
بعد ما طلب حسام استدعاء الشرطة، دخل الضابط المناوب إلى الغرفة، ومعاه ضابطة كانت مسؤولة عن التحقيق.
جلست الضابطة أمام حسام، وفتحت دفترها.
— «أستاذ حسام، محتاجين نعرف كل حاجة حصلت قبل ما تفقد الوعي.»
حسام حاول يرفع نفسه على السرير، لكن كان لسه ضعيف.
— «أنا… كنت في البيت مع زوجتي سمر وبنتي ليان.»
ثم سكت لحظة.
— «لكن آخر حاجة فاكرها إني كنت بشرب الكوباية دي.»
سألته الضابطة:
— «هل شربتها بنفسك؟»
— «أيوه.»
— «مين حضّرها؟»
نظر حسام ناحية ابنته.
ليان كانت قاعدة على الكرسي، رجليها مش لمسة الأرض.
قالت بصوت خافت:
— «سمر.»
سجلت الضابطة الاسم.
ثم سألت:
— «هل شفتيها بتحط المادة دي في الكوباية؟»
— «أيوه.»
— «ومتأكدة؟»
هزت ليان رأسها.
— «أنا كنت مستخبية ورا باب المطبخ.»
مريم كانت واقفة بعيد، تسمع الكلام في صمت.
وفجأة سألت الضابطة ليان:
— «ليه كنتِ مستخبية؟»
ترددت الطفلة.
وبعد ثوانٍ قالت:
— «عشان سمر كانت بتتكلم مع راجل غريب.»
رفع حسام رأسه بسرعة.
— «راجل؟ مين؟»
ليان هزت كتفيها.
— «معرفش اسمه.»
— «كان في البيت؟»
— «أيوه.»
سألها حسام بصوت متوتر:
— «إمتى؟»
— «قبل ما بابا يشرب الكوباية.»
الضابطة أغلقت دفترها للحظة.
ثم قالت:
— «إحنا هنحتاج نشوف تسجيلات كاميرات البيت.»
ابتلع حسام ريقه.
— «الكاميرات شغالة.»
— «كلها؟»
— «أيوه.»
قالت الضابطة لمساعدها:
— «خدوا التسجيلات كاملة، من غير حذف أو تعديل.»
بعد حوالي ساعة، وصل فريق من الشرطة للفيلا.
وفي الوقت نفسه، كانت مريم على وشك المغادرة.
اقترب منها حسام.
— «استني.»
التفتت له.
— «إيه؟»
قال:
— «أنا عارف إنك مش مجبرة تفضلي هنا.»
مريم لم تجب.
— «بس أنا مدين لك بحياتي.»
ردت بهدوء:
— «أنا عملت اللي أي حد كان لازم يعمله.»
ثم أمسكت شنطتها.
— «أنا لازم أمشي.»
لكن حسام قال:
— «لو مشيتي دلوقتي، هتسيبي ليان لوحدها.»
توقفت مريم.
نظرت إلى الطفلة.
كانت ليان واقفة عند باب الغرفة، وعينيها ممتلئة بالخوف.
اقتربت منها مريم.
— «تحبي أفضّل معاكي لحد ما بابا يخلص كلامه مع الشرطة؟»
هزت ليان رأسها بسرعة.
فجلست مريم بجوارها.
—
بعد أقل من ساعة، عاد الضابط ومعه جهاز لوحي.
— «لقينا التسجيل.»
تجمّع الجميع حول الشاشة.
بدأ الفيديو.
الساعة كانت حوالي السابعة والنصف مساءً.
ظهر حسام وهو يدخل المنزل.
بعد دقائق ظهرت سمر.
كانت تحمل كيسًا صغيرًا.
ثم ظهر رجل غريب عند الباب.
تجمد حسام.
— «مين ده؟»
لم يرد أحد.
في التسجيل، دخل الرجل إلى الصالة.
جلست سمر أمامه، وتحدثت معه لبعض الوقت.
ثم أعطته ظرفًا.
الضابطة أوقفت الفيديو.
— «إيه الموجود في الظرف؟»
قال حسام:
— «معرفش.»
ثم أكملوا المشاهدة.
بعد دقائق، ظهر الرجل وهو يغادر.
وبعدها دخلت سمر المطبخ.
خرجت وهي تحمل الكوباية.
لكن المفاجأة كانت في الفيديو التالي.
ظهرت ليان وهي واقفة خلف باب المطبخ.
كانت تراقب والدتها.
ثم رأت سمر تفتح كيسًا شفافًا صغيرًا، وتسكب منه مسحوقًا أبيض داخل الكوباية.
ليان وضعت يدها على فمها حتى لا تصرخ.
ثم تراجعت بسرعة.
بدأ حسام يرتجف.
— «كانت عايزة ؟»
الضابطة لم تجب.
قالت فقط:
— «لسه لازم نعرف المادة دي إيه، وليه.»
لكن فجأة قالت ليان:
— «أنا عارفة.»
الجميع التفت إليها.
— «عارفة إيه؟»
قالت الطفلة:
— «ليه سمر عملت كده.»
اقتربت مريم منها.
— «قولي يا ليان.»
نظرت الطفلة إلى والدها.
— «عشان بابا كان هيعرف الحقيقة.»
— «أي حقيقة؟»
ليان سكتت طويلًا.
ثم قالت:
— «سمر مش كانت بتحب بابا.»
حسام عبس.
— «يعني إيه؟»
قالت:
— «كانت بتقول للرجل اللي جه البيت إنهم لازم يخلّوا بابا يختفي.»
ساد الصمت.
الضابطة رفعت عينيها عن الجهاز.
— «ليان، إنتِ سمعتي الكلام ده؟»
— «أيوه.»
— «سمعتي إيه بالضبط؟»
بدأت الطفلة تتذكر.
— «قالت له: لو حسام عرف موضوع الحسابات، كل حاجة هتضيع.»
نظر حسام للضابطة.
— «الحسابات؟»
ثم ظهرت على وجهه صدمة مفاجئة.
— «أنا بدأت أشك من شهر إن فيه مبالغ بتخرج من الشركة من غير علمي.»
مريم شعرت بقشعريرة.
المرأة التي ظنت أنها مجرد زوجة تحاول التخلص من زوجها ربما كانت تخفي شيئًا أكبر بكثير.
لكن الضابطة سألت السؤال الأهم:
— «إيه علاقة الرجل اللي ظهر في التسجيل بالحسابات؟»
حسام ظل صامتًا.
ثم قال:
— «ممكن يكون موظف سابق.»
— «اسمه؟»
تردد حسام.
ثم قال:
— «فارس العشماوي.»
في اللحظة نفسها، تغير وجه مريم.
كانت تعرف الاسم.
بل كانت تعرفه جيدًا.
لأن فارس كان واحدًا من الأشخاص الذين كانوا يعملون في الشركة وقت فصلها.
والأغرب من ذلك…
أنه كان آخر شخص تحدث معها قبل أن يتم إنهاء عملها.
نظرت مريم إلى حسام.
— «إنت متأكد إن اسمه فارس؟»
— «أيوه.»
سألها:
— «إنتِ تعرفيه؟»
لم تجب مريم فورًا.
ثم قالت:
— «أنا أعرفه.»
سكتت الضابطة.
ثم سألت:
— «إزاي؟»
مريم أخذت نفسًا عميقًا.
— «لأن قبل ما أفقد شغلي بأيام، فارس طلب مني أوقّع على تقرير مالي.»
— «وإنتِ وقّعتي؟»
— «لأ.»
— «ليه؟»
قالت مريم:
— «لأن الأرقام كانت غلط.»
نظر حسام إليها بصدمة.
— «إنتِ قلتي الكلام ده وقتها؟»
— «قلت.»
— «ولمين؟»
— «لك.»
لم يرد حسام.
لأنه بدأ يتذكر.
كان وقتها قد وصله تقرير يتهم مريم بالتقصير والتلاعب في بعض الملفات.
وهو صدّق التقرير.
ووقّع على فصلها.
لكن فجأة، ظهرت فكرة مخيفة في رأسه.
ربما لم تكن مريم هي المشكلة.
ربما كانت الشخص الوحيد الذي اكتشف الخدعة من البداية.
وقبل أن ينطق بكلمة، جاء أحد أفراد الشرطة مسرعًا.
— «حضرتك… عندنا مشكلة.»
التفت الجميع.
— «إيه؟»
— «تسجيلات الكاميرات فيها فجوة.»
الضابطة عقدت حاجبيها.
— «فجوة قد إيه؟»
— «حوالي أربعين دقيقة.»
ثم أضاف:
— «والفجوة بدأت قبل وصول الرجل الغريب مباشرة.»
نظر حسام إلى مريم.
ثم إلى ابنته.
ثم إلى الضابطة.
لكن ليان قالت فجأة:
— «أنا عارفة مين مسح التسجيل.»
التفت الجميع إليها.
وأضافت الطفلة بصوت مرتجف:
— «بس مش سمر.»
وساد الصمت.
لأن الشخص الذي كانت تشير إليه ليان…
كان موجودًا داخل البيت في تلك الليلة.
ولم يكن أحد قد شك فيه حتى تلك اللحظة.
وقعت كلمات ليان على الغرفة كأنها صدمة.
— «مش سمر؟»
كررت الضابطة السؤال، وهي تنظر للطفلة باهتمام.
هزت ليان رأسها.
— «لأ.»
اقترب حسام منها رغم ضعفه.
— «مين يا ليان؟»
نظرت الطفلة ناحية الباب، ثم قالت:
— «عم فتحي.»
سأل حسام بدهشة:
— «البواب؟»
— «أيوه.»
ساد الصمت لثوانٍ.
قالت الضابطة:
— «إنتِ شفتيه بيمسح التسجيل؟»
— «مشفتوش وهو بيمسحه… بس شفته داخل غرفة الكاميرات.»
— «إمتى؟»
— «بعد ما الراجل الغريب مشي.»
الضابطة تبادلت نظرة سريعة مع زميلها.
— «وإنتِ كنتِ فين وقتها؟»
— «كنت مستخبية.»
— «ليه؟»
قالت ليان:
— «لأن سمر قالت لي ما أخرجش من أوضتي.»
ثم سكتت قليلًا وأضافت:
— «بس أنا خرجت.»
سألها حسام:
— «وليه ما قولتيليش الكلام ده قبل كده؟»
خفضت ليان رأسها.
— «كنت خايفة.»
اقتربت مريم منها وجلست على ركبتيها.
— «خايفة من مين؟»
رفعت ليان عينيها وقالت:
— «من كل الناس اللي كانوا بييجوا البيت.»
الجملة جعلت مريم تشعر أن الموضوع أكبر بكثير مما تصورته.
الضابطة طلبت فورًا مراجعة كاميرات مدخل الفيلا، وكاميرات الشارع، وسجل دخول العاملين.
وبعد دقائق، ظهر اسم عم فتحي في سجل البوابة.
لكنه لم يكن وحده.
قبل اختفاء التسجيلات بأربعين دقيقة، دخل رجل آخر إلى الفيلا.
فارس العشماوي.
وهنا تغيرت ملامح حسام تمامًا.
— «إزاي دخل؟»
قال الضابط:
— «الاسم اتسجل باعتباره زائرًا.»
— «مين سمح له بالدخول؟»
راجع الضابط السجل.
— «زوجتك.»
أغمض حسام عينيه.
كان واضحًا أن سمر لم تكن تتصرف وحدها.




