم أستطع تحريك عيني عن الرجل الواقف عند باب القاعة.

كان يرتدي بدلة رمادية بسيطة، ويمسك ملفًا أسود في يده.

لكن وجهه…

ذلك الوجه كنت أعرفه جيدًا.

عماد رشدي.

المدير المالي السابق لشركتي.

الرجل الذي قيل لي إنه توفي في حادث سيارة منذ ثلاث سنوات.

الرجل الذي حضرت عائلتي مراسم تأبينه.

الرجل الذي ترك وراءه زوجة وطفلين، حسبما أخبرني الجميع.

لكن عماد كان يقف أمامي الآن.

حيًا.

وبكامل هدوئه.

التفتُّ إلى ياسر.

“إنت كنت عارف إنه عايش؟”

لم يجب.

قال عماد:

“هو مش بس كان عارف.”

ثم دخل القاعة وأغلق الباب خلفه.

“كان شريكي.”

ساد الصمت.

حتى الموسيقى توقفت.

الضيوف بدأوا يلتفتون إلى بعضهم البعض.

أما داليا، فكانت تنظر إلى الرجل ثم إلى ياسر في ذهول.

قالت:

“إنتوا بتتكلموا عن إيه؟”

عماد وضع الملف فوق إحدى الطاولات.

“عن ثلاث سنوات من الأكاذيب.”

ثم نظر إليّ.

“وأنا آسف.”

قلت:

“آسف على إيه؟”

خفض عينيه.

“على إني اختفيت.”

ضحكت بمرارة.

“اختفيت؟”

ثم قلت:

“أنا حضرت عزاءك.”

أجاب:

“عارف.”

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

“كنت عارف؟”

أومأ.

“كنت أراقب كل حاجة من بعيد.”

سألته:

“ليه؟”

نظر إلى ياسر.

“لأنني اكتشفت وقتها إن فيه حد من داخل الشركة بيسرب معلومات وحسابات.”

ثم قال:

“ولما حاولت أبلغك، اكتشفت إن ياسر سبقني.”

ياسر صرخ:

“كفاية!”

لكن عماد لم يتوقف.

“كان عنده خطة.”

“خطة للاستيلاء على جزء من أموال الشركة.”

ثم نظر إليّ مباشرة.

“لكن لما اكتشف إنك بدأتِ تراجعي الحسابات بنفسك، غيّر خطته.”

قلت:

“إلى إيه؟”

أجاب:

“إلى إنك تظني إنه خانك.”

ساد الصمت.

شعرت وكأنني أسمع قصة حياتي من شخص آخر.

قلت:

“يعني… داليا؟”

نظر إليها.

“داليا كانت جزءًا من الخطة.”

داليا وضعت يدها على فمها.

“أنا؟”

قال عماد:

“كان مطلوب منها تظهر أمامك كأنها المرأة اللي ياسر اختاركِ عشانها.”

نظرت إلى ياسر.

“وده كله عشان إيه؟”

قال عماد:

“عشان تخرجي من حياته.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى