
الجزء الثاني
فضلت باصص للرسالة على شاشة موبايلي.
“لازم نتكلم قبل ما تبدأ تسأل أي أسئلة…”
الجملة كانت قصيرة، لكن معناها كان واضح.
ياسر كان عارف.
مش بس عارف إني اكتشفت حاجة…
كان عارف إني هكتشفها.
رفعت عيني لسلمى.
كانت لسه قاعدة مكانها، ومش فاهمة ليه ملامحي اتغيرت فجأة.
قلت لها بهدوء:
— سلمى، من فضلك متقوليش لحد إننا اتكلمنا الليلة دي.
اتوترت وقالت:
— هو أنا عملت حاجة غلط يا فندم؟
— لأ.
هزيت راسي.
— إنتِ معملتيش أي حاجة غلط.
سكت لحظة وبعدين قلت:
— بالعكس… أنا اللي كان لازم أسأل من زمان.
وقفت سلمى وهي ماسكة الطبق.
وقبل ما تمشي، سألتها:
— المرتب اللي كنتِ بتاخديه… كان بينقص بنفس الرقم كل شهر؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— تقريبًا.
— تقريبًا إزاي؟
بصت حوالينها كأنها خايفة حد يسمعها.
— في الأول كنت بفتكر إن ده طبيعي. قالولي إن فيه خصومات وتأمينات ومصاريف تحويل… وبعد كده كل ما أسأل يقولولي إن دي تعليمات الإدارة.
حسيت بغضب، لكني تماسكت.
— مين قالك الكلام ده؟
قالت:
— الأستاذ ياسر.
سكت.
فكرت في كل السنين اللي فاتت.
ياسر كان الشخص اللي بشوفه كل يوم تقريبًا.
كان يدخل مكتبي من غير استئذان.
يعرف تفاصيل حساباتي.
يعرف كل موظف في شركاتي.
وأنا كنت بثق فيه ثقة عمياء.
لكن دلوقتي…
كل حاجة بدأت تاخد معنى مختلف.
رجعت لمكتبي، وقفلت الباب.
ما نمتش.
فضلت طول الليل قدام الكمبيوتر.
فتحت ملفات المرتبات.
موظف وراء موظف.
قسم وراء قسم.
وبدأت أعمل مقارنة بين المرتب الرسمي والمرتب اللي الموظفين بيستلموه فعلًا.
في البداية ظهر اسمين.
بعدهم سبعة.
وبعدين خمسة وعشرين.
وبعد ساعة…
كنت قدامي قائمة فيها أكتر من مئة موظف.
كلهم تقريبًا نفس الحكاية.
المرتب الرسمي أكبر.
والمبلغ اللي بيوصلهم أقل.
وفي خانة الاعتماد…
كان نفس التوقيع.
ياسر المنشاوي.
لكن الحاجة اللي خوفتني أكتر ما كانتش قيمة الفلوس.
كانت طريقة السرقة.
المبالغ الصغيرة اللي كانت بتتخصم من كل موظف كانت متسجلة تحت بنود مختلفة.
مصاريف إدارية.
تأمين.
جزاءات.
تأخير.
خدمات.
كلها أرقام صغيرة…
لكن لما تجمعها من مئات الموظفين لسنين…
بتتحول لثروة.
فتحت ملف السنة اللي فاتت.
وبعدين السنة اللي قبلها.
وبعدين قبلها.
كنت كل ما أرجع سنة للوراء، ألاقي مبلغ أكبر.
لحد ما وصلت لسنة كانت فيها زوجتي لسه عايشة.
تجمدت مكاني.
لأن أول خصومات مشبوهة…
كانت بدأت قبل وفاة مراتي بوقت طويل.
يعني ياسر ما استغلش موتها.
ولا استغل حزني.
هو كان بيعمل كده وأنا لسه واقف جنبه.
وفجأة سمعت خبطتين على باب المكتب.
قفلت الشاشة بسرعة.
— مين؟
جاء صوت سلمى:
— أنا يا فندم.
فتحت الباب.
كانت واقفة وهي ماسكة ظرف بني صغير.
قالت:
— لقيت ده في درج المطبخ.
أخذت الظرف.
— إيه ده؟
قالت:
— معرفش.
فتحت الظرف.
جواه ورقة مطوية.
أول ما فردتها، قلبي اتقبض.
كانت صورة قديمة لزوجتي.
لكنها لم تكن صورة عادية.
كانت زوجتي واقفة في مكتب الشركة…
وبجانبها ياسر.
وفي الخلفية خزنة مفتوحة.
وتحت الصورة كان مكتوب بخط اليد:
“هي كانت هتكتشف كل حاجة.”
بصيت لسلمى.
— الورقة دي كانت فين بالضبط؟
قالت:
— في درج قديم محدش بيفتحه.
— ومين بيستخدم المطبخ؟
فكرت لحظة.
ثم قالت:
— أنا… والست اللي كانت بتساعدني زمان.
— مين؟
قالت اسمًا جعلني أتوقف.
نادية.
نادية كانت تعمل في البيت قبل سنوات.
ثم اختفت فجأة بعد وفاة زوجتي بشهور.
وقتها ياسر قال لي إنها سافرت لبلدها.
لم أسأل.
لم أهتم.
كنت غارقًا في حزني.
لكن الآن…
بدأت الأسئلة تتجمع.
لماذا اختفت نادية؟
ولماذا كانت صورة زوجتي مخبأة في درج المطبخ؟
ولماذا كانت تحمل جملة تقول إنها كانت ستكتشف “كل حاجة”؟
فتحت هاتفي واتصلت بأحد المحامين اللي أثق فيهم.
قلت له:
— عايزك تيجي الشركة قبل الساعة سبعة الصبح.
سألني:
— في مشكلة؟
قلت:
— أيوه.
— كبيرة؟
نظرت للصورة مرة ثانية.
— أعتقد إنها أكبر مما تخيلنا.
وقبل ما أقفل المكالمة…
وصلتني رسالة جديدة.
من ياسر.
لكن المرة دي لم تكن رسالة قصيرة.
كان فيها عنوان مكان.
وتحته جملة واحدة:
“لو عايز تعرف الحقيقة عن مراتك… تعالى لوحدك.”
فضلت واقف قدام الشاشة.
ولأول مرة منذ سنتين…
شعرت إن وفاة زوجتي يمكن ما تكونش القصة اللي اتقالت لي.
رفعت عيني لسلمى.
وقلت:
— اقفلي باب البيت كويس الليلة دي.
سألتني بخوف:
— حضرتك رايح فين؟
لبست جاكتي وأخذت الصورة.
وقلت:
— رايح أقابل الراجل اللي كنت فاكره صاحبي.
لكن وأنا خارج من المكتب…
لم أكن أعرف أن ياسر لم يكن ينتظرني وحدي.
كان مجهز لي مفاجأة… واللي كان مستنيني في المكان أخطر من ياسر نفسه.
وصلت للعنوان اللي ياسر بعتهولي قبل الفجر بدقائق.
كان المكان عبارة عن مخزن قديم في منطقة صناعية على أطراف مدينة العاشر من رمضان.
المكان كان مهجور تقريبًا، والشارع حوالينه فاضي.
وقفت بالعربية بعيد شوية، ونزلت لوحدي.
لكن قبل ما أقرب من باب المخزن، لاحظت حاجة خلتني أتوقف.
عربية ياسر كانت موجودة.
يعني هو وصل قبلي.
دخلت.
الظلام كان مسيطر على المكان، باستثناء لمبة واحدة معلقة في السقف.
وفجأة سمعت صوتًا من آخر المخزن:
— كنت عارف إنك هتيجي.
ظهر ياسر من وسط الظلام.
كان هادي بشكل غريب.
ولا كأنه شخص اتكشف إنه بيسرق موظفين شركته لسنين.
قلت له:
— إنت كنت بتسرقهم؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— كلمة “سرقة” كبيرة شوية.
قربت منه.
— سلمى كان بيتخصم منها أكتر من نص مرتبها.
— وهي كانت بتقبض اللي متفقين عليه.
— إنت عارف كويس إن ده مش حقيقي.
سكت.
ثم قال:
— عايز تعرف الفلوس راحت فين؟
قلت:
— مش أهم سؤال عندي.
رفع حاجبه.
— أمال إيه؟
طلعت صورة مراتي من جيبي وحطيتها قدامه.
— مراتي كانت هتكتشف إيه؟
لأول مرة، اختفت الابتسامة من على وشه.
فضل باصص للصورة ثواني طويلة.
وبعدين قال:
— كنت أتمنى ما توصلش للنقطة دي.
— وأنا كنت أتمنى إنك تكون صادق معايا.
ضحك ضحكة قصيرة.
— الصدق؟
وبص لي مباشرة.




