روايات وقصص

الجزء الرابع والاخير بقلم محمد عبده

### الجزء الرابع: الشاهد اللي محدش كان متوقعه

وقف الرائد عمر عبد الرحمن مكانه، وعينيه بتتنقل بين السيدة منى واللواء فؤاد المنشاوي.

كان واضح إن فيه حاجة أكبر من مجرد ضابط بيستغل سلطته، وإن اللي بيحصل جوه القسم متخطط له من فترة طويلة.

قرب عمر من منى وسألها بصوت منخفض:

«مين الشخص اللي معاه النسخة الأصلية؟»

منى بصت حواليها بخوف، وبعدها قالت:

«عم رجب… العسكري الكبير اللي شغال في القسم من سنين».

عمر استغرب.

«عم رجب؟»

هزت راسها.

«أيوه. هو الوحيد اللي كان بيساعدني أجمع الأدلة. عنده تسجيلات لشريف وهو بيهدد الناس وبيطلب منهم فلوس مقابل إنه يغير محاضر القضايا».

قبل ما تكمل كلامها، تدخل اللواء فؤاد بعصبية:

«الكلام ده كله اتهامات باطلة! خدوا الست دي على مكتب التحقيق، ومحدش يتكلم من غير إذن».

لكن عمر وقف قدامه وقال:

«محدش هيتعرض لأي شاهد أو يضغط عليه. فيه جهات مختصة تقدر تتحقق من الكلام ده».

ابتسم فؤاد بسخرية.

«إنت فاكر نفسك تقدر تفرض أوامر هنا؟»

رد عمر:

«أنا مش بفرض أوامر على حد. أنا بطلب تطبيق القانون، وده حق والدتي وحق أي مواطن».

في اللحظة دي، دخل ضابط من قوة تابعة لجهة رقابية مختصة، وكان معاه خطاب رسمي.

قال بصوت واضح:

«بناءً على البلاغات المقدمة، مطلوب الحفاظ على كل سجلات القسم وتسجيلات المراقبة، وعدم السماح لأي شخص بالعبث بالأدلة لحين انتهاء الفحص».

اتغير وش شريف تمامًا.

أما فؤاد، فحاول يخفي ارتباكه.

في الحجز، كانت الحاجة فاطمة حالتها بتسوء.

عم رجب قرب منها وقال:

«يا حاجة، ابنك وصل القسم، وأنا متأكد إنه مش هيسيب حقك».

رفعت عينيها بصعوبة.

«عمر جه؟»

«أيوه يا حاجة، موجود بره».

نزلت دمعة من عينها، وقالت:

«الحمد لله… كنت عارفة إنه مش هيسيبني».

لكن فجأة، حطت إيدها على صدرها وقالت:

«يا رجب، أنا حاسة بدوخة، ومش قادرة آخد نفسي».

عم رجب اتخض ونادى على العسكري.

«افتحوا الحجز بسرعة! الست لازم تروح المستشفى فورًا».

سمع شريف صوته من المكتب وخرج غاضبًا.

«إيه الدوشة دي؟»

رد رجب بعصبية لأول مرة:

«الست تعبانة جدًا، ولازم تتنقل للمستشفى».

شريف قال ببرود:

«استنى لما الإجراءات تخلص».

لكن عم رجب رد:

«مفيش إجراءات أهم من حياة إنسانة!»

كانت دي أول مرة حد في القسم يواجه شريف بالطريقة دي.

حاول شريف يقرب منه، لكن فجأة ظهر عمر عند باب الممر.

«افتحوا الحجز فورًا».

بص له شريف وقال:

«إنت مش هتدخل هنا من غير إذن».

عمر رفع بطاقته الرسمية وقال:

«أنا مش داخل أفتش ولا أحقق. أنا بطلب إسعاف لوالدتي، وفيه جهة مختصة موجودة بالفعل لمتابعة الواقعة».

في اللحظة دي، صدر توجيه بنقل الحاجة فاطمة للمستشفى فورًا.

دخل عمر الحجز، وأول ما شاف أمه، حس إن قلبه اتقبض.

كانت قاعدة على الأرض، ووشها شاحب، وطرحتها متقطعة من طرفها، وعلى خدها جرح واضح.

جري عليها ونزل على ركبته قدامها.

«أمي… يا حبيبتي، أنا هنا».

رفعت إيدها ولمست وشه.

«إنت جيت يا عمر؟»

مسك إيدها وباسها.

«جيت يا أمي، ومش هسيبك تاني».

بدأت تعيط وقالت:

«أنا كنت خايفة ما أشوفكش تاني».

رد عليها والدموع في عينيه:

«بعد الشر عليكي. إنتِ هتعيشي وتفضلي فوق راسي العمر كله».

خرجت الحاجة فاطمة على نقالة، وعمر ماشي جنبها لحد عربية الإسعاف.

قبل ما الباب يتقفل، مسكت إيده وقالت:

«يا عمر، أوعى تظلم حد زي ما ظلمني. أنا عايزة حقي، بس مش عايزة حد يتأذى بسببي».

بصلها عمر وقال:

«ده اللي هنعمله يا أمي. كل حاجة بالقانون».

في المستشفى، وبعد الكشف عليها، أكد الأطباء وجود إصابات وكدمات متعددة، وطلبوا إجراء فحوصات إضافية للاطمئنان على حالتها.

فضل عمر جنبها لحد ما استقرت حالتها.

وبعدها خرج للممر، واتصل بحسام.

«إيه الأخبار؟»

رد حسام:

«فيه تطور مهم. الجهة المختصة بدأت تفحص تسجيلات الكاميرات، واكتشفوا إن فيه مقاطع اتحذفت بالفعل من النظام الرئيسي».

عمر سأله:

«والنسخة الاحتياطية؟»

«لسه بيفحصوا أجهزة التسجيل، لكن عندنا شاهد مهم جدًا».

«مين؟»

«عم رجب. وافق يدلي بأقواله رسميًا، وقال إنه معاه أدلة قديمة على وقائع مشابهة».

عمر سكت لحظة.

«خليه يحافظ على الأدلة، ومحدش يستلم منه أي حاجة من غير إثبات رسمي».

في قسم الشرطة، كان عم رجب قاعد في غرفة التحقيق، وبيحكي كل اللي شافه خلال السنين الماضية.

قال:

«أنا شغال هنا من خمسة وعشرين سنة. شوفت ناس كتير بتدخل القسم مظلومة، وناس بتخرج وهي مش عارفة تدافع عن نفسها. في الأول كنت بخاف أتكلم، لكن لما شفت الحاجة فاطمة وهي بتتعامل بالطريقة دي، حسيت إني لازم أقول الحقيقة».

سأله المحقق:

«هل عندك مستندات أو تسجيلات؟»

رد رجب:

«أيوه. عندي نسخة من تسجيل قديم، وكمان دفتر صغير كنت بسجل فيه تواريخ الوقائع وأسماء الناس اللي اتعرضت للتهديد».

«والنسخة الأصلية موجودة فين؟»

تردد رجب قليلًا، وبعدها قال:

«في دولاب قديم في بيتي، لكن فيه حاجة أهم من التسجيلات».

«إيه هي؟»

رد رجب:

«فيه محضر قديم اتقفل من غير تحقيق، وكان متعلق بوفاة شاب اسمه محمود السعدني. الشاب ده مات بعد ما اتقبض عليه، وأهله قالوا إنه اتعرض للضرب جوه القسم. وقتها الرائد شريف كان مسؤول عن النوبة، واللواء فؤاد تدخل عشان يقفل الموضوع».

المحقق رفع عينيه باستغراب.

«إنت متأكد من الكلام ده؟»

قال رجب:

«أنا كنت موجود، وعندي صورة من المحضر الأصلي قبل ما يتغير».

في نفس الوقت، كان اللواء فؤاد المنشاوي قاعد في مكتبه، وبيتكلم في التليفون بعصبية.

«الموضوع خرج عن السيطرة. عمر وصل، ومنى بدأت تتكلم، ورجب مستعد يشهد».

جاءه صوت الرجل الآخر:

«يبقى لازم تعرف مين اللي سرب المعلومات».

رد فؤاد:

«أنا مش عارف، لكن واضح إن فيه حد من جوه بيساعدهم».

قال الرجل:

«اسمع، ملف محمود السعدني لازم يختفي. لو الملف ده ظهر، مش هتكون المشكلة في شريف لوحده».

قفل فؤاد المكالمة، وفتح درج مكتبه، وطلع منه ملف قديم مكتوب عليه اسم محمود السعدني.

قلب في الأوراق بسرعة، وبعدها وقف عند صورة شاب في منتصف العشرينات.

كان الشاب مبتسمًا، وواقف جنب والدته.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الملف.

كان فيه تقرير قديم يحمل توقيع شخص يعرفه عمر جيدًا.

شخص كان يثق فيه، وكان يعتبره من أقرب الناس لعائلته.

في المستشفى، رجع عمر لأمه، ولقاها صاحية.

قالت له:

«يا عمر، أنا عايزة أحكيلك حاجة».

قعد جنبها وقال:

«اتفضلي يا أمي».

قالت وهي بتفكر:

«وأنا في القسم، سمعت شريف بيتكلم مع حد في التليفون. كان بيقول له إن الست دي لازم تفضل ساكتة، وإن ابنها لو عرف الحقيقة القديمة هيفتح عليهم باب مش هيعرفوا يقفلوه».

عمر قرب منها.

«حقيقة قديمة إيه يا أمي؟»

هزت راسها.

«مش عارفة يا ابني، بس فيه اسم سمعته أكتر من مرة».

«إيه الاسم؟»

نظرت إليه وقالت ببطء:

«محمود السعدني».

اتجمد عمر مكانه.

لأن محمود السعدني ماكانش اسم غريب عليه.

ده كان اسم صديق قديم لأخوه الراحل، وكان عمر فاكر إن الشاب سافر من البلد من سنين طويلة.

لكن عمر ماكانش يعرف إن محمود مات في ظروف غامضة، وإن القضية اللي اتقفلت زمان ممكن تكون مرتبطة بالفساد اللي اكتشفوه النهارده.

وفي اللحظة دي، وصلته رسالة على تليفونه من رقم مجهول.

فتحها، فوجد صورة للملف القديم، وتحتها جملة واحدة:

«لو عايز تعرف مين قتل محمود السعدني، اسأل اللواء فؤاد عن الشخص اللي وقّع التقرير».

رفع عمر عينيه ناحية باب غرفة أمه.

كان فيه شخص واقف بره، بيراقبه من خلف الزجاج.

ولما لاحظ إن عمر شافه، اختفى بسرعة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى