روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

الجزء الثاني: اللحظة اللي دخلت فيها القصر ومعايا أولادي الأربعة
في الساعة الخامسة مساءً، وقفت قدام المراية أظبط هدومي، وأنا بحاول أقنع نفسي إن الزيارة دي مش هتأثر فيَّ.

لبست فستانًا شتويًا بسيطًا باللون الكحلي، وحطيت شالي على كتفي، وبعدها دخلت أوضة الأولاد.

كان آدم وعمر وياسين ومروان بيجروا في كل مكان، وكل واحد فيهم مصرّ إنه يلبس الجاكيت اللي اختاره بنفسه.

قلت وأنا بضحك:

«يا جماعة، إحنا رايحين عشاء مش داخلين سباق! كل واحد يلبس الجاكيت بتاعه، ويلا بينا.»

آدم، اللي كان دايمًا أكتر واحد فيهم فضولي، وقف قدامي وسألني:

«ماما، هو إحنا رايحين عند مين؟»

نزلت لمستواه وعدلت ياقة الجاكيت بتاعه.

«هنزور ناس كنت أعرفهم من زمان يا حبيبي.»

بص لي شوية، وبعدها سأل السؤال اللي كنت متوقعة إنه هييجي في يوم من الأيام:

«هو بابا هيكون هناك؟»

اتجمدت إيدي للحظة.

الأطفال الأربعة كانوا عارفين إن ليهم أب، لكنهم ما كانوش يعرفوا عنه تفاصيل كتير. كنت دايمًا بقول لهم إن بعض الحكايات محتاجة وقت مناسب علشان تتحكي، وإنهم عمرهم ما كانوا سببًا في أي خلاف حصل بين الكبار.

ابتسمت لآدم وقلت:

«أيوه، غالبًا هيكون موجود.»

ما سألش أي سؤال تاني، لكنه مد إيده لجيبه وأخرج دبوسًا معدنيًا قديمًا، كان محتفظًا بيه من يوم ما لقاه وسط الحاجات القديمة اللي ورثتها عن والد جده.

كان الدبوس على شكل نسر صغير، وتحته رقم محفور بالكاد يظهر.

قال بفخر:

«هآخده معايا. يمكن حد يعرف هو بتاع مين.»

أول ما شفت الدبوس، حسيت بوخزة غريبة في قلبي.

كنت أعرف الدبوس ده.

لكن بدل ما أقول أي حاجة، ساعدته يرجعه لجيبه، وطلبت من الأولاد يجهزوا نفسهم.

بعد حوالي ساعة، وصلنا إلى قصر عائلة الشناوي.

كان القصر كبيرًا ومحاطًا بحديقة واسعة، وأضواء الزينة معلقة على الأشجار، بينما كان أفراد العيلة يدخلون من البوابة الرئيسية بملابسهم الأنيقة.

وقفت قدام الباب لحظات، وأخدت نفسًا عميقًا.

سبع سنين كاملة عدّت من آخر مرة دخلت فيها المكان ده.

سبع سنين من الوجع، والتغيير، والبدايات الجديدة.

فتحت الخادمة الباب، وبمجرد ما شافتني، ظهر على وشها تعبير من الدهشة قبل ما ترحب بيا.

«أهلًا يا فندم، مدام نادية مستنياكي من بدري.»

دخلت ومعايا الأولاد الأربعة.

وما إن وصلت إلى الصالون الكبير، حتى بدأت الأصوات تهدأ تدريجيًا.

كانت نادية واقفة جنب المدفأة، ولما شافتني، ابتسمت ابتسامة مترددة، ثم اقتربت مني.

«ليلى! أخيرًا جيتي.»

حضنتني حضنًا قصيرًا، وبعدها نزلت بعينيها ناحية الأطفال.

اتسعت عيناها.

«دول… أولادك؟»

هزيت رأسي بابتسامة هادئة.

«أيوه. دول ولادي الأربعة.»

فضلت تبص لهم وكأنها بتحاول تستوعب اللي قدامها.

«أربعة؟ ما شاء الله! عندهم كام سنة؟»

«ست سنين.»

في اللحظة دي، دخلت سالي، زوجة أحمد الحالية، إلى الصالون.

كانت لابسة فستانًا أنيقًا، وفي إيدها كأس عصير، ولما شافتني مع الأطفال، توقفت في مكانها.

بصت لي، ثم بصت لهم مرة تانية.

«إنتِ ما قلتيش إنك هتيجي ومعاكي أطفال يا ليلى.»

رديت بهدوء:

«ما حدش سألني إذا كنت هاجي لوحدي.»

اتغيرت ملامحها قليلًا، لكنها حاولت تخفي ده بابتسامة مصطنعة.

وفي اللحظة نفسها، سمعت صوت خطوات جاية من ناحية السلم.

صوت كنت أعرفه كويس، رغم إن سبع سنين كاملة مرّت من آخر مرة سمعته فيها داخل البيت ده.

ظهر أحمد الشناوي.

كان لابس بدلة رسمية داكنة، وكتافه العريضة لسه زي ما هي، لكن ملامحه بقت أكثر صرامة، وظهر في شعره بعض الشيب.

كان بيتكلم مع أحد أقاربه، لكنه سكت فجأة لما رفع عينيه وشافني.

فضل واقف مكانه لثوانٍ.

وبعدين نزلت عينيه ناحية الأطفال.

أربعة أطفال.

أربعة وجوه صغيرة بتبص له بفضول.

حاول يستعيد هدوءه، وتقدم ناحيتي بخطوات بطيئة.

«ليلى؟»

«مساء الخير يا أحمد.»

بص للأولاد تاني، وبعدها سأل بصوت حاول يخليه طبيعي:

«مين الأطفال دول؟»

كنت مستعدة للسؤال ده، لكني ما كنتش مستعدة أشوف الارتباك اللي ظهر في عينيه لما رديت:

«دول أولادي.»

عقد حاجبيه.

«أولادك؟»

«أيوه.»

سكت لحظة، وبعدها قال:

«ما كنتش أعرف إنك اتجوزتي.»

قلت وأنا ببص له مباشرة:

«في حاجات كتير إنت ما كنتش تعرفها عن حياتي.»

قبل ما يرد، اقترب آدم من أخوه عمر، وبدأ يخرج الدبوس المعدني من جيبه.

رفع الدبوس قدام أحمد وقال ببراءة:

«عمو، إنت تعرف الدبوس ده؟ أنا لقيته من فترة، وماما قالت لي أحافظ عليه.»

في البداية، بص أحمد للدبوس من غير اهتمام واضح.

لكن بعد ثانية واحدة، تغير كل شيء.

اختفت الابتسامة من على وشه.

اتسعت عيناه، ومد إيده ببطء ناحية الدبوس، من غير ما يلمسه.

ثم قال بصوت منخفض جدًا:

«إنت جبت ده منين؟»

آدم رد بكل بساطة:

«قلت لك، لقيته وسط الحاجات القديمة.»

أحمد قرب خطوة، وركز في النقش الموجود أسفل النسر.

وبعدين رفع عينيه ناحية آدم، ووشه بقى شاحبًا بشكل خلاني أحس إن فيه حاجة خطيرة حصلت.

قال بصوت مرتعش:

«مستحيل… الدبوس ده كان المفروض يكون…»

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى