
حماتي طردت بنتي ذات الـ7 سنين من حفلة عيد ميلاد جوزي، وقالت إن السفرة «لأولاده الحقيقيين»… ولما بنتي سألت أبوها: «بابا، هو أنا مش بنتك بجد؟» رجّعها جوزي بإيده للترابيزة… لكن حماتي حاولت تنكر اللي عملته، وسؤال واحد هادي من جوزي خلّى هو وأبوه وشّهم يصفر…
الكرسي الفاضي
لما أدركت إن بنتي ليان مش موجودة في أوضة السفرة، كانت معظم شموع تورتة عيد ميلاد جوزي بدأت تميل شوية بسبب حرارة البيت.
كانت ليلة سبت في بداية شهر أكتوبر، والجو في الإسكندرية كان جميل بشكل يخلي الواحد يحس إن كل حاجة حواليه مثالية.
أوراق الأشجار كانت بتتمايل مع الهوا، والنسمة اللي داخلة من الشبابيك كانت شايلة ريحة خفيفة من الشوارع بعد يوم طويل، والبيت مليان بأصوات تجمع عائلي كبير؛ معالق بتخبط في الأطباق، وأطفال بيتخانقوا على آخر قطعة بيتزا، وكبار بيضحكوا بصوت أعلى من اللازم على حكايات سمعوها قبل كده عشرات المرات.
جوزي كريم كان بيتم عامه الواحد والأربعين.
كريم كان مهندس مدني، وطول حياته تقريبًا كان بيهرب من الاهتمام الزايد، وعشان كده عيد ميلاده المثالي بالنسبة له كان بسيط جدًا:
العيلة تكون موجودة في البيت، أكل كتير، من غير حجز في مطعم، ومن غير خطب وكلام طويل، والأهم… محدش يغني له «سنة حلوة يا جميل» أكتر من نص دقيقة.
لكن السنة دي، أهله أصروا إن عيد ميلاده لازم يكون مختلف.
حماتي نوال وصلت قبل كل الناس تقريبًا، شايلة ورد، وعلبتين حلويات، وكمية آراء وتعليقات كانت كفاية إنها تملأ باقي الليلة كلها.
كريم كان عنده طفلين من جوازه الأول.
مريم كانت عندها ستاشر سنة، طويلة وذكية وسريعة البديهة، وشعرها بني غامق زي أبوها، ونظرتها كانت كفيلة إنها تقول لك رأيها فيك قبل ما تنطق بكلمة.
أما يوسف، فكان عنده تلتاشر سنة، أهدى منها وأرق، ومن النوع اللي ممكن يلاحظ إن حد محتاج كرسي من غير ما يطلب منه.
وبعدين كانت ليان.
ليان كانت عندها سبع سنين.
هي بنتي من جوازي الأول، لكن من سنين، كلمة «بنتي» لوحدها بقت مش كفاية لوصف مكانتها في بيتنا.
كريم دخل حياة ليان وهي عندها تلات سنين.
في الوقت ده كانت لسه بتصدق إن الكبار يقدروا يحلوا أي مشكلة بلاصقة جروح، أو كوب لبن بالشيكولاتة، أو حكاية قبل النوم.
كريم عمره ما حاول ياخد مكان أبوها الحقيقي.
هو بس كان موجود.
يوم ورا يوم.
لحد ما وجوده نفسه بقى نوع من الأبوة.
كان بيجهز لها سندوتشات المدرسة لما أكون خارجة بدري للشغل.
واتعلم يعمل لها ضفيرة، رغم إن أول كام محاولة كانت كارثية، لمجرد إنها قالت له مرة:
«كل البنات في فصلي عندهم حد بيعرف يعمل لهم شعرهم.»
كان بيروح معاها اجتماعات المدرسة.
ويقعد يستناها بره درس الرقص وهو ماسك كتاب.
وكان عارف بالظبط أنهي أرنب لعبة لازم يكون جنبها لما تتعب.
ولما ليان بدأت تناديه «بابا» من نفسها، كريم دخل الجراج بعدها وقعد لوحده حوالي عشر دقايق، لأنه ماكانش عايزها تشوفه وهو بيعيط.
عشان كده، في بيتنا مكنش فيه تصنيفات.
مفيش «ابنه» و«بنت مراته».
كان عندنا تلات أطفال.
وبس.
لكن للأسف، حماتي عمرها ما تقبلت الفكرة دي بالكامل.
نوال نادرًا ما كانت بتكون قاسية بشكل واضح.
ولو كانت كذلك، يمكن كنا فهمنا المشكلة من بدري.
لكنها كانت متخصصة في الحاجات الصغيرة جدًا.
الفرق البسيط اللي ممكن محدش ياخد باله منه لو مش مركز.
مريم كانت بتاخد بلوفر متختار بعناية في عيد ميلادها.
أما ليان، فكانت غالبًا بتاخد لعبة أشغال يدوية من أي محل قريب.
يوسف كان بياخد حضن طويل أول ما نوصل في العيد.
أما ليان، فكانت بتاخد تربيتة سريعة على كتفها، ومعاها ابتسامة مصطنعة.
نوال كانت بتحط صور مريم ويوسف في براويز فوق البيانو.
لكن بطريقة غريبة، عمرها ما لقت مكان لصورة ليان.
ولو واجهناها، كانت على طول تظهر بمظهر الست المظلومة.
كانت تقول لي:
«يا حبيبتي، إنتِ اللي بتدوري على مشاكل مش موجودة.»
أو تلتفت لكريم وتتنهد:
«طبعًا أنا بحبها… إنت عارف كده.»
وكريم كان صحح لها أكتر من مرة.
في عيد الشكر السنة اللي فاتت، بعد ما ليان أخدت كتاب تلوين بسيط، بينما مريم ويوسف فتحوا هدايا ملفوفة مخصوص من حماتي، كريم خرج مع أمه لحد باب البيت.
وأنا كنت واقفة عند شباك المطبخ وببص عليهم من بعيد تحت نور الشرفة.
صوته كان هادي.
زي عادته.
قال لها:
«إنتِ مش لازم تكوني موافقة على كل قرار أنا أخدته في حياتي. لكن ليان طفلة. لو عندك مشكلة مع جوازي، اتكلمي معايا أنا. إنما مش هسمح إنك تخليها تدفع تمن حاجة هي مالهاش ذنب فيها.»
حماتي بدأت تعيط فورًا.
وقالت:
«أنا مستحيل أأذي البنت دي.»
كريم فضل باصص لها كام ثانية قبل ما يرد:
«يبقى خلي تصرفاتك تثبت كلامك… خصوصًا لما محدش يكون شايفك.»




