
### الجزء التاني: الـ8 كلمات اللي قلبت الفرح كله
مسكت إيد جدي، وبدأنا نمشي ناحية قاعة الفرح، بينما عيون كل الموجودين كانت متعلقة بيني وبينه.
كنت سامعة همسات الناس، وشايفة نظرات الاستغراب على وشوشهم. محدش كان فاهم ليه أمي رفضت تمشي معايا، وليه جدي أصر إنه ياخد مكانها.
لكن اللي حصل في نص الطريق كان أكبر من أي حد يتخيله.
جدي وقف فجأة.
إيده اللي كانت ماسكة إيدي ارتخت شوية، وبعدين لف بجسمه ناحية أمي اللي كانت قاعدة في الصف الأول جنب أبويا.
بص لها مباشرة، وقال بصوت واضح وصل لكل الموجودين:
«النهارده هتعرفي مين فينا ظلم مريم!»
ثماني كلمات كانت كفاية إنها تغيّر شكل الليلة كلها.
ابتسامة أبويا اختفت فورًا، ووش أمي بقى شاحب، لدرجة إن أختي نورهان مسكت دراعها وسألتها بصوت واطي:
«ماما، هو يقصد إيه؟»
أمي ما ردتش.
أما جدي، ففضل واقف مكانه، مستند على عصاه، وعينيه ثابتة عليها.
أبويا قام من مكانه بسرعة، وحاول يضحك قدام الضيوف، وقال:
«يا جماعة، الحاج محمود كبر في السن، ويمكن تعبان شوية. خلونا نكمل الفرح.»
لكن جدي رفع إيده، وقال بحزم:
«اقعد يا كمال. أنا مش جاي أفسد فرح حفيدتي، أنا جاي أصلّح ظلم استمر سنين.»
القاعة كلها سكتت.
حتى يوسف، خطيبي، اللي كان واقف مستنيني عند المنصة، ما اتحركش. كان عارف إن فيه أسرار في عيلتي عمري ما حكيت له تفاصيلها، لكنه ما كانش يعرف إن جدي قرر يفتحها قدام الناس كلها.
جدي رجع بص لي، وابتسم ابتسامة صغيرة.
«كمّلي يا بنتي. النهارده يومك، ومحدش هيقدر يكسرك تاني.»
كملت المشي معاه، لكن دموعي بدأت تنزل رغم محاولاتي إني أتماسك.
مش عشان أمي رفضت تمشي معايا.
لكن عشان لأول مرة في حياتي، حد من عيلتي وقف قدام الكل وقال بصوت واضح إن اللي حصل لي كان ظلم، وإن المشكلة ما كانتش فيّ أنا.
وصلت ليوسف، فجدي سلّم إيدي لإيده وقال له:
«خلي بالك منها يا يوسف. البنت دي اتعلمت تعتمد على نفسها من وهي صغيرة، بس ده مش معناه إنها ما تستحقش حد يقف جنبها.»
يوسف مسك إيدي وقال:
«أوعدك يا جدي، مش هسمح لحد يقلل منها طول ما أنا جنبها.»
جدي هز راسه برضا، وبعدها قعد في الصف الأول.
كنت فاكرة إن الموضوع انتهى عند كده، وإننا هنكمل الفرح ونسيب الكلام لبعدين.
لكن بعد حوالي عشر دقايق، جدي طلب الميكروفون من منظم الحفل.
وقف بصعوبة، وطلع من جيب بدلته ظرف بني قديم، وقال:
«قبل ما نكمل، فيه حاجة لازم كل الموجودين يعرفوها. لأن فيه ناس هنا صدّقوا كلام غلط عن حفيدتي، وفيه ناس تانية شاركت في ظلمها من غير ما تعرف الحقيقة.»
أبويا اتحرك من مكانه وقال بعصبية:
«مش وقت الكلام ده يا حاج محمود!»
جدي بص له وقال:
«إنت بالذات آخر واحد من حقه يحدد الوقت المناسب.»
الهمسات زادت في القاعة.
أمي كانت قاعدة مكانها، بتضغط على شنطتها بإيديها، وكأنها بتحاول تمنع نفسها من الارتعاش.
جدي فتح الظرف، وطلع منه مجموعة أوراق قديمة.
وبعدين قال:
«من تسع سنين، أنا فتحت حساب خاص لكل حفيد من أحفادي، وخصصت لكل واحد مبلغ يساعده في تعليمه ومستقبله. كنت عايز أضمن إن محدش فيهم يحتاج لحد، وإن كل واحد يبدأ حياته بفرصة عادلة.»
بص ناحية أمي وأبويا.
«لكن لما مريم دخلت الجامعة، اكتشفت إن المبلغ المخصص ليها اتسحب بالكامل تقريبًا.»
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
أنا كنت عارفة إن فيه حاجة غلط في مصاريف تعليمي، لكن ما كنتش أعرف إن جدي كان عامل حساب باسمي من الأساس.
بصيت لأبويا، فلقيته بيتجنب عيني.
جدي كمّل:
«ولما سألت كمال عن الفلوس، قال لي إن مريم رفضت تكمل تعليمها، وإنها قررت تعتمد على نفسها. صدقته وقتها، لأن أبوها هو اللي كان مسؤول عن الحسابات.»
رفع ورقة من بين الأوراق وقال:
«لكن من سنة ونص، مريم نفسها بدأت تسأل عن التحويلات. وبحكم شغلها، عرفت توصل لحاجات محدش كان متوقع إنها هتكتشفها.»
كل العيون اتحولت ناحيتي.
يوسف ضغط على إيدي، وأنا كنت بحاول أستوعب اللي بسمعه.
جدي التفت لأمي وسألها:
«تحبي تقولي للناس إيه اللي حصل للفلوس، ولا أكمّل أنا؟»
أمي قامت فجأة.
«إنت بتتهمنا بالسرقة قدام الناس؟! دي فلوس عيلة، وإحنا أحرار نتصرف فيها!»
جدي رد بهدوء:
«الفلوس اللي اتخصصت لحفيدتك مش ملكك، ومش من حقك تتصرفي فيها من غير علمها.»
أبويا تدخل بسرعة:
«أنا كنت بدير الحسابات، وكل التحويلات كانت لمصلحة العيلة!»
جدي رفع حاجبه وقال:
«غريبة. لأن بعض التحويلات راحت لحسابات شخصية، وبعضها اتسجل بأسماء شركات أنا ما أعرفهاش.»
في اللحظة دي، وش أبويا اتغيّر.
أما أختي سارة، فبصت لأمي وبعدين لأبويا، وقالت:
«بابا، هو بيتكلم عن إيه؟»
أبويا ما ردش.
جدي حط الأوراق على الترابيزة اللي قدامه، وقال:
«أنا مش هحكم على حد هنا. فيه مستندات لازم تتراجع، وفيه أسئلة لازم تتجاوب. لكن فيه حقيقة واحدة لازم مريم تعرفها.»
وبعدين بص لي مباشرة.
«إنتِ ما كنتيش البنت اللي العيلة نسيتها يا مريم. إنتِ كنتِ البنت اللي فيه ناس حاولت تخليها تصدق إنها ما تستحقش أي حاجة.»
ما قدرتش أمنع نفسي من العياط.
كل السنين اللي كنت بسأل فيها نفسي ليه أمي بتعاملني بشكل مختلف، وليه أبويا دايمًا بيقلل من أي نجاح أحققه، وليه أختيّ بيحسسوني إني أقل منهم… بدأت تتجمع قدامي في صورة واحدة.
لكن قبل ما أقدر أسأل جدي عن باقي التفاصيل، موبايل أمي رن.
بصت للشاشة، ولما شافت اسم المتصل، اتحركت بسرعة ناحية باب القاعة.
جدي لاحظ حركتها، وقال بصوت حاسم:
«منى، استني مكانك.»
وقفت، لكنها فضلت باصة للموبايل برعب.
جدي قرب منها خطوة، وقال:
«المكالمة دي بالذات، أنا مستنيها من شهور.»
أمي رفعت عينيها له، وشفايفها بدأت ترتعش.
وبعدين قالت بصوت بالكاد اتسمع:
«إنت ما تعرفش اللي هيحصل لو الشخص ده اتكلم!»
جدي رد:




