
وقفت أمام الجنرال وأنا أحاول أن أحيط نفسي بالهدوء، بينما كانت مئات العيون تلاحق كل حركة أقوم بها.
أمي كانت تنظر إليّ وكأنها لا تعرفني، وأبي بدا عاجزًا عن فهم سبب احترام جنرال بهذا المنصب لي أمام الجميع. أما سلمى، فكانت تحاول التظاهر بالثقة، لكنها لم تستطع إخفاء ارتجاف أصابعها وهي تمسك بطرف سترتها العسكرية.
رفع الجنرال الملف وقال:
«آنسة نهى، هل تؤكدين أن التوقيع الموجود على الصفحة الأخيرة صادر عنك؟»
نظرت إلى الورقة التي أشار إليها.
ثم أجبته بهدوء:
«أيوه يا فندم، التوقيع ده توقيعي.»
انطلقت همسات متفرقة بين الحاضرين.
أمي وضعت يدها على صدرها، بينما اقترب أبي خطوة وقال بصوت مرتفع:
«لحظة واحدة! إزاي بنتي يكون ليها علاقة بملف ترقية زي ده؟ نهى موظفة إدارية، ومش من القيادات العسكرية اللي بتصدر القرارات دي!»
لم يرد الجنرال عليه فورًا.
بل نظر إليه نظرة جعلته يتراجع خطوة إلى الخلف.
ثم قال:
«أنا لم أطلب رأيك يا أستاذ محمود. أنا أتحدث مع الشخص المسؤول عن مراجعة هذا الملف.»
تجمد أبي في مكانه.
أما أنا، فالتفتُّ إليه للحظة، ثم أعدت نظري إلى الجنرال.
لم أكن أرغب في إحراج أبي أمام الناس، لكنني أيضًا لم أعد مستعدة للسماح له بتحديد قيمتي أمام الجميع.
قال الجنرال:
«خليني أوضح للحاضرين حاجة مهمة. الآنسة نهى مش موظفة إدخال بيانات، زي ما البعض وصفها. هي تعمل ضمن وحدة متخصصة في مراجعة ملفات التعيينات والترقيات والتأكد من استيفاء الإجراءات المطلوبة قبل اعتمادها من الجهات المختصة.»
ساد الصمت.
ثم أضاف:
«ومن بين مسؤولياتها اكتشاف أي مستندات غير مكتملة، أو بيانات متعارضة، أو موافقات صدرت خارج التسلسل الرسمي.»
اتسعت عينا أمي.
نظرت إليّ ثم إلى أبي، وكأنها تنتظر منه أن ينفي ما تسمعه.
أما سلمى، فرفعت ذقنها قليلًا وقالت:
«مع احترامي لحضرتك يا فندم، أنا مش فاهمة إيه علاقة شغل أختي بترقيتي. ملفي اتراجع واتوافق عليه من المسؤولين المختصين.»
أغلق الجنرال الملف ببطء.
«وده بالضبط اللي إحنا جايين نراجعه.»
ثم أخرج ورقة أخرى من حقيبته، ووضعها فوق الملف.
«المشكلة مش في إن أختك راجعت الملف. المشكلة إن فيه تصريحًا استثنائيًا صدر صباح النهارده، واتسجل في النظام على إنه موافقة نهائية، رغم إن الإجراء ده كان محتاج مراجعة إضافية.»
تغير وجه سلمى.
قالت بسرعة:
«يمكن يكون خطأ إداري يا فندم.»
أجابها الجنرال:
«ممكن. وعشان كده إحنا هنا علشان نعرف الحقيقة، مش علشان نصدر أحكام قبل التحقيق.»
ثم التفت إليّ.
«آنسة نهى، هل لاحظتِ أي حاجة غير طبيعية في الملف لما راجعتيه؟»
أخذت نفسًا عميقًا.
كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا ما، لكنني لم أتخيل أبدًا أنها ستأتي في حفل أختي، وسط عائلتي والضيوف الذين طالما اعتبروني أقل شأنًا منها.
قلت:
«أيوه يا فندم. لاحظت إن فيه مستندًا اتضاف للملف في وقت متأخر، وإن رقم الموافقة الموجود عليه لا يتطابق مع سجل المراجعة الأصلي.»
شهقت إحدى السيدات الجالسات في الصف الأمامي.
أما أبي، فصاح بغضب:
«كفاية بقى يا نهى! إنتِ هتفضلي تحرجي أختك قدام الناس لحد إمتى؟ النهارده يوم فرحتها!»
التفتُّ إليه.
ولأول مرة منذ سنوات، لم أخفض عيني أمامه.
قلت بهدوء:
«أنا مش اللي فتحت الموضوع يا بابا. أنا اتسألت، وبجاوب على قد السؤال.»
ثم أضفت:
«وبعدين، لو كل حاجة سليمة، يبقى مفيش داعي إن حد يخاف من مراجعة الأوراق.»
ساد صمت مفاجئ.
لم يعتد أبي أن يسمع مني ردًا بهذه الثقة.
فقد اعتاد أن أوافقه، وأن أبتسم عندما يقلل من شأني، وأن أترك لسلمى كل مساحة ممكنة حتى لا أفسد الصورة المثالية التي رسمتها أمي لها.
لكن هذه المرة كانت مختلفة.
هذه المرة، لم أكن أقف في آخر القاعة بصفتي الأخت التي لا يريد أحد رؤيتها، بل كنت أقف أمام الجنرال بصفتي الشخص الذي يملك معلومات مهمة عن الملف محل المراجعة.
اقترب الجنرال من مساعده، وتبادل معه بضع كلمات بصوت منخفض، ثم عاد إلى الوقوف أمامنا.
«هنحتاج نراجع سجل التعديلات الإلكتروني، ونعرف مين أضاف المستند، ومين أصدر التصريح، وهل حصل أي تجاوز متعمد للإجراءات.»
ثم نظر إلى سلمى مباشرة.
«يا رائد سلمى، هل عندك تفسير لسبب إضافة المستند ده في التوقيت المذكور؟»
ابتلعت سلمى ريقها.
«لا يا فندم. أنا قدمت كل المستندات المطلوبة، وبعدها اتبلغت إن الموافقة تمت.»
«مين بلغك؟»
ترددت للحظة.
ثم نظرت ناحية أبي.




