
— إنت متأكد إنك عايز تعرف الحقيقة؟
قلت:
— عايز أعرف كل حاجة.
سكت لحظة.
ثم قال:
— مراتك ما ماتتش وهي مش عارفة حاجة.
تجمدت.
— يعني إيه؟
قرب خطوة.
— كانت عارفة.
حسيت إن الأرض اتحركت تحت رجلي.
— عارفة إيه؟
قال:
— كانت عارفة إن في فلوس بتختفي من الشركة.
— وإنت؟
— كنت بحاول أقنعها تسكت.
— ليه؟
لم يجب.
صوت خطوات جاء من خلفي.
التفت بسرعة.
كان هناك رجل واقف عند باب المخزن.
لم أره من قبل.
قلت:
— مين ده؟
ياسر لم يرد.
الرجل تقدم خطوة وقال:
— أنا الشخص اللي مراتك اتصلت بيه قبل وفاتها بأسبوع.
قلبي دق بعنف.
— إنت مين؟
قال:
— اسمي حسام فوزي.
ثم أخرج من جيبه هاتفًا قديمًا.
— مراتك سجلت رسالة قبل ما تموت.
نظرت إليه.
— رسالة؟
هز رأسه.
— وقالت لي لو حصل لها أي حاجة، أوصلها لك في الوقت المناسب.
قلت بسرعة:
— شغلها.
نظر إلى ياسر.
ياسر لم يتحرك.
ثم ضغط حسام على زر التشغيل.
خرج صوت زوجتي من السماعة.
صوتها الذي لم أسمعه منذ سنتين.
تجمدت في مكاني.
قالت:
— “لو إنت بتسمع الرسالة دي، يبقى غالبًا حصل اللي كنت خايفة منه.”
أغمضت عيني للحظة.
صوتها أكمل:
— “أنا اكتشفت إن في مبالغ بتختفي من الشركة، وإن الموضوع أكبر من مجرد موظف بيسرق.”
نظرت لياسر.
لكنه ظل ساكتًا.
قالت زوجتي:
— “في حد من جوه الشركة بيستخدم أسماء موظفين حقيقيين عشان يحول فلوس لحسابات تانية.”
ثم توقفت لحظة.
— “والأسوأ إني اكتشفت إن اسمك موجود ضمن المستندات.”
اتسعت عيني.
اسمي أنا؟
لكن التسجيل لم يتوقف.
— “مش معنى كده إنك متورط. بالعكس… أنا بدأت أشك إن حد بيستخدم توقيعك من غير علمك.”
شعرت براحة لحظية.
لكنها اختفت بسرعة.
لأن صوتها صار أكثر خوفًا.
— “أنا واجهت ياسر.”
هنا نظر ياسر إلى الأرض.
— “قال لي إن الموضوع مجرد أخطاء محاسبية، لكني ما صدقتوش.”
ثم جاء الجزء الذي لم أكن مستعدًا لسماعه.
— “لو حصل لي أي حاجة، متصدقش إن موتي كان مجرد حادث.”
فتحت عيني.
بصيت لياسر.
قلت بصوت منخفض:
— إنت كنت تعرف؟
لم يرد.
صوت زوجتي استمر:
— “في شخص تاني معاه مفاتيح كل حاجة.”
ثم انقطع التسجيل.
ساد الصمت.
قلت:
— مين الشخص التاني؟
حسام نظر إلى ياسر.
ثم قال:
— الشخص اللي كانت مراتك بتخاف منه أكتر من ياسر.
صرخت:
— مين؟!
لكن قبل ما يجاوب…
رن هاتفي.
نظرت للشاشة.
كان الاتصال من سلمى.
رديت فورًا.
جاء صوتها مرتجفًا:
— يا فندم… أنا لقيت حاجة تانية.
— إيه؟
— في واحدة واقفة قدام البيت وبتسأل عليك.
— مين؟
سكتت ثواني.
ثم قالت:
— بتقول اسمها نادية.
تجمدت.
نادية…
العاملة التي قيل لي إنها سافرت منذ سنوات.
قلت:
— خليها تستناني.
لكن سلمى قالت:
— هي مش لوحدها.
— معاها مين؟
جاء صمت طويل.
ثم سمعت سلمى تقول بصوت منخفض:
— معاها طفلين.
اتسعت عيناي.
— طفلين؟
قالت:
— أيوه.
ثم أضافت:
— وقالت إنهم ولادها.
أغلقت المكالمة ببطء.
نظرت إلى ياسر.
لأول مرة ظهر الخوف الحقيقي على وجهه.
قلت:
— إنت تعرف نادية؟
لم يجب.
اقتربت منه.
— وليه شكلها إنها رجعت بعد السنين دي ومعاها طفلين؟
ظل ساكتًا.
لكن حسام هو الذي تكلم.
قال جملة واحدة جعلت كل شيء يتغير:
— لأن واحد من الطفلين… مش ابن نادية.
سكت لحظة.
ثم قال:
— ده ابن مراتك.
فضلت واقف مكاني كأني فقدت القدرة على الكلام.
بصيت لحسام، وبعدين لياسر.
— ابن مراتي؟
حسام هز راسه.
— أيوه.
ضحكت من الصدمة، لكن الضحكة طلعت مكسورة.
— إنتوا بتقولوا إيه؟ مراتي ماتت من سنتين… وكانت عايشة معايا طول الوقت!
حسام قال بهدوء:
— أنا عارف.
— يبقى إزاي عندها ابن؟
ياسر أخيرًا اتكلم:
— لأنك ما كنتش تعرف كل حاجة عن حياتها.
بصيت له بغضب.
— إنت كنت تعرف؟
سكت.
صرخت:
— إنت كنت تعرف؟!
قال:
— كنت أعرف جزء.
قربت منه ومسكته من هدومه.
— أنا ائتمنتك على كل حاجة! على شركتي وفلوسي وبيتي… وإنت كنت مخبي عني إن مراتي عندها ابن؟!
حسام تدخل بسرعة.
— سيبه.
سيبته، لكن عيني فضلت عليه.
قلت:
— الطفل ده فين؟
حسام قال:
— في بيتك.
اتجمدت.
— إيه؟
— نادية وصلت من شوية، ومعاها الطفلين. واحد منهم ابنها، والتاني…
سكت.
قلت:
— والتاني ابن مراتي.
هز رأسه.
— أيوه.
ركبت عربيتي وأنا مش حاسس بالطريق.
كل دقيقة من حياتي مع مراتي كانت بتعدي قدامي.
السفر.
المواعيد اللي كانت بتتأخر فيها.
المكالمات اللي كانت بتقفلها لما أدخل.
وكل مرة كنت أقول لنفسي إنها مجرد تفاصيل عادية.
لما وصلت البيت، لقيت سلمى واقفة عند الباب.
وشها كان متوتر.
— فين نادية؟
أشارت للصالون.
دخلت.
ولأول مرة منذ سنتين…
شفت نادية.
كانت أكبر شوية مما أتذكر.
وفي إيدها بنت صغيرة.
أما الطفل الآخر فكان واقف جنبها، ماسك في هدومها.
أول ما شافني، رفع عينيه ناحيتي.
كان عمره تقريبًا خمس سنين.
ولثانية واحدة…
حسيت إن الزمن وقف.
لأن ملامحه كانت مألوفة بشكل مؤلم.
نفس العينين.
نفس طريقة رفع الحاجب.
حتى الشامة الصغيرة فوق خده…
كانت موجودة في صورة قديمة لمراتي وأنا طفلًا لم أكن أعرف عنه شيئًا.
قلت بصوت متقطع:
— اسمه إيه؟
نادية ردت:
— آدم.
الولد بص لي.
قلت:
— آدم ابن مين؟
نادية دمعت عينيها.
— ابن الست اللي كنت شغالة عندها.
قربت منها.
— مراتي؟
هزت رأسها.
— أيوه.
جلست على أقرب كرسي.
حسيت إن رجلي مش قادرة تشيلني.
— ليه؟ ليه محدش قالي؟
نادية قالت:
— لأنها كانت خايفة.
— خايفة من مين؟
بصت ناحية الباب.
ثم قالت:
— من ياسر.
استدرت.
كان ياسر واقفًا عند المدخل.
نظرت له.
— اتكلم.
قال:
— الموضوع مش زي ما إنت فاهم.
— يبقى فهمني!
سكت لحظات.
ثم قال:
— قبل وفاة مراتك بسنة، اكتشفت إنها كانت بتساعد موظفين الشركة سرًا.
— تساعدهم إزاي؟
— كانت بتدفع لهم من فلوسها الشخصية.
نادية قاطعته:
— مش بس كده.
بصينا لها.
قالت:
— مراتك اكتشفت إن في موظفين مرتباتهم بتتسرق.
— وعرفت إن ياسر هو اللي بيعمل كده؟
— عرفت إن ياسر متورط… لكن كانت لسه بتحاول تعرف مين اللي فوقه.
سألت:
— مين فوقه؟
نادية سكتت.
ثم أخرجت ظرفًا قديمًا من حقيبتها.
— مراتك ادتهولي قبل وفاتها بثلاثة أيام.
أخذته.
كان مكتوبًا عليه بخط زوجتي:
“إلى زوجي… لو اضطريت أخفي الحقيقة عنه.”
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
في داخله ورقة واحدة.
قرأت أول سطر…
ثم توقفت.
لأنها كانت تقول:
“أنا لم أخنك.”
رفعت عيني لنادية.
ثم كملت القراءة.
“آدم ليس نتيجة خيانة.
آدم ابنك أنت.”
اتسعت عيناي.
— ابني أنا؟
نادية هزت رأسها.
— أيوه.
قالت إن زوجتي كانت حاملًا في بداية زواجنا، لكنها فقدت الطفل بعد حادث.
وبعد سنوات، حصلت معجزة لم يعرف عنها أحد.
ولدت آدم…
لكن بسبب مشاكل طبية خطيرة، خافت زوجتي أن يعرف الناس بأمره، خصوصًا بعدما بدأت تكتشف عمليات التلاعب في الشركة.
كانت تخطط لإخبارى بكل شيء.
لكنها لم تلحق.
سألت نادية:
— ليه قالت لك تخبيه؟
قالت:
— لأنها كانت خايفة إن ياسر يستخدم الطفل ضدك.
بصيت إلى آدم.
كان واقفًا في صمت.
فجأة قرب مني.
وقال بصوت طفل بريء:
— هو حضرتك بابا؟
لم أعرف ماذا أقول.
انحنيت أمامه.
لمست كتفه.
وقلت:
— أيوه يا آدم.
ثم ضممته إلى صدري.
ولأول مرة منذ وفاة زوجتي…
بكيت.
لكن قبل ما أقدر أستوعب إن عندي ابنًا لم أعرف بوجوده، سمعنا صوت ارتطام قوي خارج البيت.
سلمى جريت ناحية الشباك.
ثم رجعت وهي مرعوبة.
— العربية اللي كانت واقفة تحت البيت اختفت.
سألتها:
— عربية مين؟
قالت:
— عربية ياسر.
استدرت بسرعة.
لكن ياسر لم يكن موجودًا.
هرب.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتفي.
رقم مجهول.
رديت.
جاءني صوت رجل لم أعرفه:
— لو عايز ابنك يفضل عايش، متفتحش أي ملف تاني.
سكت.
ثم قال:
— واللي حصل لمراتك… كان مجرد بداية.
وأغلق الخط.
نظرت إلى آدم.
ثم إلى الظرف في يدي.
وفي أسفل الورقة، لاحظت شيئًا لم أنتبه له من قبل.
كان هناك رقم حساب بنكي مكتوب بخط صغير.
وبجانبه كلمة واحدة:
“الحساب الرئيسي.”
فهمت وقتها أن سرقة مرتبات الموظفين لم تكن الهدف الحقيقي.
كانت مجرد طريقة لإخفاء حركة أموال أكبر بكثير.
والسؤال الحقيقي لم يعد:
مين كان بيسرق موظفيني؟
بل:
مين كان بيموّل كل ده… وليه كان عايز مراتي تسكت؟
ما نمتش الليلة دي.
قعدت في مكتبي، والورقة قدامي، والرقم البنكي اللي كتبته مراتي قبل وفاتها مش راضي يخرج من دماغي.
كل ما أبص لآدم، أحس بالذنب.
طفل عاش خمس سنين من غير أب، وأنا كنت موجود في نفس المدينة ومش عارف حتى إنه موجود.
لكن كان عندي سؤال أهم:
مين كان ورا كل ده؟
اتصلت بالمحامي اللي طلبت منه ييجي الشركة، وحكيت له كل اللي حصل.
لما شاف رقم الحساب، سكت ثواني.
قلت:
— تعرف الحساب ده؟
قال:
— لأ… لكن نقدر نعرف صاحبه رسميًا.
قلت:
— عايز كل حاجة تتم بالقانون، ومن غير ما حد يعرف.
في نفس الصبح، بدأنا نراجع التحويلات.
المفاجأة إن الحساب ماكانش باسم ياسر.
ولا باسم أي موظف.
كان باسم شركة استثمار صغيرة اسمها النور للاستشارات المالية.
شركة ماكانش لها تقريبًا أي نشاط واضح.
لكن لما المحامي بحث وراءها، اكتشف إن المالك المسجل كان شخصًا اسمه:
فريد المنشاوي.
تجمدت.
الاسم ده أعرفه.
كان شقيق ياسر.
يعني الفلوس كانت بتخرج من شركتي، تتوزع على حسابات الموظفين، وبعدها جزء منها كان بيتجمع في شركة باسم أخو ياسر.
لكن لسه كان فيه شيء ناقص.
سألت المحامي:
— الفلوس راحت فين بعد كده؟
رد:
— هنا الموضوع أغرب.
فتح لي كشف الحساب.
معظم الأموال كانت بتتحول إلى حسابات خارجية.
لكن واحدة من التحويلات كانت مختلفة.
كانت باسم مؤسسة خيرية.
مؤسسة بسمة أمل.
قلت:
— مؤسسة خيرية؟
— أيوه.
— وإيه علاقتها بياسر؟
المحامي قلب في الأوراق.
ثم رفع عينيه وقال:
— هنا المفاجأة.
— إيه؟
— المؤسسة دي تأسست باسم زوجتك.
حسيت إن نفسي اتقطع.
— مستحيل.
— المستندات موجودة.
فتح الملف.
كانت زوجتي قد أسست المؤسسة قبل وفاتها بأشهر.
لكن الغريب إن المؤسسة كانت تستقبل مبالغ كبيرة جدًا.
ومعظمها كان يخرج بعد أيام قليلة على شكل مساعدات.
قلت:
— يعني مراتى كانت بتحول الفلوس للناس؟
المحامي قال:
— الظاهر كده.
لكنني لم أقتنع.
قلت:
— لأ.
وبصيت له.
— مراتي ما كانتش بتعمل حاجة بالسرعة دي من غير سبب.
بدأنا ندقق في أسماء المستفيدين.
وفجأة ظهر اسم جعلني أرفع رأسي.
نادية.
كان فيه تحويلات شهرية باسمها.
من قبل وفاة زوجتي.
وبعد وفاتها.
قلت:
— نادية كانت بتاخد فلوس من المؤسسة؟
المحامي هز رأسه.
— أيوه.
رجعت البيت فورًا.




