
لحوالي تلات شهور، حماتي بقت حريصة جدًا.
جابت لليان هدية محترمة في عيد ميلادها.
بقت تسألها عن المدرسة.
وفي غدا عائلي، حتى إنها احتفظت لها بقطعة المافن بالتوت اللي بتحبها.
وأنا حبيت أصدق إنها اتغيرت.
وكريم كان نفسه يصدق أكتر مني.
ولما جه عيد ميلاده، كنت تقريبًا أقنعت نفسي إن يمكن فعلًا بعض الناس بتتغير لما تفهم إن في حاجات مينفعش تتكسر.
لكن بعدها…
لاحظت الكرسي الفاضي.
كوباية ليان الورق كانت لسه نصها مليان.
وقطعة بيتزا بالجبنة على شكل مثلث كانت موجودة في طبقها من غير ما تلمسها.
حتى منديلها البنفسجي كانت حاطاه جنب الشوكة في شكل مستطيل مرتب، زي ما كانت دايمًا بتعمل، لأنها من فترة قررت إن المطاعم الفخمة بتعمل المناديل بالطريقة دي.
مريم ويوسف كانوا قاعدين وسط أولاد العيلة على السفرة الطويلة.
لكن ليان…
ماكانتش موجودة.
دورت عليها في الحمام الأول.
وبعدين في أوضة المعيشة.
وبعدين طلعت الدور اللي فوق.
ناديـت عليها بهدوء:
«ليان؟ حبيبتي؟»
مفيش رد.
بدأ قلبي يدق أسرع.
نزلت تاني بسرعة، وبصيت ناحية الباب، وبعدين ناحية المطبخ.
وفي اللحظة دي، لقيت كريم واقف مكانه وبيبص ناحية أمه.
وشه كان متغير.
وكأن حاجة حصلت من غير ما حد يقوله.
وقبل ما أسأله، سمعت صوت ليان جاي من آخر طرقة في البيت.
كان صوتها واطي ومكسور.
قالت:
«بابا… أنا عملت إيه؟»
اتجمد كريم مكانه.
ومريم رفعت عينيها من على طبقها.
أما حماتي…
فحطت الكوباية اللي في إيدها على السفرة ببطء شديد.
كريم مشي ناحية الصوت.
وأنا مشيت وراه.
ولما وصلنا لليان، كانت واقفة لوحدها جنب باب الشقة، ماسكة دبدوبها الصغير بإيديها الاتنين، ودموعها نازلة من غير صوت.
بصت لأبوها وقالت الجملة اللي خلت البيت كله يسكت:
«بابا… جدتي قالت إن الكرسي ده مش ليا… عشان السفرة لأولادك الحقيقيين.»
كريم ما ردش.
بس مد إيده لها.
مسكت إيده فورًا.
ومشى بيها ناحية السفرة.
وكل خطوة كان بيعملها، كانت حماتي بتبص لأبو جوزي، وأبو جوزي يبص لها.
لحد ما كريم وقف قدام السفرة.
وحط ليان في الكرسي اللي كان فاضي.
وبعدين رفع عينه ناحية أمه وقال بهدوء مخيف:
«ماما… قولي قدام الكل بالضبط إنتِ قلتي لها إيه.»
حماتي شهقت وقالت:
«أنا؟! أنا ماقلتش أي حاجة من دي!»
كريم فضل ساكت ثواني.
ثم سأل سؤال واحد بس.
السؤال اللي خلّى وش أمه وأبوه يتحول للون الأبيض…
«طيب، لو إنتِ ماقلتيش لها كده… مين اللي قال لليان إن مكانها مش على السفرة؟»
أكيد، نكمل من نفس اللحظة وبنفس الأسلوب، مع الحفاظ على الأسماء الجديدة والمكان المصري.
سادت لحظة صمت تقيلة على السفرة.
محدش اتحرك.
حتى الأطفال اللي كانوا بيتخانقوا من شوية على آخر قطعة بيتزا، سكتوا وبقوا بيبصوا لكريم.
حماتي نوال بلعت ريقها، وبصت لجوزها بسرعة، كأنها مستنية منه يتدخل وينقذها.
لكن أبو جوزي، حسن، فضل ساكت.
كريم كان واقف جنب ليان، وإيده لسه ماسكة إيدها.
قال مرة تانية، بنفس الهدوء:
«أنا سألت سؤال بسيط يا ماما… لو إنتِ ماقلتيش الكلام ده، مين اللي قاله؟»
نوال هزت راسها بسرعة.
«أنا ماقلتش لها حاجة! البنت فهمت كلامي غلط.»
ليان بصت لها ببراءة.
«أنا ما فهمتش غلط يا جدتي.»
صوتها كان ضعيف، لكنه واضح.
نوال ردت بعصبية:
«يا ليان، أنا كنت بهزر معاكي!»
كريم لف ناحيتها فورًا.
«هزار؟»
نوال سكتت.
«إنتِ شايفة إن طفلة عندها سبع سنين تمشي من على سفرة عيد ميلاد أبوها وهي بتعيط… ده هزار؟»
«أنا ما طردتهاش!»
«أمال إيه اللي حصل؟»
نوال فتحت بوقها، لكنها ماعرفتش ترد.
هنا مريم، بنت كريم الكبيرة، حركت الكرسي بتاعها للخلف وقالت:
«أنا شفت اللي حصل.»
كل العيون اتجهت لها.
حماتي اتوترت.
«مريم، إنتِ مش فاهمة الموضوع.»
مريم ردت بهدوء:
«فاهمة.»
بصت لأبوها وقالت:
«جدتي قالت لليان إن الكراسي دي لأولاد بابا.»
وبعدين أشارت ناحية نفسها وناحية يوسف.
«قالت لها إن أنا ويوسف هنقعد هنا، وإن هي ممكن تاكل في المطبخ مع الأطفال الصغيرين.»
شهقت من غير ما أحس.
كنت عارفة إن حماتي بتحب تعمل فروق بين الأطفال، لكن سماع الكلام بصراحة كان مختلف تمامًا.
كريم بص لمريم.
«وإنتِ عملتي إيه؟»
مريم نزلت عينيها.
«قلت لها تقعد مكاني.»
يوسف تدخل بصوت خافت:
«وأنا كمان قلت لها تقعد جنبي.»
بصيت لحماتي.
«يبقى ليه ليان كانت لوحدها بره؟»
نوال ردت بسرعة:
«لأنها كانت بتعمل دوشة!»
كريم ضحك ضحكة قصيرة، لكن ماكانش فيها أي فرحة.
«بتعمل دوشة؟»
«آه.»
«كل الأطفال كانوا بيعملوا دوشة.»
«بس هي كانت بتجري.»
مريم قاطعتها:
«أنا ويوسف كنا بنجري أكتر منها.»
حماتي رمقتها بنظرة غضب.
«إنتِ مالك؟»
مريم ردت:
«مالي؟ دي أختي.»
الجملة وقعت على السفرة كأنها حاجة تقيلة.
أختي.
كريم بص لبنته، وبعدها بص لليان.
عينيه لمعت.
لكنه رجع وبص لأمه.
«سمعتي؟»
نوال بدأت تدافع عن نفسها:
«أنا مش قصدي حاجة وحشة! أنا بس شايفة إن لازم كل واحد يعرف مكانه.»
كريم قرب خطوة منها.
«مكانه؟»
«آه.»
«يعني ليان مكانها فين؟»
نوال سكتت.
كريم كرر:
«فين مكان بنتي؟»
هنا حماتي انفجرت:
«هي مش بنتك يا كريم!»
البيت كله اتجمد.
أنا حسيت إن نفسي اتقطع.
ليان بصت لأبوها.
أما كريم…
ففضل واقف ساكت.
ثواني طويلة.
ثم قال:
«إيه؟»
نوال حاولت تتراجع:




