
الجزء التاني: السر اللي غيّر حياة جلال وجاسر
الأميرال هاريس وقف قدام الشاشة، وفضل باصص للرسالة الإلكترونية المعروضة عليها لثواني طويلة، قبل ما يلتفت لأعضاء اللجنة ويقول:
«الرسالة دي اتبعتت قبل الواقعة اللي حصلت للقافلة بأربع وعشرين ساعة. واللي بيثير القلق مش بس المعلومات اللي اتسربت، لكن كمان إن اسم الضابطة فيث اتذكر فيها بشكل مباشر.»
حسيت إن قلبي بيدق بعنف.
أنا كنت مستعدة أسمع أي حاجة عن التسريب، لكن ما كنتش مستعدة أكتشف إن فيه حد كان عارف تحركاتي بالاسم، ويمكن كان متوقع إني أرجع من المهمة أو ما أرجعش.
رئيس اللجنة طلب من الأميرال يكمل عرض الأدلة.
ظهرت نسخة من الرسالة على الشاشة، وكان فيها سطر واضح بيقول:
«لازم نتأكد إن القافلة تتحرك في موعدها المحدد، وإن الضابطة المسؤولة عن فريق الاتصالات تكون ضمن المجموعة.»
قريت السطر أكتر من مرة.
أنا فعلًا كنت مسؤولة عن جزء من الاتصالات وتنسيق التحركات داخل القافلة.
لكن مين اللي كان مهتم بوجودي بالتحديد؟
وليه؟
قبل ما أقدر أرتب أفكاري، أبويا قام من مكانه وقال بعصبية:
«الكلام ده ما يثبتش أي حاجة! أي حد ممكن يكتب رسالة ويحط فيها أسماء ناس بريئة. أنا راجل عندي شركة، وكل تعاملاتي قانونية.»
الأميرال هاريس ما ردش عليه فورًا.
اكتفى إنه أشار للموظف المسؤول عن الشاشة، فظهرت مجموعة جديدة من المستندات.
وقال بهدوء:
«عشان كده إحنا ما اعتمدناش على الرسالة وحدها. عندنا سجلات تحويلات مالية، وبيانات اتصالات، وتقارير فنية، وشهادات من أشخاص تم الاستماع لأقوالهم خلال التحقيق.»
أبويا رجع قعد، لكن ملامحه كانت اتغيرت.
أما أخويا جاسر، فكان بيحاول يتجنب النظر للشاشة.
ولأول مرة، لاحظت إنه مش غاضب مني زي كل مرة.
كان خايف.
خايف بشكل واضح.
الأميرال كمل كلامه:
«المبلغ اللي اتحول لحساب جاسر، وقيمته خمسين ألف دولار، كان جزءًا من تحويلات أكبر. والتحقيق بيحاول يحدد الغرض الحقيقي من الأموال دي، والجهة اللي دفعتها.»
جاسر انتفض من مكانه وقال:
«أنا مالي بكل ده؟! الفلوس دي مقابل شغل تجاري، وأنا ما أعرفش أي حاجة عن تحركات عسكرية!»
رئيس اللجنة طلب منه يقعد، وبعدها سأله:
«هل تقدر تقدم مستندات تثبت طبيعة الشغل اللي استلمت مقابله المبلغ؟»
جاسر سكت.
ثواني مرت عليه كأنها ساعات.
وبعدين بص ناحية أبويا.
كانت نظرة سريعة، لكنها قالت لي حاجات كتير.
أبويا هز رأسه هزة بسيطة، كأنه بيحذره من الكلام.
وفي اللحظة دي، بدأت أشك إن جاسر ما كانش مجرد شخص استلم فلوس وخلاص.
يمكن كان عارف أكتر مما بيقول.
ويمكن كان بيحاول يحمي أبويا.
لكن المفاجأة الحقيقية لسه ما ظهرتش.
الأميرال طلب عرض مستند جديد، وقال:
«فيه اسم تاني لازم نتكلم عنه. اسم ظهر في أكتر من سجل مالي واتصال مرتبط بالقضية.»
ظهرت على الشاشة بطاقة تعريف تخص رجل اسمه ريتشارد مايسون، وهو مستشار سابق في مجال الخدمات البحرية، كان على صلة بشركة الأبحاث اللي لقينا اسمها في مكتب أبويا.
الأميرال وضح إن مايسون كان محل تحقيق بسبب الاشتباه في مشاركته في نقل معلومات حساسة إلى جهات غير مصرح لها بالاطلاع عليها.
لكن ما كانش فيه دليل كافي في اللحظة دي يثبت إنه الشخص الوحيد المسؤول عن التسريب.
وبعدين ظهرت صورة تانية.
صورة لأبويا وهو خارج من أحد المباني، وبجواره مايسون.
الصورة كانت قديمة نسبيًا، لكنها كانت كافية عشان تغيّر شكل القضية.
أمي حطت إيدها على بقها.
كلوي قفلت موبايلها بسرعة.
أما جاسر، ففضل باصص للأرض.
أبويا حاول يتكلم، لكن صوته خرج متقطعًا:
«أنا قابلت الراجل ده في إطار شغل الشركة. ده مش دليل على أي حاجة.»
الأميرال رد:
«محدش اتهمك لمجرد إنك قابلته. إحنا بنراجع طبيعة علاقتك بيه، والمعاملات اللي حصلت بين الأطراف المختلفة.»
وبعدين أشار إلى المستندات المالية.
«لكن لما مقابلات العمل تتزامن مع تحويلات غير مفسرة، ومع رسائل مرتبطة بتسريب معلومات عسكرية، فمن واجبنا نتحقق من كل التفاصيل.»
كنت قاعدة مكاني، مش قادرة أبعد عيني عن الشاشة.
كل ذكرى من طفولتي كانت بتمر قدامي.
أبويا وهو بيقول لي إن الجيش مش مكان للبنات.
أمي وهي بتطلب مني ما أجيبش مشاكل البيت.
جاسر وهو بيضحك على إصابتي.
وكلوي وهي بتسخر من الوسام.
كنت طول عمري فاكرة إنهم بيكرهوا اختياري لحياة مختلفة عن حياتهم.
لكن هل كان فيه سبب تاني لكل العداء ده؟
هل كانوا خايفين من حاجة أعرفها من غير ما أقصد؟
ولا كانت كل الشكوك دي نتيجة الصدمة اللي عشتها؟
ما كنتش عايزة أظلم حد، حتى لو كان من عيلتي.
كنت عايزة الحقيقة وبس.
وفجأة، رئيس اللجنة طلب من كلوي إنها تتقدم للإدلاء بأقوالها بخصوص التسجيل الصوتي اللي نشرته عني.
وشها اتغير في لحظة.
«أنا مش فاهمة ليه بتتكلموا عن التسجيل! أنا كنت بحاول أساعد أختي، والناس كانت لازم تعرف إنها بتمر بظروف صعبة.»
الرئيس رد عليها:
«هل التسجيل كامل وغير معدل؟»
كلوي ترددت.
«أنا… أخدت منه أجزاء بسيطة عشان يكون مناسب للنشر.»




