
أختا طليقي كسرا 11 عظمة في جسم بنتي سلمى، اللي عندها 8 سنين، باستخدام عصا معدنية… لمجرد إنها رفضت تسجل فيديو فيه كذبة عني.
وهي على سرير المستشفى، همستلي بصوت ضعيف:
«ماما… هما كانوا بيتناوبوا عليّا… وقالوا لما ترجعي البيت، هيعملوا فيكي زي ما عملوا فيا.»
كانوا فاكرين إني مجرد موظفة مكتبية في الجيش الأمريكي، بعيدة عنهم بآلاف الكيلومترات.
لكن لما قائدي سمع التسجيل اللي بنتي سجلته في السر، بصلي للحظات وقال جملة واحدة:
«خدي الفريق كله وارجعي بلدك.»
—
كانت شاشة موبايلي وقتها مليانة مكالمات فائتة.
ست مكالمات.
كلهم من سلمى.
وبعدهم مباشرة، اتصل طليقي محمود.
رديت بسرعة.
قال بصوت عمري ما سمعته منه بالشكل ده:
«نورا… ردي عليّا.»
قلبي اتقبض.
قلت:
«في إيه؟»
سكت ثواني، وبعدها قال:
«سلمى في المستشفى.»
قمت من مكاني بسرعة لدرجة إن الكرسي خبط في الحيطة.
صرخت:
«بنتي مالها؟! حصلها إيه؟»
سكت.
وبعدين قال اسمين بصوت واطي:
«داليا… ومنى.»
أخواته.
نفس الستات اللي كانوا قدام الناس بيقولوا إنهم بيحبوا سلمى أكتر من أي حد، وإنها بالنسبة لهم زي بنتهم بالظبط.
قفلت معاه فورًا واتصلت بالمستشفى.
وبعد انتظار طويل، أخيرًا وصلني قسم إصابات الأطفال بغرفتها.
أول ما فتحوا الخط، سمعت صوت جهاز الأكسجين جنبها.
قلت:
«سلمى؟»
جالي صوتها ضعيف:
«ماما؟»
الصوت ده كان كفاية يهد كل حاجة جوايا.
قلت:
«أنا معاكي يا حبيبتي.»
قالت:
«إنتِ مردتيش عليّا.»
حاولت أتماسك.
«عارفة يا روحي… وأنا آسفة. بس أنا معاكي دلوقتي.»
كانت كل كلمة بتطلع منها بصعوبة.
وبعدين قالت:
«طنط داليا اتعصبت.»
قلبي بدأ يدق أسرع.
«ليه يا حبيبتي؟»
سكتت شوية، وبعدها قالت:
«هما كانوا عايزين مني أعمل فيديو.»
سألتها:
«فيديو إيه؟»
قالت:
«كانوا عايزيني أقول إنك بتسيبيني لوحدي… وإنك مش عايزة ترجعيلي.»
اتجمدت مكاني.
وكملت:
«طنط منى قالت إن بابا محتاجني أقول الكلام صح… عشان كل الناس تصدقه.»
سألتها وأنا بحاول أخفي رعشة صوتي:
«وإنتِ عملتي إيه؟»
سكتت.
سكون طويل جدًا.
وبعدين همست:
«رفضت يا ماما.»
قفلت عيني.
«وبعدين؟»
جاء صوتها أضعف من الأول:
«هما أذوني.»
اتنفسي انقطع.
لكن اللي قالته بعدها كان أسوأ.
«كانوا بيتناوبوا عليّا.»
فضلت ساكتة وأنا بحاول أستوعب الكلام.
وبعدين قالت:
«قالولي إنك بعيدة ومش هتعرفي تعملي حاجة.»
وسكتت لحظة.
«وقالوا… لما ترجعي… هيعملوا فيكي نفس اللي عملوه فيا.»
في اللحظة دي، الخوف اختفى من جوايا.
مكانه حل غضب هادي… بارد… ومخيف.
قلت لها:
«إنتِ تفضلي جنب الممرضة، وماتتحركيش من مكانك.»
وبعدين قلت:
«أنا راجعة يا سلمى.»
قالت:
«ماما؟»
«أيوه يا حبيبتي؟»
همست:
«أنا سجلت حاجة.»
اتجمدت.
«سجلتي إيه؟»
لكن قبل ما ترد…
الخط اتقطع.
فضلت أبص للموبايل وأنا مش مستوعبة.
بنتي اللي عندها 8 سنين، وهي في وسط خوفها وألمها، كانت فاهمة إن لازم تحتفظ بدليل قبل ما حد يقدر يخليها تسكت.
وبعد دقائق، كنت واقفة قدام قائدي.
شغلّت له التسجيلات.
وخليته يسمع كل اللي سلمى سجلته.
ما قاطعنيش.
ما سألنيش أي سؤال.
فضل يسمع لحد النهاية.
وبعدين رفع عينيه وبصلي مباشرة.
قال بهدوء:
«خدي الفريق كله وارجعي.»
بصيت له وأنا عارفة إن الكلام ده مش مجرد أمر بالعودة.
كان معناه إن الموضوع خرج تمامًا من نطاق المشاكل العائلية.
داليا ومنى كانوا لسه فاكرين إن نورا مجرد موظفة مكتبية بسيطة في الجيش، قاعدة بعيد عنهم ومش هتقدر تعمل حاجة.
لكنهم كانوا غلطانين.
غلطانين جدًا.
لأنهم ماكانوش يعرفوا طبيعة شغلي الحقيقية.
وماكانوش يعرفوا إنني بالفعل كنت في طريقي لبنتي.
واللي هيحصل بعد رجوعي… هيكشف سرًا خبّته عائلة طليقي لسنين.
ما إن نزلت من الطائرة، حتى كان في استقبالنا عدد قليل من الرجال اللي أثق فيهم أكتر من أي حد.
ماكانش في وقت للأسئلة.
ولا حتى وقت للراحة.
ركبت العربية، وأول حاجة عملتها إني اتصلت بالمستشفى.
«سلمى عاملة إيه؟»
الممرضة ردت:
«حالياً مستقرة، لكن محتاجة مراقبة مستمرة.»
سألتها:
«هي سألت عني؟»
«أيوه… كل شوية بتسأل إمتى مامتها هتوصل.»
غمضت عيني.
وقلت:
«قوليلها إني جاية.»
بعد أقل من ساعة، كنت واقفة قدام باب غرفتها.
فتحت الباب بهدوء.
سلمى كانت نايمة، جسمها مليان آثار إصابات، وذراعها مثبتة، ووشها شاحب.
أول ما فتحت عينيها وشافتني…
دموعها نزلت.
«ماما…»
قربت منها، ومسكت إيدها بحذر.
«أنا هنا يا حبيبتي.»
قالت:
«كنت عارفة إنك هترجعي.»
حاولت أبتسم رغم إن قلبي كان بيتقطع.
«وأنا عمري ما هسيبك.»
سكتت لحظة.
وبعدين بصت ناحية الباب.
«ماما… هما كانوا فاكرين إني مش فاهمة.»
«فاكرين إيه؟»
قالت بصوت ضعيف:
«كانوا بيتكلموا عنك.»
«عنّي أنا؟»
هزت رأسها.
«كانوا بيقولوا إن بابا هيخلّي الناس كلها تكرهك.»
سألتها:
«ليه؟»
قالت:
«عشان ياخدني منك.»
الكلمة دي نزلت عليّ زي الصدمة.
أنا كنت عارفة إن محمود عايز يبعدني عن سلمى.
لكن ماكنتش أعرف إن الموضوع وصل للدرجة دي.
سألتها:
«قالوا حاجة تانية؟»
سلمى بدأت تفكر.
وفجأة قالت:
«آه… طنط منى قالت إن بابا دفع فلوس كتير عشان كل حاجة تخلص قبل ما ترجعي.»
اتسعت عيني.
«فلوس لمين؟»
هزت رأسها.
«مش عارفة.»
ثم سكتت فجأة.
وبصتلي بخوف.
«بس أنا سمعت اسم مكان.»
«مكان إيه؟»
همست:
«المخزن القديم.»
أنا تجمدت.
المخزن القديم.
كنت عارفة المكان ده.
كان تابع لعائلة محمود، ومقفول من سنين.
لكن السؤال كان:
ليه أختاه كانوا بيتكلموا عنه قدام سلمى؟
—
خرجت من الغرفة وقابلت الطبيب.
قال لي:
«بنتك محظوظة إنها نجت من الإصابات اللي حصلت لها، لكن هتحتاج فترة علاج ومتابعة.»
هزيت رأسي.
«أنا هعمل كل اللي يلزم.»
وبعدها طلبت منه حاجة واحدة:
«من فضلك، أي شخص يحاول يدخل لها أو يسأل عنها، ماتسمحلوش غير بالأسماء اللي هديها لك.»
وافق فورًا.
لأنني كنت متأكدة إن الموضوع لسه ماخلصش.
—
في نفس الوقت، كان محمود واقف في ممر المستشفى.
أول ما شافني، وقف مكانه.
بصلي للحظات، وكأنه مش مصدق إني وصلت بهذه السرعة.
قال:
«نورا…»
رديت بهدوء:
«فين أخواتك؟»
سكت.
«أنا سألتك سؤال.»
قال:
«هما… مش هنا.»
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
«طبعًا.»
حاول يقرب.
«أنا آسف.»
بصيت له.
«آسف على إيه؟»
ماعرفش يرد.
قلت:
«على بنتك؟ ولا على اللي أخواتك عملوه؟»
قال بسرعة:
«أنا ماكنتش أعرف.»
قربت منه خطوة.
«لو فعلًا ماكنتش تعرف… يبقى عندك مشكلة أكبر.»
سألني:
«يعني إيه؟»
قلت:
«يعني إنك مش عارف مين الناس اللي حواليك.»
وبعدين تركته ومشيت.
لكن قبل ما أدخل غرفة سلمى، وصلني إشعار على هاتفي.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت جملة واحدة:
«لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، ماتدوريش في بيت محمود… دوري في المخزن القديم.»
فضلت أبص للرسالة.
وبعدين رفعت عيني ناحية نهاية الممر.
كان فيه رجل واقف بعيد.
أول ما عيني جت عليه…
اختفى.
—
في نفس الليلة، رجعت لشقتي القديمة.
فتحت جهاز الكمبيوتر.
بدأت أراجع التسجيل اللي سلمى عملته.
في البداية كان الصوت واضح.
صوت داليا.
ثم صوت منى.
ثم صوت محمود.
لكن بعد دقائق، ظهر صوت رابع.
رجل.
صوت غريب.
قال:
«لازم تخلصوا الموضوع قبل ما ترجع.»
ثم صوت داليا:
«وإنت متأكد إنها مش هتعرف؟»
الرجل رد:
«هي عمرها ما كانت تعرف شغله الحقيقي.»
وقفت التسجيل.
شغلي الحقيقي؟
يعني الشخص ده كان يعرف.
عرف إني مش مجرد موظفة مكتبية.
بل والأخطر…
إنه كان بيتابعني من فترة.
رجعت شغلت التسجيل.
وفي آخر ثواني، سمعت جملة جعلتني أقوم من مكاني فورًا.
الرجل قال:
«ولو رجعت… المفتاح موجود في المخزن.»
فتحت عيني على آخرها.
مفتاح؟
أي مفتاح؟
وليه وجودي في مصر مرتبط بمفتاح موجود في مخزن عائلة محمود؟
في اللحظة دي، رن هاتفي.
كان قائدي.
رديت فورًا.
قال:
«نورا، وصلنا لمعلومة مهمة.»
«إيه هي؟»
سكت لحظة.
ثم قال:
«الشخص اللي في التسجيل… مش واحد من عائلة محمود.»
قلبي بدأ يدق بسرعة.
«أمال مين؟»
جاء صوته هادئًا:
«وده بالضبط اللي لازم نعرفه قبل ما نتحرك.»
ثم أضاف:
«لأن اسمه ظهر في ملف قديم عندنا.»
سكت.
«أي ملف؟»
قال:
«ملف العملية اللي اختفت منها بياناتك من سبع سنين.»
وقتها فهمت إن إصابة سلمى ماكانتش مجرد مشكلة عائلية.
كان فيه حد بيحاول يوصل لي من خلال بنتي.
والسؤال الحقيقي ماكانش:
مين أذى سلمى؟
السؤال كان:
ليه كانوا محتاجين يرجعوني لمصر في الوقت ده بالذات؟
ما نمتش الليلة دي.
فضلت قعدة قدام التسجيل، أسمعه مرة ورا مرة، وأحاول أربط كل كلمة باللي حصل.
ملف قديم من سبع سنين.
مخزن عائلة محمود.
رجل مجهول يعرف شغلي الحقيقي.




