قصص وروايات

الجزء الثاني والثالث بقلم محمد عبده

رد عمر وهو بيلبس سترته:

«أمي في قسم شرطة دمنهور، واتعرضت لاعتداء، والضابط اللي عمل كده بيحاول يلفق لها قضية».

اتغير وش حسام.

«طب إنت مستني إيه؟ نبلغ الجهات المختصة ونخليها تتكشف طبيًا فورًا».

هز عمر راسه.

«ده اللي هنعمله. أنا مش عايز حد يتصرف خارج القانون. عايز أمي تخرج سليمة، واللي ظلمها يتحاسب بالأدلة».

اتصل عمر بالجهات المختصة، وطلب اتخاذ الإجراءات الرسمية اللازمة، وإثبات حالة والدته، والحفاظ على تسجيلات كاميرات المراقبة، وعدم العبث بأي دليل متعلق بالواقعة.

وبعدها تحرك ناحية دمنهور.

في قسم الشرطة، كان الرائد شريف الدمنهوري قاعد في مكتبه، ووشه متجهم.

كان بيتكلم في التليفون مع شخص اسمه اللواء فؤاد المنشاوي، أحد المسؤولين الكبار في المديرية.

قال شريف:

«يا فندم، الموضوع بدأ يكبر. الست طلعت أم ضابط قوات خاصة اسمه عمر عبد الرحمن».

رد فؤاد ببرود:

«وإيه يعني؟ إنت مش عارف تتصرف؟»

«أنا خايف الموضوع يوصل لجهات أعلى، خصوصًا إن فيه أمين شرطة شاف اللي حصل».

سكت فؤاد شوية، وبعدها قال:

«اسمعني كويس. إنت هتخلص المحضر الليلة، وتثبت إنها اعتدت عليك. وأي حد يفتح بقه، قوله إن عندك تعليمات رسمية».

ابتسم شريف.

«اعتبر الموضوع انتهى يا فندم».

لكن فؤاد أضاف جملة خلت شريف يسكت:

«وخلي بالك من اسم عمر عبد الرحمن. أنا أعرف الاسم ده كويس».

في الحجز، كانت الحاجة فاطمة بدأت تحس بدوخة شديدة.

قعدت مسنودة على الحيطة، وإيديها على صدرها.

عم رجب كان واقف بعيد، وبيحاول يلاقي طريقة يساعدها من غير ما شريف يشوفه.

قرب منها وهمس:

«يا حاجة فاطمة، إنتِ محتاجة دكتور. وشك شاحب جدًا».

ردت بصوت ضعيف:

«أنا مش عايزة غير ابني يا رجب. نفسي أشوفه وأطمنه إني لسه بخير».

قال لها:

«إن شاء الله هييجي، بس إنتِ لازم تستحملي».

فجأة، سمعوا صوت خطوات سريعة.

كان شريف داخل الحجز ومعاه ضابط تاني.

وقف قدام فاطمة وقال:

«إحنا جهزنا المحضر، وعايزينك تمضي هنا».

بصت للورقة.

كانت مكتوب فيها إنها اعتدت عليه، ومزقت ملابسه، وحاولت الاستيلاء على سلاحه أثناء تأدية عمله!

رفعت عينيها باستغراب.

«إيه الكلام ده؟ أنا معملتش حاجة من دي!»

رد شريف:

«وقعي وخلصينا».

«مش همضي على حاجة ماعملتهاش».

قرب منها وقال بتهديد:

«يبقى هتفضلي هنا لحد ما تتعلمي الأدب».

ردت فاطمة رغم خوفها:

«أنا ست كبيرة، وربنا شايف كل حاجة. حتى لو الناس كلها ظلمتني، ربنا مش هيضيع حقي».

اتعصب شريف، وخبط الورقة على الحديد.

«خلي ربنا يخرجك من هنا بقى!»

وفي اللحظة دي، ظهر عم رجب من آخر الممر وقال:

«يا فندم، الست تعبانة ومحتاجة مستشفى».

بص له شريف بغضب.

«إنت لسه بتتكلم؟ ارجع مكانك!»

لكن عم رجب المرة دي ما سكتش.

قال بصوت ثابت:

«أنا مش هقدر أسيب ست في السن ده حالتها تسوء قدامي. دي مسؤولية، وأنا مش هتحمل ذنبها».

شريف قرب منه وهدده:

«إنت كده بتدخل نفسك في مشكلة كبيرة».

رد رجب:

«المشكلة الكبيرة إننا نعرف إن حد مظلوم ونسكت».

في نفس الوقت، وصلت عربية عمر إلى مدخل مدينة دمنهور.

كان عمر قاعد جنب السائق، بيتابع تليفونه باستمرار، مستني أي اتصال جديد.

وفجأة وصلته رسالة من رقم مجهول.

فتحها.

كانت عبارة عن صورة لوالدته وهي قاعدة داخل الحجز، ووشها عليه آثار إصابات واضحة.

وتحت الصورة مكتوب:

«لو عايز تنقذ أمك، ابعد عن الموضوع. الضابط شريف مش لوحده».

قبض عمر إيده بقوة.

عرض الرسالة على حسام.

قال حسام:

«لازم نحتفظ بالرسالة ونثبت مصدرها، دي ممكن تكون دليل تهديد».

رد عمر:

«هنعمل كده. لكن أنا لازم أشوف أمي الأول».

بعد دقائق، وصلوا قدام قسم الشرطة.

نزل عمر من العربية، وكان لابس ملابس مدنية، لكنه احتفظ ببطاقته الرسمية.

دخل من البوابة الرئيسية بهدوء.

كان العسكري الموجود على الباب مشغولًا بالتليفون، ولما رفع عينيه وسأله:

«أفندم، حضرتك جاي لمين؟»

رد عمر:

«أنا جاي أسأل عن والدتي، الحاجة فاطمة عبد الرحمن».

العسكري راجع الأسماء، وبعدها قال:

«آه، الست اللي متهمة بالاعتداء على ضابط؟ موجودة في الحجز».

عمر بص له بهدوء.

«أنا ابنها. وعايز أقابل المسؤول عن الواقعة».

العسكري دخل يكلم شريف.

وبعد أقل من دقيقة، خرج شريف بنفسه.

أول ما شاف عمر، ابتسم ابتسامة ساخرة.

«أهلًا وسهلًا. إنت بقى ابن الحاجة فاطمة؟»

رد عمر:

«أيوه، فين أمي؟»

شريف شبك إيديه وقال:

«والدتك متهمة بالاعتداء على ضابط شرطة، والإجراءات القانونية ماشية».

عمر سأله:

«ممكن أعرف سبب إصاباتها؟»

ضحك شريف.

«أمك قاومت القبض عليها ووقعت على الأرض. إحنا ماعملناش حاجة».

عمر أخرج موبايله وفتح الصورة اللي وصلته.

«والكدمات دي حصلت من الوقوع؟»

اختفت الابتسامة من وش شريف للحظة، لكنه تمالك نفسه بسرعة.

«إنت جاي تعلمني شغلي؟»

رد عمر:

«أنا جاي أشوف أمي، وأطلب إثبات حالتها طبيًا، والحفاظ على تسجيلات الكاميرات. وعايز أعرف مين المسؤول عن تحرير المحضر».

شريف قرب منه وقال بصوت منخفض:

«اسمع يا عمر، إنت في قسم أنا المسؤول عنه. بلاش تستغل شغلك العسكري عشان تعمل مشاكل».

عمر رد بنفس الهدوء:

«وأنا مش بستغل شغلي. أنا بطلب حقي وحق أمي بالقانون».

في اللحظة دي، خرج اللواء فؤاد المنشاوي من مكتبه.

كان سمع جزءًا من الحوار، ولما شاف عمر، وقف مكانه.

بص له من فوق لتحت وقال:

«إنت عمر عبد الرحمن؟»

رد عمر:

«أيوه يا فندم».

اقترب فؤاد منه، ومد إيده للسلام، لكن عمر لاحظ إن وشه متوتر.

قال اللواء:

«أنا سمعت عنك. ضابط محترم، ومش عايزين الموضوع يكبر. إحنا هنحل المشكلة ودي».

رد عمر:

«أنا مش جاي أعمل مشكلة يا فندم. أنا جاي أطمئن على أمي، وبعدها التحقيق ياخد مجراه».

ابتسم فؤاد ابتسامة مصطنعة.

«تمام. اتفضل معايا المكتب».

لكن قبل ما يتحرك عمر، سمع صوت امرأة من خلفه بتقول:

«استنى يا أستاذ عمر… فيه حاجة لازم تعرفها».

التفت الجميع.

كانت سيدة في أواخر الخمسينات، واقفة عند باب القسم، وبتضم شنطة صغيرة لصدرها.

بصت ناحية شريف بخوف، وبعدها قالت:

«أنا كنت موجودة يوم ما والدتك اتضربت، ومش دي أول مرة يعمل فيها كده».

اتجمد شريف في مكانه.

اللواء فؤاد حاول يقاطعها:

«إنتِ مين وداخلة هنا ليه؟»

لكن السيدة رفعت إيدها وقالت:

«أنا اسمي منى السيد، وكنت شاهدة على وقائع كتير حصلت في القسم ده. ومعايا تسجيلات تثبت إن الرائد شريف بيلفق قضايا للناس، وبيجبرهم يمضوا على اعترافات ماقالوهاش».

عمر بص لها بتركيز.

«معاكي التسجيلات فين؟»

فتحت شنطتها، وطلعت فلاشة صغيرة.

وقالت جملة خلت اللواء فؤاد يفقد لونه:

«التسجيلات دي مش بتدين شريف لوحده… دي فيها صوت حضرتك كمان يا فندم، وإنت بتديله التعليمات».

ساد الصمت في المكان.

شريف بص لفؤاد، وفؤاد بص لشريف.

أما عمر، فكان عارف إن القضية اللي بدأت باعتداء على أمه، ممكن تكشف شبكة فساد أكبر بكتير.

لكن قبل ما منى تسلمه الفلاشة، انفتح باب القسم بعنف، ودخل شخصان بملابس مدنية.

واحد منهم قرب منها وانتزع الشنطة من إيدها.

صرخت منى:

«حرام عليكم! دي أمانة، ومش هسكت!»

حاول عمر يتدخل، لكن الشخص التاني أخرج بطاقة رسمية وقال:

«محدش يتحرك! إحنا جايين بأمر من جهة التحقيق».

نظر عمر إلى البطاقة، ثم إلى منى، التي بدأت تبكي.

وفي اللحظة دي، همست له:

«يا أستاذ عمر… الفلاشة اللي معاهم مش الأصلية. أنا خبّيت النسخة الأصلية في مكان محدش يعرفه غير شخص واحد… وهو موجود جوه القسم!»

مين الشخص اللي معاه النسخة الأصلية؟ وهل هيقدر عمر ينقذ أمه ويكشف شبكة الفساد قبل ما يضيع الدليل؟

يتبع في الجزء الرابع…

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى