
الجزء الثاني
خرجت من الشقة وأنا شايلة شنطتي وصندوق قطتي «ليل»، وكنت حاسة إني أخيرًا خرجت من سجن فضلت فيه سنتين وأنا فاكرة إنه بيت الزوجية.
ركبت تاكسي، وطلبت من السواق يوديني لشقة أختي في الجيزة.
طول الطريق، موبايلي ما بطلش رن.
شريف اتصل بيا 11 مرة، وبعده حماتي سعاد بعتتلي رسائل كلها تهديد وإهانة.
لكن أنا ما رديتش.
كنت عارفة إن أي كلمة هقولها دلوقتي هتتحول لخناقة، وأنا مش عايزة أضيّع وقتي في الكلام.
أول ما وصلت عند أختي، دخلت أوضتي وقفلت الباب، وفتحت اللابتوب.
كان عندي ملف كامل اسمه «مصاريف الشقة».
الملف ده كنت بحدّثه كل شهر من أول يوم دفعت فيه أول قسط.
جواه كشوف تحويلات بنكية، وإيصالات سداد، وفواتير أجهزة كهربائية وأثاث، وحتى رسائل شريف اللي كان بيطلب مني أحول له فلوس علشان يسدد أقساط البنك.
فتحت الملف وبدأت أراجع كل حاجة.
خلال السنتين، كنت حولت مبالغ كبيرة من حسابي لحسابه، بالإضافة لمبالغ كنت بسددها مباشرة للبنك.
والأغرب إني لقيت رسالة قديمة من شريف بيقول فيها:
«اعتبري الشقة دي بتاعتنا إحنا الاتنين، وكل جنيه بتدفعيه أنا عمري ما هنساه».
ابتسمت بسخرية.
يا ترى كان فاكر إني فعلًا مش هفتكر؟
في صباح اليوم التالي، رحت لمكتب محامية اسمها الأستاذة مريم.
كانت واحدة زميلة ليا رشحتها، ومعروفة إنها دقيقة جدًا في قضايا الأسرة والمنازعات المالية.
حطيت قدامها كل المستندات.
فضلت تراجعها لمدة طويلة، وبعدها رفعت عينيها وقالت:
— ندى، إنتِ عندك حقائق مهمة جدًا، لكن لازم نفصل بين ملكية الشقة وبين المبالغ اللي دفعتيها. مش معنى إنك ساهمتي في الأقساط إن الشقة بقت ملكك تلقائيًا، لكن من حقنا ندرس المطالبة بالمبالغ اللي دفعتيها والأدلة اللي تثبت طبيعة الاتفاق بينكم.
هزيت راسي وقلت:
— أنا مش عايزة آخد حاجة مش من حقي، أنا بس عايزة حقي يرجع.
المحامية ابتسمت وقالت:
— وده بالضبط اللي هنشتغل عليه.
وبعدها سألتني:
— هل عندك أي دليل على إن زوجك كان بيستخدم فلوسك في غير الغرض اللي اتفقتوا عليه؟
افتكرت صور التابلت، وطلعت الموبايل ووريتهالها.
شافت الصور، وبعدها بصت لي باستغراب.
— هو كان بيصرف من فلوسه ولا من الفلوس اللي إنتِ بتحوليها له؟
قلت لها:
— مش عارفة، لكن فيه حاجة تانية اكتشفتها.
فتحت كشف الحساب اللي كنت محتفظة بيه، وبدأت أوريها تحويلات متكررة بمبالغ مختلفة لحساب باسم واحدة مش عارفاها.
المحامية ركزت في التواريخ.
وبعد شوية قالت:
— التحويلات دي محتاجة نفهم سببها، خصوصًا إن بعضها حصل في نفس الأيام اللي كنتِ بتحولي فيها الفلوس لشريف.
خرجت من عندها وأنا حاسة إن لأول مرة حد بيسمعني من غير ما يحكم عليا.
لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب مما توقعت.
بعد يومين، اتصل بيا شريف.
رديت بهدوء.
قال بصوت متعصب:
— إنتِ عملتي إيه يا ندى؟!
قلت:
— خير؟ في حاجة حصلت؟
صرخ:
— جالي إنذار قانوني! إنتِ رفعتي عليا قضية؟!
قلت:
— أنا طالبت بحقي، وده شيء طبيعي.
ضحك بسخرية وقال:
— حقك إيه؟ إنتِ نسيتي إن الشقة باسمي؟!
قلت له:
— أنا فاكرة كويس، وعشان كده المحامية هتتكلم معاك.
قفل المكالمة في وشي.
بعد أقل من ساعة، حماتي اتصلت.
— إنتِ اتجننتي يا بنت؟! عايزة تفضحينا في المحاكم؟ ابني مش ناقص مشاكل بسبب واحدة زيك!
قلت لها بهدوء:
— أنا ما فضحتش حد، أنا بس بطالب بالفلوس اللي دفعتها.
قالت بعصبية:
— إنتِ كنتِ بتدفعي بمزاجك! محدش أجبرك!
ابتسمت وقلت:
— جميل جدًا، الكلام ده هنقوله قدام القاضي، ونشوف الرسائل والتحويلات البنكية هتقول إيه.
سكتت لحظات، وبعدها قالت جملة غريبة:
— إنتِ فاكرة إنك كده هتكسبي؟ طب اسألي نفسك الأول ابنك السابق كان بيحول الفلوس لمين!
اتجمدت مكاني.
قلت لها:
— تقصدي إيه؟
لكنها قفلت المكالمة.
فضلت أبص للموبايل وأنا بحاول أفهم كلامها.
مين الشخص اللي شريف كان بيحول له الفلوس؟
وليه حماتي بتتكلم وكأنها عارفة سر أنا لسه ما اكتشفتوش؟
في المساء، رجعت لملف الحسابات وراجعت التحويلات مرة تانية.
لقيت تحويلات منتظمة لشخص اسمه «محمود عبد الرحمن»، بمبالغ كبيرة نسبيًا.
ما كنتش أعرف أي محمود بالاسم ده.
لكن المفاجأة كانت في وصف أحد التحويلات.
كان مكتوب:
«دفعة من مقدم الشقة الجديدة».
قلبي بدأ يدق بسرعة.
إيه شقة جديدة دي؟
شريف كان بيقول لي طول الوقت إنه مديون للبنك، وإن كل جنيه بندفعه رايح للقسط القديم.
فإزاي بيحول فلوس لمقدم شقة تانية؟
اتصلت بالمحامية مريم وحكيت لها اللي اكتشفته.
طلبت مني أبعت لها المستندات، وقالت:
— ندى، ما تتسرعيش في أي مواجهة دلوقتي. خلينا نتحقق من المعلومات الأول.
وفي اليوم التالي، حصلت المفاجأة اللي قلبت كل حاجة.
كنت راجعة من شغلي، ولقيت رسالة من رقم غريب.
فتحتها، ولقيت صورة لشريف واقف قدام عمارة فخمة في التجمع الخامس، وبجانبه حماتي سعاد ورنا.
وتحت الصورة مكتوب:
«مش كل اللي بتدفعه الست بيكون علشان بيتها… ساعات بيكون علشان بيت بيتجهز لواحدة تانية».
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
لكن قبل ما أقدر أستوعب الصورة، وصلتني رسالة تانية من نفس الرقم:
«لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، اسألي حماتك عن الشقة اللي اتكتبت باسمها من ست شهور».
في اللحظة دي فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من خيانة زوجية.
لكن السؤال اللي كان بيطاردني: هل شريف كان بيخطط من البداية إنه يخليني أدفع أقساط شقته، وفي نفس الوقت يجهز حياة جديدة مع رنا؟
والأخطر إن حماتي نفسها كانت طرف في الموضوع…
يتبع في الجزء الثالث والأخير.
الجزء الثالث والأخير
فضلت طول الليل مش عارفة أنام.
الصورة اللي وصلتني كانت بتلف في دماغي، خصوصًا جملة إن فيه شقة اتكتبت باسم حماتي من ست شهور.
إزاي شريف قدر يعمل كل ده وأنا كنت فاكرة إننا بنحاول نسدد ديوننا ونبني مستقبلنا؟
الصبح بدري، رحت لمكتب المحامية مريم، ووريتها الرسالة والصورة.
بصت لي بتركيز وقالت:
— إحنا محتاجين نعرف مصدر الفلوس، لكن من غير ما نعمل أي تصرف غير قانوني. خليكي محتفظة بكل الرسائل والتحويلات.
وبعد مراجعة المستندات، اكتشفنا إن فيه تحويلات مالية متكررة من حساب شريف لحساب شخص اسمه محمود، وهو شخص كان بيتعامل معاه في شراء العقارات.
أما الشقة اللي اتكتبت باسم حماتي، فكان فيه مستندات ورسائل بتشير إلى إن شريف ساهم في تجهيزها وسداد جزء من ثمنها.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في رسالة صوتية قديمة احتفظت بيها من غير ما آخد بالي.
كانت رسالة من حماتي سعاد بعتها لشريف، وكنت سمعتها وقتها بالصدفة.
شغلتها قدام المحامية.
كان صوت سعاد واضح وهي بتقول:
— المهم يا شريف، خليك عاقل. ندى طول ما هي بتدفع القسط، إنت وفر فلوسك وحطها في الشقة التانية. ولما تخلصوا، خلي رنا تدخل حياتك براحتك. إنت مش هتفضل مربوط بواحدة طول عمرها شغل وحسابات.
سكتت المحامية بعد ما سمعت التسجيل.
وبعدين قالت:
— الرسالة دي ممكن تكون مهمة جدًا، خصوصًا مع باقي الأدلة، لكن لازم نعرضها بالطريقة القانونية المناسبة.
حسيت وقتها إن قلبي اتكسر مرة تانية.
مش بس شريف اللي استغلني، دي أمه كانت بتخطط معاه!
بعد أيام، وصل لشريف إخطار بموعد جلسة نظر النزاع المالي.
وفي نفس الأسبوع، قررت أواجه حماتي للمرة الأخيرة.
قابلتها في بيت أختي، وكانت جاية وهي متأكدة إنها هتقدر تخوفني زي كل مرة.
دخلت وقالت:
— إنتِ لسه مصممة على اللي بتعمليه؟ مش كفاية اللي حصل؟!
قلت لها بهدوء:
— أنا عايزة أسألك سؤال واحد يا طنط سعاد. الشقة اللي باسمك في التجمع، شريف اشتراها لك منين؟
اتغير لون وشها.




