عام

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

قلت له:

«وأنا؟ أنا مش بتعب؟ أنا بقالي أيام مش عارفة آخد دش من غير ما أقلق على حد! إنت بتخرج من البيت وتروح شغلك وترجع، لكن أنا شغلي مبيخلصش. حتى لما الأطفال بيناموا، بفضل أنضف وأغسل وأجهز حاجات تاني يوم».

حاول يقاطعني، لكني كملت:

«أنا مش بطلب منك تعمل شغلي كله، ولا حتى تساعدني في كل حاجة. دول أولادك زي ما هما أولادي. أنا طلبت منك عشرين دقيقة بس، وفي المقابل رجعت لقيتك بتعاملني كأني ارتكبت جريمة».

فضل ساكت شوية، وبعدها قال جملة وجعتني أكتر من كل اللي فات:

«بصراحة، أنا مش بحب أقعد لوحدي معاهم. أربعة أطفال في السن ده مسؤولية كبيرة، وأنا مش متعود على الدوشة دي. وبعدين إنتِ طول اليوم في البيت، يعني المفروض تكوني متعودة عليهم أكتر مني».

الجملة دي خلتني أفهم حاجات كتير.

هو مش شايف إن تربية الأطفال مسؤولية مشتركة، هو شايف إن وجودي في البيت معناه إني لازم أكون متاحة طول الوقت، وإن راحته أهم من راحتي.

قلت له بهدوء:

«أنا فعلًا متعودة عليهم، لكن ده مش معناه إني مش محتاجة أرتاح. وكوني أمهم مش معناه إنك تبقى مجرد شخص بيصرف عليهم وخلاص».

وبعدين فتحت له جزء تاني من التسجيل، ووريته اللحظة اللي بنتنا الكبيرة قامت فيها تساعد أخوها الصغير.

قلت له:

«عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ إن بنتنا عندها أربع سنين بدأت تحس إنها مسؤولة عن تهدئة أخوها، لأن الشخص الكبير اللي المفروض يهتم بيه كان مشغول بموبايله».

المرة دي ملامح وشه اتغيرت فعلًا.

فضل يتفرج على الشاشة، وبعدها نزل عينه وقال بصوت منخفض:

«أنا مكنتش واخد بالي إنهم محتاجيني».

قلت له:

«وده بالضبط اللي أنا خايفة منه. أنا مش عايزة أولادنا يكبروا وهما حاسين إن أبوهم موجود في البيت، لكنه مش موجود معاهم».

مر وقت طويل من غير كلام.

وبعدها قام من مكانه، وراح ناحية أوضة الأطفال، ووقف يبص عليهم وهما بيلعبوا.

رجع بعد شوية وقال لي:

«أنا آسف. يمكن أنا كنت فاكر إن شغلي بره البيت أصعب من اللي إنتِ بتعمليه هنا، ومكنتش مقدر حجم المسؤولية اللي فوق كتافك».

مكنتش مستنية منه اعتذار وخلاص، وقلت له إن الكلام لوحده مش كفاية.

اتفقنا إننا نغير نظام حياتنا.

بقى مسؤول عن الأطفال فترة كل يوم بعد ما يرجع من الشغل، وبقينا نقسم بعض المهام، زي تجهيز العشا وترتيب الألعاب وتحضير حاجات الأطفال قبل النوم.

واتفقنا كمان إن كل واحد فينا يكون له وقت خاص يرتاح فيه من غير إحساس بالذنب.

في البداية، الموضوع مكانش سهل عليه.

كان بيتوتر لما الأطفال يطلبوا منه حاجات كتير في نفس الوقت، وأحيانًا كان بيطلب مني أتدخل.

لكن المرة دي كنت بقوله:

«حاول تتعامل معاهم، دول أولادك، ومع الوقت هتتعلم تفهم احتياجاتهم زي ما أنا اتعلمت».

وبالفعل، بدأ يتغير تدريجيًا.

بقى يعرف مين فيهم جعان، ومين عايز ينام، ومين بيعيط علشان لعبة ضاعت منه.

وبدأ يقضي معاهم وقت حقيقي، مش مجرد وجوده في نفس الغرفة.

أما أنا، فأول حاجة عملتها بعد الاتفاق كانت إني أخدت دش طويل وهادي، من غير استعجال، ومن غير ما أحس إني بعمل حاجة غلط.

لكن أكتر حاجة فضلت أفكر فيها بعد الموقف ده، مش كانت غضب جوزي ولا حتى التسجيل نفسه.

كانت بنتي الصغيرة وهي بتحاول تساعد أخوها.

المشهد ده خلاني أدرك إن الأطفال بيتعلموا من تصرفاتنا أكتر بكتير من كلامنا.

وإننا لو عايزين أولادنا يكبروا فاهمين معنى المشاركة والرحمة وتحمل المسؤولية، لازم يشوفوا المعاني دي في بيتهم الأول.

ومن يومها فهمت إن الأمومة مش معناها إن الأم تشيل كل حاجة لوحدها، وإن الأبوة مش مجرد مصاريف بتتدفع آخر الشهر.

الأطفال محتاجين أب وأم يشاركوا في تربيتهم، مش شخص واحد يضحي بعمره وراحته، وشخص تاني يعتبر إن دوره انتهى بمجرد ما رجع من الشغل.

والأهم من كل ده، إن طلب الأم لعشرين دقيقة من الراحة مش أنانية، ومش رفاهية، ومش تقصير في حق أولادها.

دي أبسط حقوقها.
تمت

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى