
الجزء الثاني
وصلنا المستشفى بعد حوالي عشرين دقيقة.
كنت قاعد جنب البنت في العربية، والبطانية ملفوفة حوالين جسمها الصغير، بينما هي كانت ساكتة تمامًا وبتبص من الشباك.
ما سألتنيش إحنا رايحين فين.
ما سألتنيش مين الدكتور.
ولا حتى سألتني أنا مين.
وده كان أكتر شيء مقلقني.
الأطفال في سنها عادة بيسألوا عن كل حاجة.
لكن هي كانت بتتصرف كأنها عارفة إن الأسئلة أحيانًا ممكن تكون أخطر من الصمت.
أول ما دخلنا قسم الطوارئ، قابلتني زوجتي سلمى.
كانت طبيبة في المستشفى، وكنت عارف إنها هتكون أفضل شخص ممكن يتعامل مع طفلة بالشكل ده.
أول ما شافتها سلمى، اتغيرت ملامحها.
قربت منها بهدوء وقالت:
“أهلًا يا حبيبتي… أنا سلمى. مش هعملك أي حاجة تضايقك.”
البنت بصت لها للحظات.
وبعدين قربت منها خطوة واحدة.
سلمى مدت إيدها، لكن من غير ما تحاول تمسكها.
بعد ثواني، البنت حطت إيدها الصغيرة في إيد سلمى.
ساعتها حسيت براحة لأول مرة من ساعة ما لقيتها.
دخلنا غرفة الفحص.
الدكتورة بدأت تكشف عليها، وبعد دقائق قالت إن حالتها مستقرة، لكن واضح إنها كانت عايشة فترة في ظروف صعبة جدًا.
كان عندها جفاف وإرهاق ونقص تغذية، وكدمات قديمة بدأت تختفي، لكن ما كانش فيه إصابات خطيرة تستدعي الجراحة.
كنت واقف عند الباب، وفجأة دخل طبيب تاني.
كان اسمه الدكتور ياسر.
كنت أعرفه من سنين، لأنه كان بيتابع مع سلمى بعض الحالات في المستشفى.
ابتسم لي وقال:
“إنت لقيتها فين يا محمود؟”
حكيت له بسرعة.
كان بيسمعني، لكن عينه كانت كل شوية تروح ناحية البنت.
وبعدين قال:
“ممكن تحتاج مهدئ بسيط عشان نقدر نعمل بعض الفحوصات.”
سلمى هزت رأسها وقالت:
“خلينا نستنى شوية. هي متوترة جدًا.”
ياسر رد:
“طبعًا، براحتكم.”
وبعدين خرج.
بعد حوالي عشر دقائق، رجع ومعاه زجاجة دواء صغيرة.
حطها على الترابيزة وقال:
“ده مناسب للحالة، جرعة بسيطة جدًا.”
سلمى مدت إيدها ناحية الزجاجة.
لكن قبل ما تلمسها…
البنت صرخت لأول مرة.
صرخة قصيرة وحادة.
وبسرعة غريبة قامت من السرير، وخطفت الزجاجة من إيد الدكتور ياسر وأسقطتها على الأرض.
اتكسرت الزجاجة.
كلنا اتجمدنا مكاننا.
سلمى بصت لها بدهشة.
وأنا قربت منها وقلت:
“إنتِ خايفة من الدواء؟”
لكن البنت ما ردتش.
نزلت على الأرض، وبدأت تشير إلى قطع الزجاج.
وبعدين رفعت عينيها لسلمى وقالت بصوت منخفض جدًا:
“مش ده.”
سلمى سألتها:
“ليه؟”
البنت هزت رأسها بعنف.
“مش ده…”
الدكتور ياسر بدأ يتوتر.
وقال:
“ممكن تكون اتخضت من شكل الزجاجة.”
لكن البنت كانت بتبص له بطريقة غريبة.
ثم فجأة أشارت إلى الملصق الموجود على قطعة من الزجاج.
قالت:
“اللي مكتوب هنا… مش اسمه.”
سكتنا كلنا.
سلمى قربت منها.
“إنتِ بتعرفي تقري؟”
البنت هزت رأسها.
“أيوه.”
سلمى بصت لي.
وبعدين سألتها:
“طيب مكتوب إيه؟”
البنت بدأت تقرأ كلمات بلغة غريبة.
ما فهمناش منها حرف.
لكن سلمى، بحكم شغلها، قدرت تميز إن اللغة كانت صينية.
قالت باستغراب:
“إنتِ بتقري صيني؟”
البنت سكتت.
وبعد لحظات قالت:
“بابا علمني.”
الجملة دي كانت أول مرة تتكلم فيها عن والدها.
سألتها:
“بابا فين؟”
البنت بصت للأرض.
وبصوت يكاد لا يُسمع قالت:
“مش عارفة.”
وقتها خرج الدكتور ياسر من الغرفة بحجة إنه عنده حالة تانية.
لكن قبل ما يخرج، بص لي نظرة قصيرة جدًا.
نظرة ما ارتحتلهاش.
في اللحظة دي، بدأت أول علامة شك تدخل دماغي.
ليه طفلة عمرها سبع سنين تعرف تقرأ صيني؟
وليه الدواء اللي جابه الدكتور مكتوب عليه حاجة مختلفة عن الاسم اللي قاله؟
وليه الدكتور نفسه اتوتر بالشكل ده؟
لكن كان فيه سؤال أكبر:
مين البنت دي؟
بعد حوالي ساعة، وصلت الشرطة وبدأوا إجراءات البحث عن أهلها.
سألوا البنت عن اسمها.
سكتت.
سألوها عن عنوان بيتها.
سكتت.
سألوها عن اسم أبوها.
فضلت باصة للأرض.
وبعدين قالت:
“مريم.”
كان ده أول اسم نعرفه.
مريم.
لكن لما الشرطي سألها عن اسم العائلة، ما ردتش.
في نفس الليلة، أخدناها لبيت قريب من المستشفى بعد موافقة الجهات المختصة، لحد ما يتم تحديد هويتها.
كنت فاكر إن الليلة هتعدي بهدوء.
لكن حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وأنا في المكتب الصغير داخل البيت، سمعت صوت سلمى بتناديني.
جريت ناحية غرفتها.
لقيت مريم قاعدة على السرير، ماسكة ورقة في إيدها.
سألتها:
“إيه دي؟”
قالت سلمى:
“لقيتها جوه بطانيتها.”
أخدت الورقة.
كانت صغيرة جدًا، ومكتوب عليها أرقام وحروف غريبة.
قلبتها من الناحية التانية.
كان فيه عنوان.
مش عنوان بيت.
كان عنوان مخزن.
والأغرب…
إن العنوان كان في نفس المنطقة اللي لقيت فيها مريم.
بصيت لسلمى.
وقلت:
“إحنا لازم نرجع هناك.”
لكن مريم فجأة مسكت إيدي بقوة.
وقالت:
“لأ.”
بصيت لها.
“ليه؟”
قالت:
“هما لسه بيدوروا عليا.”
اتجمدت.
“مين؟”
مريم بصت ناحية باب الغرفة.
وبعدين قالت:
“الراجلين.”
قلت:
“مين الراجلين؟”
همست:
“اللي خدوا بابا.”
في اللحظة دي سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت.
وبعد ثواني…
جالي اتصال من رقم مش مسجل.
رديت.
ما سمعتش أي كلام.
فقط نفس واحد طويل…
وبعدين صوت رجل قال:
“لو عايز البنت تفضل عايشة، ما تسألش أسئلة.”
وقفل الخط.
فضلت واقف مكاني.
بصيت لسلمى.
وبعدين بصيت لمريم.
وساعتها فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من طفلة ضايعة.
لكن كان عندي ميزة واحدة.
الرجل اللي اتصل كان فاكر إني خايف.
وما كانش يعرف إني بدأت بالفعل أفكر في طريقة أوقعه بيها.
والليلة دي…
قررت أعمل فخ.
فخ ما يدخلش فيه شخص غريب.
لكن شخص أعرفه كويس جدًا.
شخص كنت بثق فيه من سنين.
في صباح اليوم التالي، ما قلتش لسلمى كل اللي كان في دماغي.
مش لأني ما بثقش فيها…
بالعكس.
لكن كان عندي إحساس إن أي كلمة زيادة ممكن توصل للشخص الغلط.
اتصلت بصديقي القديم حسام، مدير العمليات في شركتي.
حسام كان واحد من أقرب الناس ليا.
اشتغل معايا أكتر من خمسة عشر سنة، وكان يعرف تفاصيل شغلي كلها تقريبًا.
لما حكيت له إن الشرطة بتحاول تعرف هوية البنت، قال لي:
“ما تقلقش يا محمود، أنا هتصرف.”
سألته:
“هتتصرف إزاي؟”
قال:
“هحاول أعرف إذا كان فيه أي كاميرات حوالين المخزن القديم.”
وافقت.
لكن قبل ما يقفل، سألته سؤالًا بسيطًا:
“حسام… إنت حكيت لحد عن البنت؟”
سكت ثانيتين.
وبعدين قال:
“طبعًا لأ.”
قفلت المكالمة.
لكن السؤال فضل يلف في دماغي.
لأن بعد أقل من ساعة، وصلتني رسالة من رقم مجهول:
“بلاش تدخل الشرطة في الموضوع.”
ما رديتش.
بعدها بدقائق وصلت رسالة تانية:
“البنت مش ضايعة… هي هربت.”
هنا بدأت أحس إن حد بيراقبني.
دخلت أوضة مريم.
كانت قاعدة على الأرض وبتلعب بقطعة خشب صغيرة.
قعدت جنبها.
وقلت:
“مريم… تعرفي حسام؟”
رفعت عينيها بسرعة.
“لأ.”
“عمرك شوفتيه؟”
ما ردتش.
كررت السؤال.
وفجأة وشها اتغير.
مسكت إيدي وقالت:
“هو كان مع الراجلين.”
حسيت إن قلبي وقف لحظة.
“حسام؟”
هزت رأسها.
“الراجل اللي لابس ساعة سودا.”
حسام كان فعلًا بيلبس ساعة سوداء كبيرة، وما بيفارقهاش تقريبًا.
لكن مريم كانت شافته مرة واحدة على الأقل؟
إزاي؟
وقبل ما أسألها أكتر، قالت:
“بس هو مش اللي خد بابا.”
سألتها بسرعة:
“أمال مين؟”
قالت:
“التاني.”
“مين التاني؟”
رفعت صباعها ناحية الباب.
“هو.”
لفيت بسرعة.
ما كانش فيه حد.
رجعت بصيت لها.
“مين يا مريم؟”
لكنها سكتت.
في اليوم نفسه، قررت أرجع للمخزن.
ما خدتش الشرطة معايا.
وخدت معايا شخص واحد بس…




