روايات وقصص

بعد طلاقي الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

### الجزء الثاني: الطفلان اللذان قلبا الحفلة رأسًا على عقب

جريت ناحيتي الطفلين وأنا فاتحة دراعاتي، وضميتهم لحضني بقوة.

قلت وأنا ببوسهم: «حبايبي، وحشتوني أوي! إنتوا اتأخرتوا ليه؟»

ضحك الطفل الأكبر وقال: «إحنا كنا مع خالو كريم، وهو اللي جابنا بالعربية».

مسكت إيديهم، وبصيت ناحية المعازيم، وكنت حاسة إن كل الموجودين مستنيين مني تفسير.

لكن أكتر واحد كان واضح عليه الارتباك هو مجدي.

فضل باصص للطفلين، وبعدين بصلي، وكأنه بيحاول يفهم حاجة مش قادر يستوعبها.

أخيرًا، سألني بصوت متوتر:

«مين الولدين دول يا نهى؟»

بصيتله بهدوء وقلت:

«دول ولادي يا مجدي».

اتسعت عينيه، واتحرك خطوة ناحيتي، وقال بصوت أعلى:

«ولادك إزاي؟ وإنتِ مخلفة إمتى؟ وإزاي عندك طفلين وأنا معرفش؟»

ابتسمت ابتسامة بسيطة وقلت:

«مش كل حاجة في حياتي لازم تعرفها».

لكن الحاجة فاطمة ماقدرتش تستحمل، وقربت مننا وهي بتبص للطفلين بصدمة.

قالت وهي بتشاور عليهم:

«استني يا نهى… هو الولدين دول عندهم كام سنة؟»

رديت عليها:

«الكبير اسمه يوسف، عنده خمس سنين، والصغير اسمه ياسين، عنده أربع سنين».

شهقت الحاجة فاطمة وحطت إيدها على صدرها.

أما داليا، فكانت واقفة مش قادرة تخفي قلقها، وبصت لمجدي وسألته:

«هو إيه اللي بيحصل؟ وإنت تعرف الولاد دول؟»

مجدي ما ردش عليها.

كان مركز معايا أنا، وكأن وجود الطفلين قدامه فتح باب ذكريات كان فاكر إنه قفله للأبد.

قال بعصبية:

«يعني إنتِ كنتِ مخبية عني إنك خلفتي؟»

رديت بمنتهى الهدوء:

«إنت طلقتني من أربع سنين يا مجدي، ومن حقي أعيش حياتي من غير ما أقدم لك تقرير عن كل خطوة فيها».

صرخ:

«بس إنتِ وقت جوازنا كنتِ بتقولي إنك مش قادرة تخلفي!»

الجملة دي خلتني أسكت لحظة.

بصيت في عينيه وقلت:

«أنا ماقلتش كده من نفسي، إنت اللي كنت بتقول للناس إن المشكلة عندي، وكنت مصدقهم إنك راجل سليم ومفيكش أي مشكلة».

اتغير لون وشه.

أما الحاجة فاطمة، فبصت لابنها وقالت:

«مجدي… إنت ساكت ليه؟ هي بتتكلم عن إيه؟»

في اللحظة دي، داليا قربت منه ومسكت دراعه.

«مجدي، أنا عايزة أفهم. إنت كنت متجوزها سبع سنين، وكنت دايمًا بتحكيلي إنها هي اللي عندها مشكلة في الخلفة. إيه معنى كلامها ده؟»

مجدي حاول يغير الموضوع وقال:

«يا داليا، مش وقته الكلام ده. إحنا في حفلة، ومش ناقصين مشاكل».

لكن داليا ما سابتوش.

قالت بإصرار:

«لأ، ده وقته. إنت بنفسك من شوية كنت بتتكلم قدام الناس وبتقول إنك ضيعت سبع سنين بسببها. دلوقتي لازم أفهم الحقيقة».

كنت واقفة بسمع كلامهم، وفي داخلي إحساس غريب.

مش إحساس بالشماتة، ولا رغبة في الانتقام.

لكن كان جوايا وجع قديم، وجع سنين طويلة قضيتها وأنا بصدق إني أنا السبب في فشل جوازنا.

سنين من الكشف والتحاليل والأدوية والزيارات للمستشفيات.

وسنين من نظرات الشفقة وكلام الناس اللي كان بيوجع أكتر من أي حاجة تانية.

وفجأة، يوسف شد إيدي وسألني ببراءة:

«ماما، هو الراجل ده زعلان منك ليه؟»

نزلت لمستواه، ومسحت على شعره وقلت:

«مفيش يا حبيبي، متشغلش بالك».

لكن مجدي سمع السؤال، وفضل باصص للولد.

وبعد ثواني، سألني سؤال خلّى كل اللي واقفين يسكتوا:

«نهى… الولدين دول أبوهم مين؟»

قبل ما أرد، ظهر أخويا كريم من عند باب الجنينة.

كان شايل ملف بني كبير، وأول ما شاف مجدي قال:

«واضح إنك لسه بتقول نفس الكلام القديم، ولسه مصمم تحمّل أختي ذنب حاجة إنت عارف حقيقتها كويس».

مجدي اتعصب وقال:

«إنت مالك إنت؟ دي مشاكل بيني وبين طليقتي».

كريم قرب منه وحط الملف على الترابيزة.

وقال بصوت ثابت:

«المرة دي مش هتكون فيه أسرار. أختي سكتت سنين علشان كانت بتحترم العشرة اللي كانت بينكم، لكن واضح إنك فهمت سكوتها غلط».

مجدي بص للملف، وبعدها بص لكريم.

«إيه اللي في الملف ده؟»

كريم رد:

«حاجة كان المفروض تعرفها من زمان… وحاجة إنت بنفسك حاولت تخفيها».

داليا مدت إيدها ناحية الملف، لكن مجدي سبقها وحاول يشيله.

كريم حط إيده عليه ومنعه.

وقال:

«استنى يا مجدي… المرة دي الكل لازم يسمع الحقيقة، مش إنت بس».

فتح كريم الملف، وطلع منه مجموعة تقارير طبية قديمة، عليها اسم مجدي وتواريخ ترجع لسنين جوازنا الأولى.

أول ما الحاجة فاطمة شافت اسم ابنها على الأوراق، قعدت على الكرسي وهي بتترعش.

أما داليا، فبدأت تقرأ أول تقرير، وكل سطر كانت بتقراه كان بيغير ملامح وشها.

رفعت عينيها ناحية مجدي وسألته بصوت مبحوح:

«إنت كنت عارف إن عندك مشكلة من قبل ما تتجوزني؟»

مجدي ما ردش.

فضل واقف مكانه، وشه شاحب، وإيده بتترعش.

لكن كريم كان لسه محتفظ بورقة أخيرة داخل الملف.

ورقة هي اللي هتكشف إن الموضوع ماكانش مجرد مشكلة طبية…

وإن مجدي كان عارف الحقيقة من أول سنة في جوازه من نهى، لكنه اختار يظلمها ويخليها تعيش عمرها كله وهي شايلة ذنب مش ذنبها.

والصدمة الأكبر؟ إن التقرير الأخير كان فيه نتيجة تحليل تانية، اتعملت بعد طلاقهم بشهور قليلة!

يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: السر اللي مجدي خبّاه سبع سنين

داليا كانت ماسكة التقرير الطبي بإيديها، وبتقرأه مرة واتنين، وكأنها مش قادرة تصدق الكلام المكتوب قدامها.

رفعت عينيها ناحية مجدي وقالت بصوت بيرتعش:

«إنت كنت عارف؟ إنت كنت عارف إن المشكلة عندك، وسيبتني أصدق إن نهى هي اللي مش قادرة تخلف؟»

مجدي حاول يتكلم، لكن الكلمات ما طلعتش من بقه.

الحاجة فاطمة قامت من مكانها وخطفت التقرير من إيد داليا.

بدأت تقرأ، وكل ما عينيها تتحرك بين السطور، ملامحها كانت بتتغير.

وبعدين بصت لابنها وقالت:

«إيه الكلام ده يا مجدي؟ إنت كنت بتتعالج من قبل ما تتجوز نهى؟»

مجدي نزل عينيه في الأرض.

قال بصوت واطي:

«ماما، الموضوع مش زي ما إنتوا فاهمين».

كريم رد عليه بغضب:

«أمال إيه؟ سبع سنين وأختي بتلف على الدكاترة، وبتاخد أدوية، وبتعمل تحاليل، وإنت عارف إن السبب مش عندها؟»

أنا كنت واقفة ساكتة، وببص للتقارير اللي رجعتني لسنين عمري اللي ضاعت في الحزن والقلق.

فاكرة كويس أول مرة مجدي قال لي إن الدكتور طلب مننا نعمل تحاليل.

وقتها كنت متحمسة، وقلت له:

«إن شاء الله خير، وهنعرف السبب ونعالجه سوا».

لكنه رجع من عند الدكتور لوحده، وقال لي إن التحاليل بتأكد إن المشكلة عندي.

صدقت كلامه.

ومن يومها بدأت رحلة طويلة من العلاج.

كنت بروح المستشفيات، وأعمل تحاليل، وألتزم بالأدوية، وأحيانًا أرجع البيت منهارة من كتر التعب.

وفي كل مرة كنت أسأله:

«طب وإنت يا مجدي؟ عملت التحاليل اللي الدكتور طلبها منك؟»

كان يرد بعصبية:

«هو إنتِ هتشككي في رجولتي؟ أنا راجل وزي الفل، والمشكلة عندك إنتِ».

كنت بسكت وأعيط لوحدي.

وكنت بحاول أهون عليه، رغم إنه كان هو اللي بيجرحني بكلامه.

لكن الحقيقة ظهرت أخيرًا.

داليا قعدت على الكرسي، وحطت إيديها على بطنها، وقالت:

«يعني كل الكلام اللي كنت بتحكيهولي عن نهى كان كذب؟»

مجدي قرب منها وقال:

«داليا، اسمعيني بس… أنا كنت خايف أخسرك».

ضحكت بمرارة وقالت:

«خايف تخسرني؟ طب ونهى؟ ماخفتش عليها وهي بتتعذب سبع سنين بسبب كذبتك؟»

مجدي سكت.

في اللحظة دي، كريم طلع الورقة الأخيرة من الملف.

وقال:

«لسه فيه حاجة أهم من كل اللي اتقال».

الكل بص ناحيته.

كريم كمل:

«التقرير ده اتعمل بعد طلاق أختي بشهور. مجدي راح لدكتور متخصص علشان يعيد الفحوصات، والنتيجة أكدت إن المشكلة اللي كانت موجودة عنده لسه محتاجة متابعة وعلاج».

مجدي صرخ:

«إنت جبت الورق ده منين؟ ده ورقي الخاص!»

كريم رد بهدوء:

«الورق ده وصل لأختي بطريقة قانونية، وهي محتفظة بيه علشان تثبت إنها ماكنتش السبب في كل الاتهامات اللي اتوجهت ليها».

داليا مسكت الورقة من كريم وبدأت تقرأها.

وبعد لحظات سألت مجدي:

«طيب إنت عايز تفهمني حاجة واحدة… إزاي أنا حامل منك دلوقتي؟»

السؤال ده كان واضح إنه أربكه أكتر من أي حاجة تانية.

بص لها وقال:

«أنا اتعالجت بعد الطلاق، والحمد لله حالتي اتحسنت».

كريم رد بسرعة:

«وده مش عيب يا مجدي. العلاج مش عيب، ومشكلة تأخر الإنجاب مش عيب. العيب الحقيقي إنك اتهمت إنسانة بريئة، وكسرت نفسها علشان تحافظ على صورتك قدام الناس».

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى