
الجزء الثاني: الرسالة الأخيرة
فضلت واقف قدام المحامية داليا وأنا ماسك أوراق الطلاق، لكن عقلي كان واقف عند جملة واحدة:
“لازم نتكلم عن آدم.”
ليه آدم بالتحديد؟
وليه في نفس اليوم اللي نورا باعت فيه البيت وبدأت إجراءات الطلاق؟
رفعت عيني لداليا وقلت:
“هي فين؟”
ردت بهدوء:
“أنا مش مخولة أقولك مكانها.”
“دي مراتي!”
“كانت مراتك وقت توقيع الأوراق.”
الكلمة نزلت عليّ كأنها صفعة.
قلت بعصبية:
“وعايزة تقنعيني إن واحدة تبيع بيت بـ17.6 مليون دولار، وتسيب جوزها وابنها، وتمشي من غير سبب؟”
بصت لي ثواني، وبعدها قالت:
“أنا مش بحاول أقنعك بحاجة.”
ثم أضافت:
“لكن قبل ما أمشي، عندي رسالة من نورا.”
مدت إيدها بظرف صغير.
“قالت لي أسلمهولك لو جيت تسأل عنها.”
خدت الظرف بسرعة وفتحته.
جواه ورقة واحدة.
بخط إيد نورا.
وكان مكتوب:
“فادي، لو وصلت للرسالة دي، يبقى أخيرًا بدأت تسأل الأسئلة الصح.”
توقفت عن القراءة لحظة.
ثم كملت:
“أول سؤال لازم تسأله هو: مين والد الطفل اللي سلمى بتقول إنها حامل بيه؟”
اتجمدت.
بصيت لداليا.
قالت:
“أنا معرفش أي حاجة عن الموضوع.”
رجعت للورقة.
“والسؤال التاني: ليه سلمى اختارت الوقت ده بالذات عشان تحمل منك؟”
بدأت أتنفس بصعوبة.
كنت عايز أقول لنفسي إنها مجرد غيرة.
مجرد محاولة من نورا إنها تنتقم مني.
لكن كان في حاجة غلط.
لأن نورا عمرها ما كانت من النوع اللي يتصرف بانفعال.
كانت هادية.
دقيقة.
ولو قررت تعمل حاجة…
بتكون حسبتها كويس.
كملت القراءة.
“أنا ما بعتش البيت عشان أنتقم منك. بعته لأن البيت لم يعد آمنًا لآدم.”
وقعت عيني على الجملة دي أكتر من مرة.
“لم يعد آمنًا؟”
آمن من مين؟
ثم قرأت السطر الأخير:
“قبل ما تدور عليّ، افتكر آخر مرة سلمت فيها آدم لحد تثق فيه. واسأل نفسك: هل أنت متأكد إن الشخص ده كان فعلًا يستحق ثقتك؟”
انتهت الرسالة.
رفعت رأسي وقلت:
“فين ابني؟”
داليا ما ردتش.
صرخت:
“فين آدم؟!”
قالت:
“هو مع والدته.”
“أنا والده!”
“وأنا ما قلتش إنه مش ابنك.”
الجملة دي خلتني أسكت.
“ما قلتش إنه مش ابنك.”
يعني إيه؟
هل كانت نورا بتشكك في حاجة؟
خرجت من البيت وأنا مش شايف قدامي.
ركبت عربيتي واتصلت بعمر.
“عايزك تعمل حاجة حالًا.”
“اتفضل.”
“هات كل المعلومات اللي عندنا عن سلمى منصور.”
سكت.
ثم قال:
“كل المعلومات؟”
“كل حاجة.”
“حاضر.”
بعد أقل من ساعة، كنت في مكتبي.
حط عمر ملفًا سميكًا قدامي.
“دي المعلومات اللي قدرت أجمعها.”
فتحته.
سلمى كانت فعلًا موجودة في سجلات الشركة كمستشارة خارجية لإحدى الشركات المتعاقدة معنا.
لكن كان فيه شيء غريب.
اسمها ظهر لأول مرة في ملفات الشركة قبل أربع سنين.
قبل ما أقابلها بسنتين.
رفعت عيني لعمر.
“إيه ده؟”
قال:
“دي أول حاجة غريبة.”
قلبت الصفحة.
كان فيه تقرير مالي قديم.
اسم شركة صغيرة ظهر فيه أكثر من مرة.
شركة اسمها:
النور للاستشارات.
قلت:
“مالها؟”
عمر قال:
“الشركة دي كانت بتتعامل مع موردين تابعين لينا.”
“ومين صاحبها؟”
تردد قبل ما يرد.
ثم قال:
“صاحبها الرسمي شخص اسمه سامح الراوي.”
الاسم ما كانش غريبًا عليّ.
لكن عمر أكمل:
“سامح الراوي كان شريك والد نورا في مشروع قديم.”
حسيت ببرودة في جسمي.
“إيه علاقة ده بسلمى؟”
عمر فتح صفحة أخرى.
“بص هنا.”
كان فيه تحويل مالي قديم.
المبلغ كبير.
والتحويل تم من شركة سامح الراوي إلى حساب باسم…
سلمى منصور.
فضلت أبص للورقة من غير ما أتكلم.
قلت أخيرًا:
“إمتى التحويل ده؟”
قال:
“قبل أول مرة سلمى تقابلك بحوالي شهر.”
رجعت بظهري على الكرسي.
لأول مرة منذ سنوات، بدأت أحس إن حياتي كلها ممكن تكون مبنية على كذبة.
لكن عمر كان لسه مخبي حاجة.
بصيت له وقلت:
“إنت لسه ما قلتليش كل حاجة.”
تنهد.
“في حاجة تانية.”
“قول.”
طلع صورة مطبوعة من كاميرات المراقبة.
الصورة كانت لسيارة سوداء واقفة قدام بيتنا قبل ثلاثة أيام.
“العربية دي كانت موجودة يوم عيد ميلاد نورا.”
قلت:
“ومين صاحبها؟”
عمر قرب الصورة مني.
“مش معروف.”
ثم أشار لشخص واقف بجانب السيارة.
رجل طويل، لابس جاكت غامق.
وشه مش واضح.
لكن في إيده…
كان ماسك ملف بني كبير.
قلت:
“مين ده؟”
رد عمر:
“مش عارف.”
ثم أضاف:
“لكن في كاميرا تانية صورته وهو خارج من البيت بعد حوالي عشرين دقيقة.”
حسيت إن قلبي وقف.
“كان داخل بيتي؟”
“أيوه.”
“ونورا كانت موجودة؟”
“أيوه.”
“وآدم؟”
سكت عمر.
“آدم كان موجود.”
وقفت من مكاني.
كل الأفكار بدأت تتجمع في رأسي.
سلمى.
التحويل المالي.
الشخص المجهول.
الملف البني.
رسالة نورا.
وآدم.
لكن السؤال الأخطر كان:
إيه اللي كان موجود جوه الملف؟
في اللحظة دي رن موبايلي.
رقم مجهول.
رديت.
مفيش صوت.
ثم سمعت نفسًا هادئًا.
وبعد ثواني، صوت رجل قال:
“لو كنت عايز تشوف ابنك تاني…”
توقفت أنفاسي.
“مين إنت؟”
قال:
“ما تسألش عن سلمى.”
ثم أغلق الخط.
فضلت ماسك الموبايل وأنا مش قادر أتكلم.
لكن بعدها وصلتني رسالة.
صورة واحدة.
فتحتها…
وكانت صورة آدم.
ابني كان واقف في مكان ما أعرفوش.
ووراه شباك كبير وستارة زرقاء.
وتحت الصورة جملة قصيرة:
“نورا اكتشفت الحقيقة قبل فوات الأوان… إنت لسه عندك فرصة.”
رفعت عيني لعمر.
وقلت:
“هاتلي كل تسجيلات كاميرات البيت.”
قال:
“ليه؟”
رديت وأنا ببص للصورة:
“لأني بدأت أشك إن نورا ما هربتش مني… نورا كانت بتهرب من حد تاني.”
وفي اللحظة دي…
وصلتني رسالة جديدة من الرقم المجهول.
وكانت أخطر من الأولى:
“ولو فتحت الملف اللي تركته نورا في خزنتك… هتعرف ليه آدم كان لازم يختفي.”
الجزء الثالث: الخزنة
فضلت أبص للرسالة على شاشة موبايلي، وكلمة واحدة كانت بتتكرر في دماغي:
الخزنة.
خزنة نورا.
طوال ست سنين عشت معاها في البيت، عمري ما سألتها عن الخزنة الصغيرة الموجودة في مكتبها.
كانت دايمًا بتقول إنها خاصة بأوراق عائلتها، وأنا عمري ما اهتميت.
لكن دلوقتي…
كل حاجة اتغيرت.
بصيت لعمر وقلت:
“نروح المكتب القديم.”
بعد أقل من نصف ساعة كنا واقفين قدام المبنى الإداري اللي كانت نورا بتستخدمه لإدارة جزء من استثمارات عيلتها.
دخلنا مكتبها.
المكان كان مرتب بشكل غريب.
مفيش ورقة في غير مكانها.
مفيش درج مفتوح.
مفيش أي علامة إن حد قلب المكتب أو فتشه.
قلت:
“واضح إنها كانت عارفة إنها هتمشي.”
عمر رد:
“أو حد رتب المكان بعدها.”
لفيت ناحية المكتبة.
كان فيه لوحة كبيرة معلقة على الحائط.
شلتها.
وراءها ظهرت خزنة إلكترونية.
دخلت الرقم اللي كنت أعرفه.
رفض.
جربت رقم تاني.
رفض.
عمر قال:
“يمكن غيرت الرقم.”
لكن افتكرت حاجة.
نورا كانت بتحب تستخدم تاريخ ميلاد آدم في كلمات السر.
جربت التاريخ.
طَق.
الباب اتفتح.
بصيت لعمر.
“نورا كانت عايزة حد يلاقيها.”
فتحت الخزنة.
جواها كان فيه ظرف أبيض، فلاشة صغيرة، وملف بني.
نفس الملف اللي ظهر في صورة كاميرات المراقبة.
مسكت الملف.
أول ورقة كانت نسخة من شهادة ميلاد آدم.
والاسم:
آدم فادي منصور.
ابني.
قلبي هدي للحظة.
لكن الورقة اللي بعدها كانت تقريرًا طبيًا.
وقفت مكاني.
كان تقرير تحليل وراثي.
قرأت السطر الأول.
ثم الثاني.
ثم رجعت قرأته مرة تانية.
النتيجة: فادي منصور ليس الأب البيولوجي للطفل.
وقعت الورقة من إيدي.
عمر قرب مني.
“إيه اللي حصل؟”
ما قدرتش أرد.
أنا كنت متأكد إن آدم ابني.
من يوم ولادته.
ملامحه.
عينيه.
طريقته في الكلام.
كل حاجة كنت شايف فيها نفسي.
لكن التقرير كان واضحًا.
والأغرب إن تاريخ التحليل كان قبل شهرين.
يعني نورا كانت تعرف.
من شهرين.
وأنا ما كنتش أعرف أي حاجة.
قلبت باقي الأوراق.
لقيت صورًا قديمة.
صور لآدم وهو صغير.
وبجانبها صور لرجل ما أعرفوش.
ثم لقيت ورقة مكتوب عليها اسم:
سامح الراوي.
رفعت عيني لعمر.
“سامح ده مين؟”
قال:
“قلت لك… كان شريك والد نورا.”
“بس إيه علاقته بآدم؟”
قبل ما يرد، لقيت ورقة أخيرة.
وكان عليها جملة بخط نورا:
“فادي، لو وصلت للنقطة دي، يبقى لازم تعرف إن كل اللي حصل من البداية كان جزءًا من خطة.”
كملت:
“أنا ما كنتش بخونك. وآدم مش نتيجة علاقة سرية. الحقيقة أعقد من كده.”
إيدي بدأت ترتعش.
قرأت السطر التالي:
“سامح الراوي هو والد آدم البيولوجي.”
سكت.
عقلي رفض يستوعب.
سامح؟
شريك والد نورا؟
إزاي؟
كملت القراءة.
“قبل ما نتجوز، والدك ووالدي كانوا شركاء في مشروع كبير. المشروع انهار، واختفى جزء من الأموال. سامح اتهم والدك بسرقة الأموال، لكن الحقيقة إن الاتنين كانوا ضحية عملية احتيال أكبر.”
ثم:
“سامح اختفى بعدها.”
“وبعد سنوات ظهر من جديد.”
توقفت.
ثم قرأت:
“لكن لما ظهر، ما كانش بيدور على المال فقط…”
رفعت الورقة بسرعة.
كان فيه سطر أخير.
“كان بيدور على ابنه.”
رجعت خطوة للخلف.
آدم.
كل السنين دي…
سامح كان بيدور على ابنه.
لكن ليه نورا أخفت الحقيقة عني؟
وليه اختفت فجأة؟
وليه سلمى دخلت حياتي؟
فتحت الفلاشة.
كان عليها مجلد واحد.
“الحقيقة كاملة.”
شغلت أول فيديو.
ظهر وجه نورا على الشاشة.
كانت قاعدة في مكان ما أعرفوش.
شكلها كان مختلف.
هادية، لكن عينيها كان واضح فيها الخوف.
قالت:
“فادي… لو إنت بتشوف الفيديو ده، يبقى أنا وآدم خرجنا من البيت.”
سكتت لحظة.
“أنا عارفة إنك هتكون غاضب.”
ثم قالت جملة جعلتني أتجمد:
“لكن لازم تعرف إن سلمى ما دخلتش حياتك بالصدفة.”
حدقت في الشاشة.
نورا كملت:
“هي اتبعتت لك.”
الفيديو انتهى.
شغلت الفيديو الثاني.
ظهرت نورا مرة أخرى.
“كنت أراقب تحركات سلمى من فترة. وعرفت إنها بتاخد فلوس من شركة مرتبطة بسامح الراوي.”
ثم ظهر على الشاشة كشف حساب.
نفس التحويل اللي شوفته.
نورا قالت:
“لكن ده مش أخطر شيء.”
ظهرت صورة أخرى.



