عام

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني

بعد ما قفلت المكالمة مع الأستاذ محمود السيوفي، محاميّ القديم، فضلت قاعدة على طرف السرير، وببص للحيطة اللي مليانة رطوبة.

الغريب إني ماكنتش زعلانة زي ما كنت متوقعة. يمكن لأن الصدمة الكبيرة ساعات بتخلي الإنسان يشوف الحقيقة اللي كان بيهرب منها سنين.

بعد حوالي ساعة، سمعت خبط على الباب.

كان أحمد.

— يا أمي، إنتِ نمتي؟

رديت بهدوء:

— لأ يا حبيبي، ادخل.

فتح الباب وبص لي، وبعدها قال:

— بصي يا أمي، إحنا مش عايزينك تزعلي من موضوع الأوضة. إحنا بس بنحاول ننظم حياتنا، وإنتِ عارفة إن رانيا بتحب النظام والهدوء.

ابتسمت وسألته:

— طيب يا أحمد، هو أنا بقيت مصدر إزعاج ليكم؟

اتوتر شوية وقال:

— لا طبعًا، إنتِ أمي، بس كل واحد لازم يكون له خصوصيته.

قلت له:

— عندك حق يا ابني، الخصوصية مهمة.

واضح إنه ارتاح من ردي، وقبل ما يخرج قال:

— بالمناسبة، بكرة عندنا ضيوف مهمين، وياريت ماتخرجيش من الأوضة وقت ما يكونوا موجودين.

الكلام ده وجعني أكتر من أي إهانة سمعتها.

حتى خروجي من أوضتي بقى محتاج إذن!

خرج أحمد، وبعده بدقائق سمعت صوت رانيا وهي بتضحك في الصالة وبتتكلم في التليفون:

— أيوه يا حبيبتي، أخيرًا خلصنا من دوشة الحاجات القديمة. البيت بقى تحفة، وحتى حماتي بقينا حاطينها في مكان بعيد عن الضيوف.

ماقدرتش أسمع أكتر.

تاني يوم الصبح، جه الأستاذ محمود السيوفي ومعاه ملف كبير.

استقبلته في الأوضة، ولما شاف المكان، بص لي باستغراب.

— إيه اللي حصل يا أستاذة فاطمة؟ إنتِ إزاي سايبة نفسك في المكان ده؟

قلت له:

— خلينا في المهم يا أستاذ محمود. أنا عايزة أعرف حقي فين.

فتح الملف وبدأ يراجع الأوراق.

وبعد دقائق، رفع رأسه وقال:

— أول حاجة لازم تعرفيها إن البيت مسجل باسمك وحدك، وعندنا كل المستندات الرسمية اللي تثبت ملكيتك.

هزيت رأسي.

قال:

— كمان المبلغ اللي حولتيه لابنك، عندنا إثبات التحويل البنكي. وده معناه إن لازم نراجع سبب التحويل وطبيعته، خصوصًا إنك بتقولي إنه كان مساهمة منك في التجديد، مش تنازل عن ملكية البيت.

سألته:

— يعني يقدر يطلعني من بيتي؟

رد بحزم:

— مافيش حد يقدر يتصرف في ملكك لمجرد إنه ساكن معاكي، وهنحدد الإجراءات القانونية المناسبة لاسترداد حقك.

لكن فجأة، الأستاذ محمود وقف عند ورقة معينة، ووشه اتغير.

— فاطمة هانم، فيه حاجة تانية لازم أسألك عنها.

— خير يا أستاذ محمود؟

— إنتِ كنتِ ماضية أي توكيل لابنك أحمد خلال الفترة اللي فاتت؟

فكرت شوية، وبعدها افتكرت موقف حصل من حوالي سنة.

أحمد كان جاي لي بورق وقال إن البنك محتاج تحديث بيانات، وإنه محتاج توقيعي عشان يساعدني في بعض الإجراءات.

وقتها كنت واثقة فيه، ومضيت على الورق من غير ما أقرأ كل التفاصيل.

قلت للمحامي:

— أيوه، بس هو قال لي إنه إجراء عادي.

الأستاذ محمود سكت لحظات، وبعدها طلب مني أجيب أي صورة من الورق اللي مضيت عليه.

فتحت دولابي القديم وبدأت أدور وسط الأوراق، لحد ما لقيت صورة مستند كنت محتفظة بيها من غير ما أعرف أهميتها.

ناولته الورقة.

قرأها بتركيز، وبعدها قال:

— كويس جدًا إنك احتفظتي بالصورة دي. لازم نراجع التوكيل ونتأكد من نطاقه، وهل اتعمل بيه أي تصرفات تخص البيت أو حساباتك.

حسيت إن الموضوع أكبر مما كنت متخيلة.

لكن قبل ما أسأله عن أي حاجة، سمعنا صوت رانيا من بره:

— يا أحمد! إنت سايب مامتك تستقبل ناس في الأوضة دي ليه؟ إحنا اتفقنا إن محدش يدخل لها!

الأستاذ محمود بص لي، وأنا رفعت إيدي وقلت له بهدوء:

— ماتقلقش، خلينا نكمل كلامنا.

وبعد دقائق خرج المحامي، لكنه قبل ما يمشي قال لي:

— فاطمة هانم، ماتواجهيش ابنك دلوقتي. سيبيني أراجع الأوراق الأول، وأي تصرف لازم يكون قانوني ومدروس.

في نفس اليوم بالليل، أحمد دخل الأوضة ومعاه ورقة.

قال لي:

— يا أمي، محتاجين توقيعك على حاجة بسيطة.

بصيت للورقة وسألته:

— إيه دي؟

رد بسرعة:

— مجرد إجراء عشان نثبت إننا مسؤولين عن البيت ومصاريفه، وده هيسهل علينا التعامل مع أي حاجة تخص الصيانة والفواتير.

ابتسمت وقلت:

— سيبها يا أحمد، هقراها بكرة.

اتغيرت ملامحه.

— هو إنتِ مش واثقة فيا يا أمي؟

رفعت عيني وبصيت له طويلًا.

— الثقة يا ابني مش معناها إن الواحد يمضي على أي ورقة من غير ما يقراها.

خد الورقة بعصبية وخرج.

وبعد حوالي نص ساعة، سمعت رانيا بتتكلم معاه بصوت عالي:

— أنا مش فاهمة إنت مستني إيه! لازم تخلص موضوع البيت ده بسرعة. إحنا مش هنفضل عايشين تحت رحمتها طول العمر!

أحمد رد بصوت منخفض، لكن قدرت أسمعه:

— استني شوية، أنا هتصرف.

في اللحظة دي، عرفت إن الموضوع مش مجرد خلاف على أوضة أو سفرة.

كان فيه حاجة أكبر بيخططوا لها.

واللي ماكنتش أعرفه وقتها إن الأستاذ محمود، بعد مراجعة الأوراق، اكتشف تحويلات مالية غريبة حصلت من حسابي خلال الفترة اللي فاتت.

تحويلات أنا ماكنتش أعرف عنها أي حاجة!

وفي صباح اليوم التالي، اتصل بي المحامي وقال جملة واحدة خلت إيدي ترتعش:

— يا فاطمة، لازم تيجي مكتبي فورًا… لأننا اكتشفنا إن ابنك حاول يعمل إجراء بخصوص ملكية البيت من غير علمك.

لكن المفاجأة اللي كانت مستنياني في مكتب المحامي، إن أحمد ماكانش لوحده في الموضوع… كان فيه شخص تاني من العيلة بيساعده!

يتبع…

الجزء الثالث

طول الطريق لمكتب الأستاذ محمود، وأنا بفكر في كلامه.

إزاي ابني اللي ربيته وكبرته وحرمت نفسي من حاجات كتير عشانه، يوصل بيه الحال إنه يحاول يتصرف في بيتي من ورايا؟

وصلت المكتب، ولقيت المحامي مستنيني ومعاه ملف مفتوح على المكتب.

قال لي:

— اتفضلي يا فاطمة هانم، اقعدي. أنا راجعت التوكيل اللي مضيتي عليه، وكمان راجعت بعض المستندات المتعلقة بالبيت.

قعدت وقلبي بيدق بسرعة.

طلع ورقة وقال:

— ابنك أحمد حاول يستخدم التوكيل في إجراءات تخص العقار، لكن الحمد لله مافيش نقل ملكية تم. إحنا محتاجين نتحرك بسرعة عشان نحافظ على حقوقك.

سألته:

— يعني كان ناوي يبيع البيت؟

رد بحذر:

— فيه استعلامات وإجراءات اتعملت، لكن لسه بنتأكد من الهدف النهائي منها.

وبعدين طلع ورقة تانية.

— فيه كمان تحويلات مالية من حسابك، بعضها اتعمل بعد ما اديتي ابنك فلوس التجديد.

بصيت للأرقام، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا.

كان فيه مبالغ اتسحبت على فترات، وأنا ماكنتش فاكرة إني وافقت عليها.

قلت له:

— أنا عمري ما سحبت الفلوس دي!

رد المحامي:

— عشان كده لازم نراجع البنك ونطلب كشف حساب تفصيلي، ونتأكد مين نفّذ العمليات دي وبأي صفة.

سألته:

— طب والشخص التاني اللي قلت لي عليه؟

قلب صفحة من الملف، وبعدها قال:

— للأسف، الشخص ده قريب منك جدًا.

بصيت له بقلق.

قال:

— مرات ابنك، رانيا.

ماقدرتش أتكلم.

كنت متوقعة إن رانيا مش بتحب وجودي، لكن ماكنتش متخيلة إنها ممكن تدخل في موضوع فلوسي وملكيتي.

رجعت البيت وأنا مقررة إني مش هواجه حد قبل ما أعرف الحقيقة كاملة.

أول ما دخلت، لقيت رانيا قاعدة في الصالة، بتتكلم في التليفون.

لما شافتني، قفلت المكالمة بسرعة.

— إنتِ كنتِ فين يا حماتي؟

قلت بهدوء:

— كنت بقضي مصلحة.

بصت لي من فوق لتحت وقالت:

— ياريت المرات الجاية تبلغينا، عشان مانفضلش قلقانين عليكي.

ابتسمت من غير ما أرد.

في المساء، أحمد جه لي ومعاه علبة حلويات.

قال:

— يا أمي، أنا حاسس إنك متغيرة معايا اليومين دول. إنتِ زعلانة مني؟

قلت له:

— لأ يا حبيبي، بس الواحد لما يكبر بيحب يراجع حساباته.

ضحك وقال:

— حسابات إيه بس؟ إنتِ طول عمرك قلبك أبيض.

وبعدين قعد جنبي وقال:

— على فكرة، إحنا بنفكر نعمل لك رحلة كام يوم تغيري جو. ممكن تروحي عند خالتك في دمنهور، وإحنا هنا نرتب شوية حاجات في البيت.

بصيت له باستغراب.

— وليه أسافر دلوقتي؟

اتدخلت رانيا من الصالة:

— عشان ترتاحي يا طنط، وإحنا كمان نخلص شوية ترتيبات من غير دوشة.

سألته:

— ترتيبات إيه؟

أحمد اتلخبط وقال:

— حاجات تخص البيت، ماتشغليش بالك.

هزيت رأسي وقلت:

— ربنا يسهلكم.

لكن جوايا كنت متأكدة إنهم مستعجلين على حاجة.

تاني يوم، اتصل بيا الأستاذ محمود وطلب مني أقابله مرة تانية.

لما وصلت، لقيته جايب نسخة من مستند جديد.

قال لي:

— فاطمة، إحنا اكتشفنا إن فيه محاولة للحصول على تمويل بضمان العقار، باستخدام أوراق وتوكيل قديم.

حسيت بصدمة كبيرة.

— يعني كانوا عايزين يرهنوا بيتي؟

قال:

— ده اللي بنراجعه حاليًا، ولازم نتحرك رسميًا قبل ما يحصل أي إجراء يضر بحقوقك.

سألته:

— وفلوسي اللي اختفت؟

قال:

— طلبنا مراجعة العمليات، ولسه مستنيين الرد التفصيلي.

وبعدين بص لي وقال:

— فيه حاجة كمان. الشخص اللي ساعد أحمد في الإجراءات دي مش رانيا بس.

سألته:

— مين كمان؟

فتح الملف وطلع ورقة فيها اسم.

كان اسم أخويا الأصغر، حسن!

حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.

حسن، أخويا اللي كنت بساعده وقت ما كان متعثر، واللي وقفت جنبه لما مراته تعبت، واللي كنت بعتبره سندي بعد وفاة جوزي.

قلت للمحامي بصوت مكسور:

— حسن كمان؟ ده أخويا!

رد بهدوء:

— أنا مش عايز أظلم حد، لكن اسمه موجود في مستندات لازم نفهم سبب وجوده فيها.

رجعت البيت وأنا مش قادرة أستوعب.

دخلت أوضتي وقفلت الباب، وفضلت أبص لصورة قديمة ليا أنا وحسن وأحمد، كنا واقفين فيها يوم تخرج ابني من الجامعة.

وقتها افتكرت كلام حسن من حوالي شهرين:

«يا فاطمة، إنتِ كبرتي، ومش لازم تفضلي شايلة مسؤولية كل حاجة لوحدك. خلي أحمد يتصرف في أمور البيت والفلوس، ده ابنك في الآخر».

دلوقتي فهمت ليه كان بيكرر الكلام ده.

لكن اللي حصل بعدها كان أغرب من كل اللي فات.

في اليوم التالي، رجعت من السوق ولقيت عربية نقل واقفة قدام البيت، وعمال بيشيلوا حاجات من أوضتي القديمة.

دخلت بسرعة وصرخت:

— إنتوا بتعملوا إيه؟!

رانيا خرجت من الصالة وقالت بكل برود:

— بننقل حاجاتك يا حماتي، عشان هنجهز الأوضة دي لمكتب أحمد.

بصيت لها وقلت:

— وأغراضي فين؟

ردت:

— هنحطها في المخزن، ماتقلقيش.

في اللحظة دي ظهر أحمد، وكان ماسك ظرف بني كبير.

قال لي:

— يا أمي، أنا كنت مستنيكي. فيه موضوع لازم نتفق عليه النهارده.

فتحت الظرف، وطلعت منه ورقة.

كانت ورقة مكتوب فيها إقرار بتنازلي عن بعض حقوقي المتعلقة بالبيت!

بصيت له، وبعدها بصيت لرانيا.

وقلت بهدوء شديد:

— هو إنت يا أحمد فاكر إني مش بعرف أقرا؟

وشه اتغير.

قلت وأنا برجع الورقة له:

— أنا مش همضي على حاجة قبل ما أفهمها.

أحمد رفع صوته لأول مرة:

— كفاية بقى يا أمي! إحنا تعبنا من المشاكل دي. البيت ده إحنا عايشين فيه، ومن حقنا نتصرف فيه!

ساعتها وقفت قدامه وقلت:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى