
الجزء الاخير
فضلت سلمى واقفة قدام الورق وقت طويل.
كانت بتقرا نفس الجملة للمرة العاشرة، لكن عقلها كان واقف عند سؤال واحد:
ليه؟
ليه عمر يدفع مبلغ كبير بالشكل ده علشان يمنعها من إثبات إن الطفلة بنته؟
لو هو فعلًا مش عايز مسؤولية، كان ممكن ببساطة يختفي.
كان ممكن ما يردش على مكالماتها.
كان ممكن يقول إنه مش جاهز للجواز.
لكن إنه يدفع فلوس لمحامي علشان يضمن إنها ما تطالبش حتى بإثبات الأبوة…
ده معناه إن فيه حاجة هو خايف منها.
قالت الحاجة نوال:
—إنتِ ناوية تعملي إيه؟
سلمى قفلت الملف.
—ولا حاجة.
—ولا حاجة؟
—هخليه يفتكر إني وافقت.
نوال بصت لها باستغراب.
—إنتِ هتمضي؟
سلمى هزت راسها.
—لأ.
—أمال؟
ابتسمت سلمى لأول مرة من أيام.
—هسيبه مستني.
في اليوم التالي، سلمى ما اتصلتش بعمر.
ولا ردت على رقم مكتب المحاماة.
ولا سألت عن أي تفاصيل.
رجعت لشغلها، وبدأت تحاول تتأقلم مع نصف المرتب.
وكان الحمل بيكبر يوم بعد يوم.
وفي كل مرة كانت تحط إيدها على بطنها، كانت تقول:
—أنا مش هخلي حد يحسسك يوم إنك مش مرغوب فيكي.
مرت الشهور.
عمر لم يتصل.
ولا مرة.
وفي المستشفى، كانت الأخبار بتوصلها من بعيد.
الدكتور عمر الشاذلي بدأ يظهر في مؤتمرات طبية كبيرة.
اسمه بقى موجود في مقالات ومجلات طبية.
وبعد فترة، اتنقل للعمل في مستشفى خاص كبير في القاهرة.
سلمى كانت بتسمع الأخبار وتسكت.
لم تكن تريد منه شيئًا.
لكنها كانت تريد شيئًا واحدًا فقط:
أن تعرف الحقيقة.
وفي الشهر التاسع، ولدت بنتها.
كانت صغيرة وهادئة، وشعرها أسود كثيف.
أول ما سلمى شافتها، دموعها نزلت من غير ما تحس.
—أهلًا يا ليان.
اختارت لها اسم ليان.
وما كتبتش اسم الأب في الأوراق إلا بالقدر اللي يسمح به القانون والإجراءات الرسمية وقتها، من غير ما تدخل في معركة مع عمر.
مرت سنة.
وبعدها سنتين.
ليان كبرت.
وبقت طفلة ذكية بشكل ملفت.
كانت بتحب تفك الألعاب وترجع تركبها.
وكانت تسأل والدتها أسئلة أكبر من سنها.
وفي يوم، وهي عندها حوالي أربع سنين، سألت:
—ماما، بابا فين؟
سلمى سكتت.
—هو بعيد؟
—أيوه.
—هييجي؟
سلمى قربت منها وحضنتها.
—مش كل الناس اللي بنحبهم بيعرفوا يكونوا موجودين وقت ما نحتاجهم.
ليان سكتت.
وبعدين قالت:
—بس أنا عندي إنتِ.
سلمى ابتسمت.
—وده كفاية عندي.
لكن في نفس الوقت، كانت حياة عمر بتتغير.
بقى واحد من أشهر الجراحين في مجاله.
وكان يستعد لأكبر عملية في مسيرته.
عملية معقدة جدًا، وكان المفروض إنها ترفع اسمه أكتر في الوسط الطبي.
المريض كان رجل أعمال معروف، والعملية كانت محط اهتمام كبير داخل المستشفى.
وفي صباح يوم العملية، وصلت سلمى رسالة من صديقة قديمة تعمل في المستشفى نفسه.
«سلمى، شوفت اسم الدكتور عمر النهارده في جدول العمليات. إنتِ لسه مش عايزة تتكلمي معاه؟»
قرأت الرسالة.
وما ردتش.
لكن بعد دقائق، فتحت هاتفها.
دخلت على صور ليان.
وقفت عند صورة كانت مصوراها قبل أيام.
ليان كانت لابسة بالطو أبيض صغير، ماسكة سماعة لعبة، وبتضحك.
سلمى كانت هتمسح الصورة من الشاشة.
لكنها توقفت.
ثم حصل شيء غريب.
افتكرت صورة قديمة جدًا لعمر.
كانت شافتها بالصدفة في شقتهم القديمة.
عمر وهو طفل.
كان عنده حوالي خمس سنين.
وكان لابس بالطو أبيض أكبر من مقاسه، وماسك سماعة طبيب.
سلمى وقتها ضحكت وقالت له:
—إنت من وإنت صغير ناوي تبقى دكتور؟
وكان عمر قد أخذ الصورة بسرعة وقال:
—دي مش صورة مهمة.
لكن في الحقيقة…
الصورة كانت مهمة جدًا.
لأن ليان، من غير ما تعرف، كانت في صورة تشبه عمر بشكل مخيف.
نفس شكل العينين.
نفس ابتسامة الجانب.
ونفس العلامة الصغيرة فوق الحاجب الأيسر.
سلمى بصت للصورتين جنب بعض.
صورة ليان.
وصورة عمر وهو طفل.
وبعد تردد طويل…
قررت تعمل حاجة واحدة.
ما اتصلتش بعمر.
ما بعتتش له رسالة.
وما فتحتش موضوع الأبوة.
كل اللي عملته إنها بعتت الصورة إلى بريد المستشفى الرسمي.
من غير شرح.
من غير اسم.
فقط أرفقت صورتين.
صورة ليان.
وصورة عمر وهو طفل.
وتحتهم كتبت:
«الدكتور عمر الشاذلي… أتمنى تكون بخير.»
بعد أقل من ساعة، كان عمر في غرفة التحضير للعملية.
الممرض أعطاه الملف.
فتح عمر الملف.
تغير لون وجهه.
كان يتوقع تقريرًا طبيًا.
لكنه وجد الصورتين.
ظل ساكتًا.
ثواني.
ثم دقيقة.
ثم قال:
—مين بعتهم؟
الممرض رد:
—الرسالة وصلت على بريد المستشفى، دكتور.
عمر مسك الصورة الأولى.
صورة ليان.
ثم قلبها.
لم يكن عليها سوى اسم واحد:
ليان.
أخذ نفسًا عميقًا.
وبعدين شاف الصورة الثانية.
صورته هو.
وهو طفل.
الصورة التي كان يظن أن لا أحد خارج عائلته يمتلك نسخة منها.
هنا بدأت إيده ترتعش.
دخل مساعده وقال:
—دكتور عمر، المريض جاهز. نبدأ؟
عمر ما ردش.
—دكتور؟
رفع عمر عينيه.
—هاتوا دكتور سامح.
—سامح؟ ليه؟
—هو اللي هيعمل العملية مكاني.
المساعد اتصدم.
—بس حضرتك الجراح الأساسي.
عمر بص للصورتين مرة تانية.
وقال بصوت منخفض:
—أنا مش قادر أعمل العملية.
—فيه مشكلة؟
عمر سكت.
وبعدين قال:
—أيوه.
—إيه هي؟
رفع الصورة قدامه.
لكن قبل ما يشرح…
دخل مدير المستشفى بنفسه.
—عمر، المريض على الترابيزة. إنت طلبت فجأة إن دكتور تاني يستلم العملية. في سبب لازم أعرفه.
عمر بص له.
وكان واضح لأول مرة إن الرجل اللي دايمًا بيتحكم في كل شيء…
فقد السيطرة على نفسه.
قال:
—وصلتني صورة.
المدير أخذ الصورة.
وبمجرد ما شافها، قال:
—دي بنتك؟
عمر رفع عينيه بسرعة.
—مين قالك؟
المدير ما ردش.
لأنه كان قد لاحظ شيئًا آخر.
الصورة الثانية.
صورة عمر وهو طفل.
فقال بهدوء:
—إنت لسه محتفظ بالصورة دي؟
عمر تجمد.
—إنت تعرفها؟
المدير وضع الصورتين فوق بعض.
وبص لعمر.
—أنا مش بس أعرف الصورة دي يا عمر.
سكت لحظة.
—أنا أعرف مين كان واقف جنبك يوم اتصورت.
عمر شحب.
—مين؟
المدير بص ناحية باب الغرفة.
وقال:
—والشخص ده هو السبب الحقيقي اللي خلا والدك يطلب منك تختار الطب من البداية.
عمر ما فهمش.
—والدي؟
المدير هز رأسه.
—أبوك ما كانش بيخاف على مستقبلك يا عمر.
اقترب منه وقال:
—أبوك كان بيحاول يخفي حاجة.
في اللحظة دي، رن هاتف عمر.
رقم مجهول.
رد.
وجاءه صوت رجل مسن:
—شوفت الصورة؟
عمر وقف مكانه.
—إنت مين؟
ضحك الرجل بهدوء.
—أنا الشخص اللي كان المفروض ما تعرفش عنه حاجة طول عمرك.
ثم أغلق الخط.
عمر ظل ماسك الهاتف.
لكن قبل ما يستوعب الكلام، وصلت له رسالة جديدة.
«لو عايز تعرف مين هي ليان فعلًا… اسأل والدتك عن اللي حصل في مستشفى المنصورة من 30 سنة.»
رفع عمر عينيه ببطء.
ولأول مرة، بدأ يفهم إن قصة سلمى والحمل…
ممكن تكون مرتبطة بسر قديم في عيلته.
سر أكبر بكتير من مجرد رفضه للأبوة.
وفي نفس الوقت، كانت سلمى في بيتها.
وما كانتش تعرف إن الصورة اللي بعتها في لحظة ضعف…
فتحت بابًا عمر حاولت عيلته تقفله من ثلاثين سنة.
يتبع…
في نفس اللحظة اللي عمر كان واقف فيها جوه المستشفى مش قادر يستوعب الرسالة، كانت سلمى قاعدة جنب بنتها ليان في البيت.
كانت ليان بتلون في كراسة الرسم، وسلـمى بتحاول تركز معاها.
لكن قلبها كان مشغول.
من ساعة ما بعتت الصورة للمستشفى، وهي حاسة إنها عملت حاجة مش عارفة نتيجتها إيه.
ما كانتش مستنية رد.
بالعكس، كانت عايزة توصل لعمر رسالة واحدة بس:
بنتك موجودة… سواء اعترفت بيها أو لأ.
لكنها ما كانتش تعرف إن الصورة وصلت لعمر قبل العملية بدقائق.
وما كانتش تعرف إن حياته كلها بدأت تتقلب.
في المستشفى، عمر خرج من غرفة العمليات.
كان الدكتور سامح هو اللي تولى العملية بدلًا منه، والعملية انتهت بنجاح.




