قصص وروايات

الجزء الثاني والثالث بقلم محمد عبده

### الجزء الثاني: المكالمة اللي قلبت قسم الشرطة رأسًا على عقب

وقعت الحاجة فاطمة على الأرض مرة تانية، وكانت حاسة إن جسمها كله اتكسر من شدة الضرب.

أما الرائد شريف الدمنهوري، فكان واقف قدامها بيعدل بدلته بكل برود، وكأنه لسه مخلصش غير شغل عادي.

قال لأمين الشرطة كريم:

«افتح العربية الخلفية وحط الست دي جوا. وخلّي بالك، عايز محضر اعتداء على ضابط شرطة ومقاومة السلطات. واكتب إنها حاولت تضربني وهي بتقاوم القبض عليها».

كريم بص له بعدم تصديق.

«بس يا فندم، دي ست عندها سبعين سنة، وأنا شوفت كل حاجة. هي ماعملتش أي حاجة».

قرب شريف منه لدرجة إن كريم حس بأنفاسه على وشه.

«إنت لسه جديد هنا، صح؟ عايز تكمل شغلك ولا تحب تروح بيتك من غير مرتب؟»

كريم سكت.

كان عارف إن شريف مش مجرد ضابط عصبي، ده شخص قدر يخوّف ناس كتير في المدينة، وإن أي حد بيحاول يعترض طريقه ممكن يدفع تمن كبير.

ساعد كريم الحاجة فاطمة تقوم، وحاول يسندها بعيد عن شريف.

كانت بتترعش ومش قادرة تقف على رجليها كويس.

همست له:

«يا ابني، أنا محتاجة دواء الضغط اللي في شنطتي».

كريم بص للشنطة اللي وقعت جنب العربية، ومد إيده وجابها لها.

في اللحظة دي، شريف خطف الشنطة من إيدها وفتش فيها بعنف.

طلع منها علبة الدواء، ومحفظة صغيرة، ومسبحة، وصورة قديمة لابنها عمر وهو لابس الزي العسكري.

مسك الصورة وبص لها بسخرية.

«ده ابنك؟»

هزت فاطمة راسها وقالت بفخر رغم وجعها:

«أيوه، ده عمر… ربنا يحفظه».

ضحك شريف ورمى الصورة على الأرض.

«خليه ينفعك بقى!»

ثم دفعها ناحية عربية الشرطة.

بعد حوالي عشرين دقيقة، وصلوا لقسم الشرطة.

كانت الحاجة فاطمة مش قادرة تمشي، وكل خطوة كانت بتسبب لها ألم شديد في ضهرها ورجليها.

دخلها شريف القسم بنفسه، وقال بصوت عالي قدام الموجودين:

«دي متهمة اعتدت على ضابط أثناء تأدية عمله. تتحط في الحجز لحد ما نخلص المحضر».

كان فيه عسكري كبير في السن اسمه عم رجب، شغال في القسم من أكتر من عشرين سنة.

أول ما شاف الست العجوز وهدومها المتربة ووشها المجروح، قرب منها وسألها:

«مالك يا حاجة؟ مين عمل فيكي كده؟»

قبل ما ترد، شريف صرخ فيه:

«إنت هتشتغل محقق معايا؟ نفذ الأوامر!»

نزل عم رجب عينيه وسكت، لكنه كان شايف بعينه إن فيه حاجة غلط.

دخلت الحاجة فاطمة الحجز، وقعدت على مقعد حديد قديم، وحاولت تمسح الدم اللي على خدها بطرف طرحتها.

بعد دقائق، بدأ نفسها يضيق، وحست بدوخة شديدة.

نادت على العسكري:

«يا ابني، ممكن تفتح لي الباب؟ أنا تعبانة ومحتاجة آخد الدواء».

عم رجب قرب منها وقال:

«استحملي يا حاجة، أنا هحاول أجيب لك الدواء».

لكن شريف سمع الكلام، وخرج من مكتبه وهو بيزعق:

«مفيش أدوية ولا تليفونات! دي متهمة، مش ضيفة عندنا».

رفعت فاطمة عينيها وقالت بصوت مكسور:

«أنا مش مجرمة يا بيه. أنا بس عايزة أكلم ابني».

رد عليها باستهزاء:

«قولت لك ابنك مش هيقدر يعمل لك حاجة».

دخل مكتبه وقفل الباب.

بعد شوية، خرج عم رجب بحجة إنه رايح يجيب ورق من المخزن، لكنه قرب من الحجز وهمس للحاجة فاطمة:

«يا حاجة، أنا عندي موبايل قديم، بس لو شافني معايا ممكن يرفدني».

بصت له والدموع في عينيها.

«أنا مش عايزة أأذيك يا ابني، بس محتاجة أكلم عمر. هو الوحيد اللي يقدر يعرف إني هنا».

تردد عم رجب لحظات، وبعدها طلع تليفون صغير من جيبه ومده لها من بين القضبان.

قال بسرعة:

«خدي، بس خلي بالك. عندك دقيقة قبل ما يرجع».

إيديها كانت بتترعش وهي بتفتح الأرقام.

ماكانتش محتاجة تدور كتير.

رقم عمر كان محفوظ في قلبها قبل ما يكون محفوظ على أي تليفون.

ضغطت اتصال.

في نفس اللحظة، كان عمر موجود في مقر خدمته، بيراجع بعض الأوراق المتعلقة بمهمة انتهت من أيام.

كان لابس الزي العسكري، وقاعد في مكتبه، لما شاف اسم أمه بيظهر على الشاشة.

ابتسم ورد بسرعة:

«أيوه يا ست الكل، وحشتيني. إيه الأخبار؟ رجعتي من المسجد؟»

لكن مافيش رد.

سمع بس صوت أنفاس متقطعة وبكاء مكتوم.

«أمي؟ مالك؟ إنتِ بتعيطي ليه؟»

جاءه صوتها ضعيفًا:

«يا عمر… الحقني يا ابني».

وقف عمر من مكانه فورًا.

«إنتِ فين؟ حصل إيه؟»

قالت بصعوبة:

«أنا في قسم الشرطة يا عمر… ضابط ضربني، ووقعني على الأرض، ولفق لي تهمة إني اعتديت عليه».

تغيرت ملامح عمر بالكامل.

«مين ضربك يا أمي؟ وإنتِ في أنهي قسم؟»

«قسم دمنهور يا ابني… اسمه شريف الدمنهوري».

سكت عمر ثانيتين.

ثم سألها بصوت هادي بشكل مخيف:

«إنتِ مصابة؟»

«ضهري بيوجعني، ووشي بينزف، ومش قادرة أقف… وكمان قلبي بيدق بسرعة».

ضغط عمر على أسنانه، وحاول يسيطر على غضبه.

«اسمعيني كويس يا أمي. ماتخافيش. أنا جاي لك، ومش هسيبك لحظة واحدة. حاولي تقعدي وما تتحركيش».

وقبل ما تكمل كلامها، سمعت صوت شريف من بعيد:

«إنتِ بتعملي إيه بالتليفون ده؟!»

انتزع الهاتف من إيدها وأغلق المكالمة.

نظر إلى عم رجب بغضب شديد.

«إنت اللي اديتها التليفون؟»

حاول عم رجب يرد، لكن شريف صفعه أمام الجميع.

«إنت اتجننت؟ بتساعد المتهمين ضد أوامري؟»

ثم أخذ الهاتف ووضعه في جيبه.

أما الحاجة فاطمة، فكانت قاعدة على الأرض وبتبكي، لكنها لأول مرة من ساعة ما اتقبض عليها، بدأت تحس بالأمان.

لأنها عارفة إن ابنها سمع صوتها.

وفي الناحية التانية، كان عمر واقف في مكتبه، ماسك تليفونه بقوة.

دخل عليه زميله وسأله:

«مالك يا عمر؟ وشك اتغير ليه؟»

رفع عمر عينيه وقال:

«أمي اتضربت واتحبست ظلم في قسم دمنهور».

اتصدم زميله.

«إيه؟ طب نعمل إيه؟»

رد عمر وهو بيمسك مفاتيحه:

«أول حاجة هنتأكد إنها تاخد الرعاية الطبية اللازمة، وبعدها كل شخص شارك في اللي حصل هيتحاسب بالقانون».

لكن قبل ما يخرج، رن تليفونه مرة تانية.

كانت مكالمة من رقم مجهول.

رد عمر.

جاءه صوت رجل متردد:

«حضرة الرائد عمر عبد الرحمن؟»

«أيوه، مين معايا؟»

«أنا أمين شرطة كريم، موجود في قسم دمنهور. أنا كنت شاهد على اللي حصل لوالدتك، وفيه حاجة لازم تعرفها قبل ما تيجي».

عمر سكت لحظة وقال:

«اتفضل».

قال كريم بصوت منخفض:

«الضابط شريف مش بس ضرب والدتك… ده كمان مسح جزء من تسجيلات الكاميرا، وبيحاول يجهز محضر مزور يثبت إنها اعتدت عليه. والأخطر من كده…»

توقف كريم عن الكلام، وكأنه خايف حد يسمعه.

سأله عمر:

«الأخطر إيه؟»

رد كريم:

«هو عرف إنك ابنها، ولما سمع اسمك، اتصل بشخص مهم جدًا في المديرية وقال له إنه عايز يخلص من الموضوع قبل ما توصل».

اتغيرت ملامح عمر مرة تانية.

«مين الشخص اللي كلمه؟»

لكن كريم ما لحقش يرد.

سمع عمر صوت صراخ من الناحية التانية، وبعدها انقطع الاتصال فجأة.

وفي اللحظة دي، أدرك عمر إن الاعتداء على أمه ممكن يكون مجرد جزء من سر أكبر بكتير… سر كان قسم الشرطة كله بيحاول يخفيه!

يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: السر اللي كان مخفي جوه قسم الشرطة

فضل الرائد عمر عبد الرحمن واقف مكانه، والتليفون في إيده، بيحاول يعيد الاتصال بأمين الشرطة كريم، لكن الرقم بقى خارج نطاق الخدمة.

كان جواه إحساس إن الموضوع أكبر من مجرد ضابط فاسد اعتدى على ست عجوز.

أمه عمرها ما دخلت قسم شرطة في حياتها، ولا كان بينها وبين أي حد مشاكل. إزاي تتحول فجأة لمتهمة اعتدت على ضابط؟

دخل عليه المقدم حسام، زميله في الخدمة، ولاحظ إن عمر مش على طبيعته.

قال له:

«عمر، إنت كويس؟»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى