عام

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
فضلت أبص على شاشة الموبايل، ورجعت التسجيل من أوله، وبدأت أركز في كل حركة بتحصل في غرفة المعيشة.

في أول دقيقة بعد ما دخلت الحمام، جوزي كان لسه قاعد على كرسيه المعتاد، ماسك موبايله وبيتصفح مواقع التواصل الاجتماعي.

الأطفال كانوا قاعدين بهدوء قدامه، والبنات بيتفرجوا على الكرتون، وابني الصغير بيلعب بألعابه جوه سرير اللعب.

مفيش صريخ، ولا خناق، ولا أي مشكلة زي ما هو وصف لي.

عدت دقيقتين، وبعدها خمسة، وجوزي لسه في نفس مكانه، مشغول بالموبايل، ولا حتى بيبص ناحية الأطفال.

في الدقيقة السابعة، واحدة من البنات قامت من مكانها وراحت ناحيته، وكانت شايلة لعبة صغيرة وبتحاول توريه إياها.

بص لها للحظة، وبعدها أشار بإيده ناحية التلفزيون وقال لها ترجع تقعد وتتفرج على الكرتون.

البنت رجعت مكانها من غير ما تتكلم.

أما هو، فرجع يكمل تصفح الموبايل.

فضلت أشاهد التسجيل وأنا مش فاهمة إيه اللي ممكن يكون أتعبه بالشكل اللي خلاني أسمع منه كل الكلام ده.

لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت لما وصلت للدقيقة العاشرة.

ابني الصغير بدأ يعيط، وكان واضح إنه عايز اللهاية بتاعته.

جوزي بص ناحيته، وبعدها رجع لموبايله وكأنه مش سامع حاجة.

الولد فضل يعيط شوية، لحد ما واحدة من البنات التوأم قامت من مكانها، وراحت جابت له لعبة كانت قريبة منها، وحاولت تسكته بيها.

وبالفعل، الولد هدي شوية وبدأ يلعب.

في اللحظة دي، حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.

مش علشان بنتي ساعدت أخوها، لكن علشان طفلة عندها تلات سنين كانت بتحاول تهتم بأخوها الصغير، بينما والده قاعد على بعد خطوات منها ومشغول بموبايله.

كملت مشاهدة التسجيل.

في الدقيقة الرابعة عشرة، جوزي قام من مكانه، وراح المطبخ، ورجع بكوباية عصير لنفسه، وبعدها قعد تاني من غير ما يسأل طفل واحد إذا كان محتاج حاجة.

وفي الدقيقة السابعة عشرة، بنتي الكبيرة قامت وراحت ناحية سرير اللعب، وحاولت تدي لأخوها اللهاية اللي كانت واقعة تحت الكنبة.

واضح إنها كانت بتحاول تساعده ينام.

أما جوزي، فكان لسه قاعد بيتفرج على فيديوهات على موبايله.

وصلت لنهاية التسجيل، وقعدت ساكتة تمامًا.

العشرين دقيقة اللي قال لي إنهم كانوا جحيم بالنسبة له، عدّوا من غير أي مشكلة تقريبًا.

مفيش خناق، ولا صريخ مستمر، ولا أطفال طالعين فوقه، ولا أي حاجة من اللي اشتكى منها.

كان كل اللي عمله إنه قعد على الكنبة، وتصفح موبايله، وشرب العصير، وساب الأطفال يتصرفوا لوحدهم.

لكن فيه حاجة تانية لفتت انتباهي.

قبل ما التسجيل ينتهي بثوانٍ، جوزي بص ناحية باب الحمام، ولما اتأكد إني لسه مجتش، قام وراح ناحية الكنبة، وبدأ يلم الألعاب اللي كانت على الأرض بسرعة، وبعدها قعد وغيّر ملامح وشه.

كأنه كان بيجهز نفسه علشان يستقبلني بغضب ويقنعني إن وجود الأطفال معاه كان كارثة.

حطيت إيدي على بقي، ومكنتش عارفة أعيط ولا أصرخ.

أنا مش زعلانة علشان جوزي مكنش بيلعب مع الأطفال أو بيسليهم.

أنا زعلانة لأنه كذب عليّ، وخلاني أحس إني غلطانة لمجرد إني طلبت منه يساعدني عشرين دقيقة.

قفلت التطبيق، وفضلت واقفة في المطبخ فترة طويلة.

كنت عايزة أطلع أصحيه وأواجهه بالتسجيل، لكن قررت أستنى لحد الصبح.

الموضوع بالنسبة لي مبقاش مجرد خلاف على مين يهتم بالأطفال.

أنا بدأت أسأل نفسي: لو أنا تعبت أو مرضت يومًا، هل جوزي يقدر فعلًا يتحمل مسؤولية أولاده؟

وهل هو شايف إن رعايتهم واجب عليّ أنا وحدي، لمجرد إني قاعدة في البيت؟

تاني يوم الصبح، استنيت لحد ما نزل وفطر، وبعدها حطيت الموبايل قدامه وقلت له بهدوء:

«عايزة أسألك سؤال، بس قبل ما تجاوبني، شوف الفيديو ده الأول».

بص لي باستغراب، وسألني:

«فيديو إيه؟»

شغلت التسجيل، وبدأت أعرض عليه العشرين دقيقة كاملة.

في البداية كان بيبص للشاشة بثقة، لكن بعد شوية بدأ وشه يتغير.

ولما وصلنا للحظة اللي بنتنا فيها كانت بتحاول تهدي أخوها الصغير، سكت تمامًا.

وقفت الفيديو عند الدقيقة الأخيرة، وبصيت له وقلت:

«ممكن تفهمني بقى إيه اللي كان صعب للدرجة دي؟ وإيه اللي خلاك تخليني أعتذر لك وأوعدك إني مش هطلب منك تساعدني تاني؟»

فضل ساكت، لكن إجابته اللي قالها بعدها كانت أبعد حاجة ممكن أتوقعها…

يتبع في الجزء الثالث والأخير…
فضل جوزي باصص للموبايل، وبعدها رفع عينه وبص لي، وكان واضح إنه مش عارف يقول إيه.

حاول يضحك ضحكة صغيرة وقال:

«إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟ هو أنا عملت إيه يعني؟ الأطفال كانوا قاعدين، وأنا كنت موجود معاهم، مش كفاية كده؟»

بصيت له بصدمة وقلت:

«موجود معاهم إزاي؟ إنت كنت قاعد على موبايلك طول الوقت، وابننا كان بيعيط، وبنتك الصغيرة هي اللي قامت تحاول تهديه! إنت حتى ما حاولتش تشوف هو محتاج إيه».

رد بعصبية:

«يعني إنتِ عايزاني أسيب كل حاجة وأفضل أجري وراهم؟ أنا برجع من الشغل تعبان، ومحتاج أرتاح شوية».

ساعتها حسيت إن المشكلة أكبر بكتير من مجرد عشرين دقيقة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى