
الجزء الثاني
مسكت الفضية مع أحمد، وابتسمت للمصور اللي كان بيطلب مننا نقرب من بعض عشان ياخد صورة حلوة. كنت بضحك من قلبي، وحاسة إن اللحظة دي هتفضل محفورة في ذاكرتي طول العمر.
أحمد بصلي بابتسامة غريبة، وقال بصوت واطي:
«جاهزة للمفاجأة يا عروسة؟»
ضحكت وأنا فاكرة إنه بيهزر، وقلت له: «مفاجأة إيه؟ إنت مخبيلي إيه؟»
ما ردش، لكنه فجأة مسك قطعة كبيرة من التورتة بإيده، وبص للضيوف كأنه بيستعد يقدم عرض كوميدي.
وبعدين، من غير أي مقدمات، مسك راسي وزق وشي جوه التورتة بكل قوته!
في ثانية واحدة، اختفت ابتسامتي.
وشي غرق في الكريمة، وشعري اتغطى بيها، والفستان الأبيض اللي كنت حريصة عليه من أول اليوم اتلطخ بالكريمة وبقايا التورتة.
سمعت ضحكات متفرقة من بعض الشباب، وبعدها صوت أحمد وهو بيضحك بصوت عالي وبيقول:
«إيه يا جماعة؟ دي عروستي! لازم نبدأ الجواز بضحكة حلوة!»
رفع راسه وبص للناس، مستني منهم يضحكوا معاه ويصفقوا على الهزار اللي عمله.
لكن أنا ما ضحكتش.
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أستوعب اللي حصل. كنت حاسة إن كل العيون متعلقة بيا، وإن كل المجهود اللي بذلته عشان أظهر بأجمل صورة في يوم فرحي راح في لحظة واحدة.
حاولت أمسح الكريمة من عيني بإيدي، لكن إيدي كانت بتترعش.
بصيت لأحمد، مستنية أشوف أي علامة ندم على وشه، أو حتى إنه يقرب مني ويعتذر.
لكنه بدل ما يعمل كده، طبطب على كتفي وقال بسخرية:
«يا بنتي، ما تكبريش الموضوع! دي تورتة، مش مصيبة. وبعدين، إنتِ بقيتي أحلى كده!»
ضحك تاني، وكأنه فعلًا مش شايف أي مشكلة في اللي عمله.
في اللحظة دي، حسيت بحاجة اتكسرت جوايا.
ما كانش الموضوع مجرد تورتة أو فستان اتبهدل. كانت المشكلة إنه اختار يحرجني قدام كل الناس، في اليوم اللي المفروض يكون بداية حياتنا مع بعض، وبعدها تعامل مع وجعي كأنه حاجة تافهة.
حاولت أتماسك، وقلت له بصوت مرتعش:
«أحمد، إنت إزاي تعمل فيا كده؟ أنا مراتك!»
اتغيرت ملامحه للحظة، وبعدين قرب مني وهمس بعصبية:
«وطّي صوتك! مش ناقصة نكد في يوم زي ده. اضحكي وخلاص، بدل ما تبوظي الفرح على الكل.»
بصيت حواليّا.
ماما كانت واقفة من مكانها، وإيديها على صدرها، وعينيها مليانة صدمة. كانت بتحاول تقرب مني، لكن كريم سبقها.
أخويا كان واقف في مكانه من أول اللحظة، ووشه اتغير تمامًا. اختفت الابتسامة اللي كانت على وشه، وعينيه ثبتت على أحمد بنظرة عمري ما شفتها منه قبل كده.
بدأ يتحرك ناحيتنا بخطوات هادية، لكنها كانت كفاية تخلي الضحك يختفي من المكان بالتدريج.
واحد من أصحاب أحمد حاول يخفف الجو وقال:
«يا عم كريم، ما تزعلش! ده هزار عرسان، وكلنا عملنا كده في الأفراح.»
كريم ما بصّلوش حتى.
فضل مركز مع أحمد، لحد ما وقف قدامه مباشرة.
وبصوت هادي جدًا، سأله:
«إنت شايف اللي عملته ده هزار؟»
أحمد حاول يضحك، لكنه المرة دي ضحكته كانت متوترة.
«أيوه يا كريم، طبعًا هزار. إنت مكبر الموضوع ليه؟ دي مراتي، وأنا حر معاها!»
الجملة الأخيرة دي كانت كفاية تغيّر كل حاجة.
كريم قرب خطوة، وقال له:
«مراتك؟ أيوه، هي مراتك. لكن ده مش معناه إنك من حقك تهينها، حتى لو قدام شخص واحد، فما بالك بـ120 شخص!»
أحمد رفع إيده باستخفاف وقال:
«يا عم خلاص، حصل خير. هاتوا مناديل وننضف الموضوع بدل الدراما دي.»
كريم لف وبص للمصور، وقال له:
«لو سمحت، ما تمسحش أي حاجة من الصور اللي اتصورت من شوية. وخلي الكاميرا شغالة.»
أحمد ضحك وقال:
«إنت بتعمل إيه يا كريم؟ هتخلينا قضية رأي عام عشان حتة تورتة؟»
لكن كريم ما ردش عليه.
خلع الجاكيت بتاع بدلته وحطه على كتفي، وبعدين وقف جنبي وقال بصوت مليان حنية:
«تعالي يا حبيبتي، امسحي وشك براحتك. إنتِ مش مضطرة تضحكي عشان ترضي حد.»
الجملة دي كانت أول حاجة خلت دموعي تنزل.
ما قدرتش أتكلم، وكل اللي عملته إني مسكت إيده، وأنا بحاول أستوعب إن أخويا هو الشخص الوحيد اللي في اللحظة دي شاف وجعي بجد.
ماما وصلت عندي، وبدأت تمسح الكريمة من على وشي بمنديل، وهي بتقول:
«يا بنتي، يا حبيبتي… إنتِ كويسة؟»
هزيت راسي، لكني ما قدرتش أقول أي كلمة.
أما أحمد، فكان واضح إنه بدأ يفقد أعصابه لما لاحظ إن محدش بيضحك معاه.
صرخ فجأة:
«هو إيه اللي بيحصل هنا؟! أنا العريس، والفرح فرحي أنا كمان! مش معقول كل ده عشان هزار بسيط!»
كريم استدار له ببطء.
وقال جملة خلت أحمد يسكت للحظة:
«إنت فاكر إن المشكلة في التورتة؟ لأ يا أحمد. المشكلة إنك كشفت حقيقتك قدامنا كلنا، وإنت لسه مكملتش ساعتين متجوز أختي.»
أحمد حاول يرد، لكن كريم رفع إيده وقال:
«استنى. قبل ما تتكلم، فيه حاجة لازم تعرفها.»
وبعدين مد إيده لجيب بدلته، وطلع موبايله.
بصيت له باستغراب، وما كنتش فاهمة هو ناوي يعمل إيه.
فتح الموبايل، واختار تسجيل صوتي، وبعدين رفع عينه لأحمد وقال:
«كنت ناوي أسمعك التسجيل ده بعد الفرح، بعيد عن الناس. لكن بعد اللي عملته في أختي، أعتقد إن كل الموجودين هنا من حقهم يعرفوا الحقيقة.»
في اللحظة دي، وش أحمد اتغير تمامًا.
الابتسامة اختفت من على وشه، وإيده اللي كان ماسك بيها المنديل نزلت ببطء.
ولأول مرة من بداية الموقف، شفته خايف فعلًا.
بص لكريم وقال بسرعة:
«إنت جبت التسجيل ده منين؟!»
كريم ما ردش.
ضغط على زر التشغيل، وبدأ صوت شخص يتردد في القاعة…
وأول جملة اتقالت في التسجيل كانت كفيلة إنها تحوّل الفرح كله إلى صدمة، وتكشف سر أحمد اللي كان فاكر إنه مستحيل يوصل لأهل عروسته!
يتبع… 🔥
سادت القاعة حالة من الصمت التام، لدرجة إن صوت التسجيل كان واضح لكل الموجودين.
في البداية، سمعت صوت أحمد بيتكلم مع شخص تاني، وكان واضح من نبرة صوته إنه بيتكلم براحة تامة، وكأنه مش خايف إن حد يسمعه.
قال أحمد في التسجيل:
«أنا بقولك، أول ما الفرح يخلص، كل حاجة هتتغير. هي دلوقتي فاكرة إنها هتعيش معايا أحلى أيام حياتها، لكن بعد الجواز هتفهم إن الموضوع مش بالبساطة اللي في دماغها.»
جالي إحساس غريب وأنا بسمع صوته. ده كان نفس الشخص اللي من شوية كان واقف جنبي، وبيبتسم قدام الناس، وبيقول إنه بيحبني أكتر من أي حاجة في الدنيا.
لكن الصوت اللي خارج من الموبايل كان مختلف تمامًا.
صوت واحد بيتكلم عني كأني مجرد صفقة بيستعد يكسب منها.
التسجيل كمل، وأحمد قال:
«المهم إن كريم يفضل مقتنع إني بحبها. طول ما هو شايفني راجل محترم وبيثق فيا، مش هيشك في أي حاجة. وبعد الجواز، هنعرف نتصرف في موضوع الفلوس واحدة واحدة.»
واحد من الضيوف شهق بصوت مسموع، وماما حطت إيدها على بقها.
أما أنا، فحسيت إن رجلي مش شايلاني.
الفلوس؟ أنهي فلوس؟ وإيه اللي كان أحمد بيخطط له من ورايا؟
بصيت لأخويا، وقلت بصوت ضعيف:
«كريم… إيه التسجيل ده؟ وإنت عرفت الكلام ده منين؟»
كريم ضغط على زر الإيقاف، وبصلي بحزن واضح.
«كنت أتمنى إني أكون غلطان يا حبيبتي. والله كنت أتمنى.»
أحمد فجأة اندفع ناحيته وحاول ياخد الموبايل من إيده.
«اقفل التسجيل ده فورًا! إنت بتعرض كلام متفبرك قدام الناس!»
كريم رجع خطوة لورا، ورفع الموبايل بعيد عنه.
«متفبرك؟ طيب، لو متفبرك، إنت خايف ليه؟»
أحمد اتلخبط، وبدأ يبص حواليه، كأنه بيدور على حد يقف في صفه.
وبعدين صرخ:
«ده كلام خارج من سياقه! أنا كنت بهزر مع صاحبي، وإنتوا كلكم فاهمين الموضوع غلط!»
لكن كريم ما دخلش معاه في جدال.
شغّل الجزء التاني من التسجيل.
المرة دي، كان صوت أحمد أوضح، وكلامه أخطر.
«أنا مش هصرف عمري كله عشان أعيش على قد إمكانياتي. هي بنت طيبة، وأهلها واثقين فيا. أول ما أقدر أخليها تمضي على التوكيل، هتبقى كل حاجة أسهل. وساعتها محدش هيقدر يوقفني.»
حسيت ببرودة بتجري في جسمي.
توكيل؟
أنا ما مضيتش على أي توكيل لأحمد!
لكن فجأة افتكرت إنه من حوالي أسبوعين، كان جاب لي مجموعة أوراق وقال إنها مجرد إجراءات تخص تجهيز شقتنا الجديدة، وطلب مني أوقّع في أماكن محددة.
وقتها، سألته عن الأوراق، فضحك وقال لي إنها حاجات روتينية، وإن المحامي بتاعه هيتولى كل التفاصيل.
أنا كنت واثقة فيه لدرجة إني ما شكيتش لحظة في كلامه.
بصيت له وقلت:
«أحمد… إنت كنت تقصد إيه بالكلام ده؟ إنت كنت عايزني أمضي على إيه؟»
حاول يقرب مني، لكن كريم وقف بينا.
«خليك مكانك.»
أحمد رفع إيديه وقال بنبرة مصطنعة:
«يا جماعة، أرجوكم اسمعوني. أنا بحبها، وكل اللي قلته كان مجرد كلام بيني وبين صاحبي. أنا عمري ما كنت هعمل فيها حاجة.»
بصيت له، ودموعي بتنزل من غير ما أحس.
«لو بتحبني، ليه بتتكلم عني بالطريقة دي؟ وليه عايزني أمضي على توكيل من غير ما أفهم تفاصيله؟»
ما عرفش يرد.
فضل ساكت ثواني، وبعدها قال:
«أنا كنت بحاول أحمي مستقبلنا!»
ضحكت ضحكة قصيرة، مليانة وجع.
«مستقبلنا؟ ولا مستقبلك إنت؟»
لأول مرة، ما لقيتش أي إجابة جاهزة عنده.
كريم أخيرًا اتكلم، وقال للضيوف:
«أنا مش هطلب من حد يصدقني لمجرد إني أخوها. اللي سمعناه دلوقتي كفاية يخلينا نتوقف ونسأل أسئلة مهمة.»
وبعدين بص لأحمد مباشرة.
«قبل الفرح بأيام، واحد من معارفي اتصل بيا. الراجل ده شغال في مجال العقارات، وكان بيتعامل مع أحمد في موضوع مالي. في البداية، ما حبيتش أظلم حد من غير دليل، فطلبت منه يوضح لي حقيقة الموضوع.»
أحمد هز راسه بعنف.
«كلام فارغ! إنت بتلفق لي تهم!»
كريم تجاهله وكمل:
«اكتشفت إن أحمد كان بيسأل عن ممتلكات العيلة، وبيحاول يعرف تفاصيل عن شقة ماما وحسابات أختي. ولما واجهته بشكل غير مباشر، أنكر أي علاقة بالموضوع.»
بصيت لماما، فلقيتها بتبصلي بصدمة.
شقة ماما كانت كل اللي فاضل لها من بابا، وهي طول عمرها بتعتبرها أمانها الوحيد.
أما أنا، فكان عندي مبلغ حوّشته من شغلي، وكنت مخططة أستخدمه في تأمين مستقبلنا.
فجأة، كل حاجة بدأت تتجمع في دماغي.
أسئلته الكتير عن مدخراتي.
اهتمامه بمعرفة قيمة الشقة.
إصراره إني أمضي على الأوراق بسرعة.
وكل مرة كنت بسأله عن السبب، كان بيبتسم ويقول لي إنه بيخطط لحياتنا.
كنت فاكرة إنه مهتم بمستقبلنا، لكن احتمال إنه كان بيخطط للاستيلاء على فلوسي خلاني أحس إني ما كنتش أعرف الراجل اللي اتجوزته أصلًا.
أحمد بص للضيوف، ولما حس إن محدش مصدقه بسهولة، غيّر أسلوبه فجأة.
قرب مني وقال بصوت هادي:
«حبيبتي، إنتِ عارفة إني بحبك. تعالي نتكلم لوحدنا، بعيد عن الناس. إحنا لسه متجوزين، ومش معقول نخلي يومنا الجميل ينتهي بالشكل ده.»




