
### الجزء الثاني: اكتشفت إن سرقة الفلوس كانت مجرد بداية لحاجة أخطر بكتير
كنت قاعدة على السفرة في بيتنا بالإسكندرية، وبحاول أسيطر على أعصابي.
قدامي أبي، محمود المنصوري، قاعد بيتكلم عن نجاح مشروع سارة، وأمي نادية بتوزع الابتسامات على الموجودين، وسارة نفسها مشغولة بالحديث عن خططها الجديدة وكأن الدنيا كلها بقت ملكها.
كان فيه أكل كتير، والكل بيتبادل الكلام والضحك، لكن أنا كنت حاسة إن كل حاجة حواليا بقت غريبة.
لأن ربع مليون دولار اختفوا من حسابي، والمبلغ ده ما كانش مجرد فلوس.
كان فرصة أختي الوحيدة للحصول على علاج ممكن ينقذها من مضاعفات خطيرة.
بصيت لأبي وسألته للمرة التانية:
«يعني إنت فعلًا استخدمت فلوس العلاج عشان تعمل حفل افتتاح لسارة؟»
حط الملعقة على الطبق وقال بضيق:
«يا ليلى، إحنا مش هنفضل نعيد نفس الكلام طول الليل. أختك عندها فرصة تعمل حاجة كبيرة في حياتها، وإحنا وقفنا جنبها».
قلت له:
«وقفتم جنبها بفلوس مين؟»
رد بسرعة:
«فلوس العيلة!»
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
«فلوس العيلة؟ الحساب باسمي، وأنا اللي جمعت المبلغ من شغلي على مدار شهور. إنت إزاي قدرت تسحب الفلوس من غير ما ترجع لي؟»
أمي تدخلت قبل ما يرد.
قالت وهي بتحاول تحافظ على هدوئها:
«يا بنتي، إحنا أهلك. هو لازم كل حاجة تتحول لحسابات وورق؟ لما أختك تكون محتاجة مساعدة، المفروض نقف جنبها».
بصيت لها وقلت:
«وأنا لما كنت بجهز فلوس علاجها، كنت بعمل إيه؟ كنت بجمع الفلوس دي عشان نفسي؟»
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
«ما حدش قال إنك ما عملتيش حاجة. بس اللي حصل حصل، وإن شاء الله ربنا يعوضك».
الجملة دي كانت كفاية إنها تخليني أفهم إنهم مش شايفين حجم اللي عملوه.
بالنسبة لهم، تعبي وفلوسي ووقتي حاجات ممكن تتاخد مني، وبعدها يطلبوا مني أسامح وأنسى.
أما سارة، فكانت قاعدة ساكتة، بتبص مرة لأبي ومرة ليا.
لأول مرة من سنين، ما كانتش عارفة تقول إيه.
التفتُّ ناحيتها وسألتها:
«إنتِ كنتِ عارفة إن الفلوس دي فلوس علاجي؟»
رفعت عينيها بسرعة وقالت:
«لأ يا ليلى، والله ما كنت أعرف إنك حاطة الفلوس دي لعلاج حد».
سألتها:
«طيب، كنتِ عارفة إن بابا سحب المبلغ من حسابي؟»
اترددت، وبعدين قالت:
«بابا قال لي إنه هيتصرف في تكاليف المشروع، وإن كل حاجة متظبطة. أنا ما سألتش عن التفاصيل».
الكلام ده ما كانش مريحني، لكنه كان مختلفًا عن الاعتراف بالسرقة.
كنت محتاجة أعرف الحقيقة، مش أتهم أي حد من غير دليل.
قمت من مكاني وقلت:
«أنا مش هقدر أكمل العزومة دي».
أبي ضرب بإيده على السفرة وقال:
«اقعدي مكانك! إنتِ مش هتفضحينا قدام الناس عشان شوية فلوس».
بصيت له مباشرة وقلت:
«ربع مليون دولار مش شوية فلوس يا بابا. ودي مش فلوس كنت بجهزها للسفر أو لشراء عربية. دي فلوس علاج».
ما استنيتش رده.
طلعت من غرفة الطعام، ودخلت غرفة الضيوف اللي كنت بقعد فيها كل ما أزور البيت.
قفلت الباب، وفتحت تطبيق البنك.
كنت لسه بتمنى يكون فيه خطأ في الحساب.
لكن الرصيد كان واضحًا.
صفر.
فتحت سجل العمليات، وراجعت كل تحويل واحدة واحدة.
لقيت إن المبلغ اتسحب على دفعات، وإن الطلب اتنفذ باستخدام إجراء الطوارئ، وبعده ظهرت عملية تحقق مرتبطة ببريد إلكتروني مش بتاعي.
أخدت لقطات شاشة لكل التفاصيل، وحفظت أرقام العمليات وتواريخها.
بعدها اتصلت بخدمة البنك، وطلبت إيقاف أي وصول إضافي للحساب، وفتح تحقيق رسمي في العمليات اللي ما وافقتش عليها.
الموظف طلب مني أقدّم بلاغًا بالاعتراض على التحويلات، وأكد لي إن تفاصيل الدخول ووسائل التحقق هتكون جزءًا من التحقيق.
قفلت المكالمة وأنا بحاول أفكر بعقل.
كان عندي سؤال واحد لازم أعرف إجابته:
مين اللي زوّر البريد الإلكتروني، واستغل إجراء الطوارئ عشان يسحب الفلوس؟
ما كنتش عايزة أكتفي بالشكوك.
كنت عايزة دليلًا واضحًا.
وفي اللحظة دي، افتكرت حاجة حصلت قبل اختفاء الفلوس بأسبوعين.
أبي كان اتصل بيا وطلب مني أبعث له نسخة من خطاب المستشفى، بحجة إنه عايز يتأكد من موعد الإجراء الطبي اللي قلت له إني محتاجاه.
أنا رفضت أبعت له أي تفاصيل، وقلت له إن المستشفى هتتواصل معايا مباشرة.
وقتها اتضايق جدًا، وقال لي إني بقيت بخبي عن أهلي كل حاجة.
ما اهتمتش بالموقف وقتها.
لكن دلوقتي، بدأ السؤال يلح في دماغي:
هل كان أبي بيحاول يعرف تفاصيل الحساب من البداية؟
ولا فيه شخص تاني في العيلة كان بيخطط لكل ده؟
فتحت هاتفي، وبدأت أراجع رسائلي القديمة.
وفجأة، لقيت رسالة من أمي، كانت باعتاها لي قبل العزومة بأيام.
كانت بتسألني فيها عن اسم المستشفى، وموعد وصول الخطاب، وهل الإجراءات الطبية اتأكدت ولا لسه.
وقتها كنت فاكرة إنها بدأت تهتم بصحتي.
دلوقتي، الرسالة نفسها بقت تخليني أشك إنهم كانوا بيتابعوا الموضوع عن قرب.
لكن قبل ما أقدر أراجع أي تفاصيل إضافية، سمعت خبطًا على الباب.
كانت سارة.
### مواجهة بين الأختين
فتحت لها الباب، ولقيتها واقفة ووشها متغير.
دخلت وقفلت الباب وراها، وبعدها قالت بصوت منخفض:
«ليلى، أنا محتاجة أتكلم معاكي».
أشرت لها تقعد.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين سألتني:
«إنتِ قلتي إن الفلوس كانت لعلاج حد؟»
بصيت لها من غير ما أرد.
كملت وهي بتفرك إيديها بتوتر:
«أنا عارفة إن بابا غلط لما أخد فلوسك من غير إذنك، بس أنا ما كنتش أعرف إنها فلوس علاج. والله لو كنت أعرف، ما كنتش وافقت على المشروع بالطريقة دي».
سألتها بهدوء:
«طيب، لو ما كنتيش تعرفي، ليه ما سألتيش عن مصدر المبلغ؟»
نزلت عينيها للأرض.
«لأن بابا قال إنه هيدفع تكاليف المشروع، وإنه مش محتاج مساعدتي في أي حاجة».
قلت لها:
«وإنتِ ما فكرتيش إن المبلغ كبير، وإن فيه حد ممكن يكون محتاج الفلوس دي؟»
ما ردتش.
كنت شايفة إنها بدأت تستوعب حجم اللي حصل، لكن ده ما كانش كفاية عشان أقدر أثق في كلامها بالكامل.
بعد لحظات، قالت جملة خلتني أرفع رأسي بسرعة.
«ليلى، فيه حاجة لازم تعرفيها. قبل افتتاح المشروع، بابا طلب مني أبعث له صورة من بطاقتي الشخصية، وكمان صورة من توقيعي الإلكتروني اللي كنت بستخدمه في بعض أوراق المشروع».
حسيت إن قلبي بيدق أسرع.
سألتها:
«إمتى الكلام ده حصل؟»
قالت:
«من حوالي أسبوعين. قال لي إن المحاسب محتاج الأوراق عشان يجهز العقود، وإن الموضوع عادي».
سألتها:
«وإنتِ بعتِّي له الأوراق؟»
هزت رأسها.
«أيوه».
سكتُّ لحظة، وأنا بحاول أربط الأحداث ببعضها.
هل كان أبي بيجهز أوراق المشروع فقط؟ ولا استخدم بيانات سارة في إجراءات تانية؟
ما كانش عندي دليل يثبت أي حاجة، لكن المعلومات دي كانت تستحق التحقيق.
قلت لها:
«سارة، أنا مش عايزة أتهمك بحاجة من غير دليل. لكن لو عندك أي رسائل أو مستندات تخص الموضوع، لازم تحتفظي بيها وما تمسحيش أي حاجة».
هزت رأسها ببطء.
وبعدين قالت:
«فيه حاجة تانية. أنا سمعت بابا بيتكلم في التليفون قبل الافتتاح بيوم. كان بيقول للشخص اللي بيكلمه إن موضوع الحساب اتقفل، وإنك مش هتعرفي حاجة غير بعد ما المشروع يبدأ».
اتجمدت مكاني.
سألتها:
«سمعتيه بيقول كده لمين؟»
ردت:
«ما شفتش الشخص، وما عرفتش اسمه. لكن بابا كان متوتر جدًا، ولما دخلت عليه، قفل المكالمة بسرعة».
في اللحظة دي، بدأت أحس إن اللي حصل أكبر من مجرد قرار مالي متهور.
كان فيه احتمال إن شخصًا تاني ساعد أبي في تنفيذ العملية أو إخفاء تفاصيلها.
لكن مين؟
أبي نفسه؟
أمي؟
ولا حد من خارج العيلة؟
قبل ما أسأل سارة أي سؤال تاني، سمعنا صوت أبي في الممر.
كان بينادي عليها بعصبية:
«سارة! إنتِ فين؟ انزلي حالًا».
قامت بسرعة، وبصت لي بخوف.
قبل ما تخرج، مسكت إيدي وقالت:
«ليلى، مهما حصل، أنا مش عايزاكي تفتكري إني كنت عارفة إنك بتدفعي تمن علاجي».
الجملة دي وجعتني.
لأن الحقيقة كانت إنني فعلًا كنت بجمع الفلوس عشان أنقذها.
لكنها ما كانتش تعرف.
وحتى الآن، ما كنتش عارفة إذا كانت هتقدر تقف في صفي لما الحقيقة تظهر، ولا هتختار تفضل تحت حماية أبي.
خرجت سارة، وفضلت لوحدي في الغرفة.




