
### الجزء الثاني: السر اللي اتدفن لمدة 16 سنة رجع يظهر من جديد!
وقفت قدام ترابيزة العمليات، بحاول أسيطر على رعشة إيدي، لكن عقلي كان مشغول بألف سؤال.
يوسف عبد الرحمن…
الاسم اللي حاولت أنساه سنين طويلة، رجع يظهر قدامي فجأة، وفي أسوأ ظرف ممكن أتخيله.
كان بين الحياة والموت، وأنا اللي لازم أقرر إزاي أنقذه.
— دكتورة مريم، الضغط بينزل بسرعة!
صوت طبيب التخدير رجّعني للحظة الحالية.
بصيت للشاشة، وبعدها للأشعة، وقلت بحزم:
— جهزوا الأدوات. هنبدأ دلوقتي، ومحدش يلمس أي حاجة من غير ما أطلب منه.
نادين قربت مني وهي بتمد إيدها ناحية الأدوات.
— أنا جاهزة يا دكتورة.
بصيت لها للحظة، وبعدها قلت:
— خليكِ مركزة في شغلك يا دكتورة نادين. دي عملية دقيقة، وأي غلطة ممكن تكلفنا حياة المريض.
هزت راسها، لكني لاحظت إن إيديها كانت بتتحرك بعصبية غريبة.
في البداية، افتكرت إن ده بسبب خطورة العملية.
لكن بعد شوية، وأنا بطلب منها أداة معينة، لاحظت إنها بتبص ناحية باب غرفة العمليات كل كام دقيقة، وكأنها مستنية حد يدخل.
قررت أتجاهل تصرفاتها وأركز في شغلي.
مرت ساعة كاملة، وبعدها ساعة تانية.
كانت العملية أصعب مما توقعت. النزيف كان شديد، والإصابة قريبة من منطقة حساسة في المخ.
لكن بعد مجهود طويل، قدرت أسيطر على النزيف وأخفف الضغط على المخ.
أخيرًا، بدأت المؤشرات الحيوية تستقر.
خلعت جوانتي العملية، وأخدت نفسًا طويلًا.
— الحمد لله. الحالة استقرت مؤقتًا، لكن لازم يفضل تحت الملاحظة الدقيقة في العناية المركزة.
الممرضة ابتسمت براحة، بينما نادين فضلت ساكتة.
بصيت لها، فلاحظت إنها بتبص للمريض بنظرة غريبة، مش نظرة طبيبة خلصت عملية صعبة، لكن نظرة واحدة خايفة من حاجة معينة.
ولما عيني جت في عينها، حوّلت نظرها بسرعة.
وقتها، بدأت أشك إن الورقة اللي لقيتها في جيب البالطو مش هي السر الوحيد اللي بتخبيه عني.
بعد ما خرجت من غرفة العمليات، دخلت مكتبي وقفلت الباب.
فتحت الخزانة، وطلعت الورقة اللي لقيتها في بالطو نادين.
قريتها مرة تانية.
كل كلمة كانت بتوجعني أكتر من اللي قبلها.
لكن بدل ما أواجهها، قررت أتصرف بعقل.
صورت الورقة بالموبايل، وبعدها حطيتها في ظرف وقفلت عليه، واحتفظت بيه في درج مكتبي.
كنت محتاجة أعرف الحقيقة كاملة قبل ما أخد أي قرار.
في اللحظة دي، موبايلي رن.
كان أحمد.
رديت، فسمعت صوته الهادئ المعتاد:
— صباح الخير يا حبيبتي. إنتِ في العمليات من بدري؟
للحظة، كنت عايزة أصرخ في وشه وأسأله إزاي قدر يبص في عيني كل السنين دي وهو بيخدعني.
لكن تماسكت.
— أيوه، عندنا حالة صعبة.
— طب خلي بالك من نفسك. أنا ممكن أتأخر النهارده شوية بسبب الشغل.
سكت لحظة، وبعدها سألني سؤال خلاني أتجمد مكاني:
— بالمناسبة، عندك النهارده مريضة أو مريض اسمه يوسف عبد الرحمن؟
قلبي دق بعنف.
إزاي عرف اسم يوسف؟
أنا لسه مخلصة العملية من دقائق، ومحدش من بره الفريق الطبي المفروض يعرف تفاصيل الحالة.
حاولت أخلي صوتي طبيعي.
— أيوه، عندنا مريض بالاسم ده. إنت تعرفه؟
رد بسرعة أكتر من اللازم:
— لأ، مجرد اسم شفته في ورق عند واحد صاحبي. افتكرت يمكن يكون نفس الشخص.
وبعدين ضحك ضحكة قصيرة وقال:
— عمومًا، متشغليش بالك. هكلمك بالليل.
وقفل الخط.
فضلت ماسكة الموبايل، وببص للشاشة.
أحمد عمره ما كان بيسألني عن أسماء المرضى، لأنه عارف إن شغلي له خصوصية، وإن الكلام عن الحالات خارج المستشفى مش من عادتي.
فليه سأل عن يوسف تحديدًا؟
وليه صوته اتغير أول ما قلت له إن يوسف عندي؟
فتحت سجل المكالمات، وكنت على وشك أتصل بيه تاني، لكن سمعت خبطتين على الباب.
— اتفضلي.
دخلت نادين، وقفلت الباب وراها.
كانت شاحبة، ووشها باين عليه الإرهاق.
قالت بصوت منخفض:
— دكتورة مريم، ممكن أتكلم معاكي في موضوع مهم؟
أشرت لها تقعد.
— اتفضلي.
فضلت واقفة مكانها، وبتفرك إيديها بتوتر.
— أنا عارفة إنك ممكن تزعلي مني، بس لازم أقولك حاجة.
بصيت لها من غير ما أتكلم.
فجأة، رفعت عينيها وقالت:
— المريض اللي عملناله العملية… إنتِ تعرفيه من زمان، صح؟
حسيت بقلبي بيقبض.
— عرفتي منين؟
اترددت، وبعدها قالت:
— قبل العملية، وأنا براجع متعلقاته، لقيت صورة قديمة وقعت من محفظته. كانت صورة ليكي معاه.
اتسمرت مكاني.
صورة ليا مع يوسف؟
إزاي؟!
أنا آخر مرة شفته فيها كانت من 16 سنة، وقبل ما يختفي بأيام، كنا لسه بنتكلم عن تجهيزات جوازنا.
نادين كملت كلامها:
— كان فيه كمان ورقة صغيرة مكتوب عليها اسمك ورقم تليفون قديم. ولما شفت الصورة، فهمت إن فيه علاقة سابقة بينكم.
سألتها بسرعة:
— الورقة والصورة فين دلوقتي؟
نزلت عينيها وقالت:
— حطيتهم في درج مكتب التمريض عشان محدش يضيّعهم.
قمت من مكاني فورًا.
— لازم أشوفهم.
لكن قبل ما أخرج، نادين مسكت إيدي.
— استني يا دكتورة. فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.
بصيت لها بحدة.
— إيه هي؟
بلعت ريقها، وبعدها قالت بصوت شبه هامس:
— قبل الحادث بساعات، حد اتصل بالمستشفى وسأل إذا كان يوسف عبد الرحمن وصل عندنا. ولما موظفة الاستقبال سألته عن اسمه، قفل الخط.
حسيت إن قطع البازل بدأت تركب جنب بعضها.
مشكوك فيه.
زوجي بيسأل عن المريض قبل ما يعرف إني بعالجه.
ومساعدتي، اللي اكتشفت خيانتها، بتقول لي إن حد كان مستني وصول يوسف للمستشفى.
سألت نادين:
— إنتِ متأكدة من الكلام ده؟
هزت راسها.
— أيوه. وموظفة الاستقبال مستعدة تشهد بكده.
بصيت لها، وحاولت أفهم إذا كانت بتقول الحقيقة ولا بتحاول تضللني.
وبعدين سألتها السؤال اللي كنت مأجلاه من ساعة ما قرأت الجواب:
— نادين، إنتِ علاقتك بأحمد إيه بالضبط؟
اتغير لون وشها في ثانية.
فتحت بقها عشان ترد، لكن قبل ما تنطق، الباب اتفتح فجأة.
دخل أحمد!
كان واقف عند الباب، ووشه متجهم، وعينيه انتقلت بيني وبين نادين.
وبصوت هادي بشكل مخيف، قال:
— واضح إني جيت في وقت مش مناسب.
نادين رجعت خطوة لورا.
أما أنا، ففضلت ثابتة في مكاني.
بصيت لجوزي، وبعدها لمساعدتي، وقلت:
— بالعكس يا أحمد. إحنا كنا لسه بنتكلم عنك.
ابتسم ابتسامة باهتة، لكنه ما ردش.
قرب من المكتب، وحط إيده عليه، وبعدها بص لي مباشرة.
— مريم، لازم نتكلم لوحدنا.
نادين حاولت تخرج، لكنه وقفها بصوته:
— إنتِ كمان يا دكتورة نادين. الموضوع يخصك.
في اللحظة دي، عرفت إن اللي جاي مش مجرد مواجهة بين زوجة وجوزها.
كان فيه سر أكبر من الخيانة، سر له علاقة بيوسف وباختفائه من حياتي من 16 سنة.
أحمد طلع موبايله، وفتح صورة، ومده ناحيتي.
أول ما شفت الصورة، حسيت إن رجلي مش شايلاني.
كانت صورة قديمة ليوسف، واقف جنب أحمد!
والأغرب إن الصورة كانت متصورة قبل اختفاء يوسف بأيام قليلة.
رفعت عيني لجوزي وقلت بصوت مرتعش:
— إنت تعرف يوسف من إمتى؟
أحمد سحب الموبايل من إيدي، وقعد على الكرسي المقابل، وبعد صمت طويل قال:
— من قبل ما تتجوزيني بسنين.
حسيت إن قلبي بيتعصر.
— يعني إنت كنت تعرفه، وعارف إنه كان خطيبي؟
بص لي من غير ما يرمش.
— أيوه.
— ولما اختفى من حياتي، كنت عارف هو راح فين؟
سكت.
الصمت ده كان أقسى من أي اعتراف.
قربت منه خطوة وقلت:
— رد عليّ يا أحمد! إنت كنت عارف إيه اللي حصل له؟
رفع عيني أخيرًا وقال:
— يوسف مكنش الشخص اللي إنتِ فاكرة إنك عرفتيه يا مريم. وفيه حاجات كتير عن ماضيه إنتِ متعرفيهاش.
ضحكت بمرارة.
— وبعد 15 سنة جواز، قررت تقول لي الكلام ده دلوقتي؟
وقبل ما يرد، خرج صوت من سماعة الطوارئ المثبتة على الحائط:
— دكتورة مريم، دكتورة مريم، المريض يوسف عبد الرحمن بدأ يفوق، وبيطلب يشوفك حالًا!
جريت ناحية الباب، لكن صوت أحمد وقفني.
— لو دخلتي عليه دلوقتي، حياتك كلها هتتغير.
لفيت له ببطء.
— حياتي اتغيرت فعلًا يا أحمد. من اللحظة اللي اكتشفت فيها إنك بتخدعني.
وبعدين خرجت من المكتب وجريت ناحية العناية المركزة.
كان يوسف بدأ يفتح عينيه بصعوبة. قربت من سريره، ولما شافني، دمعة نزلت من عينه.
حاول يتكلم، لكن صوته كان ضعيفًا جدًا.
انحنيت ناحيته وقلت:
— متتكلمش دلوقتي. إنت لسه خارج من عملية صعبة.
لكنه مسك إيدي بكل قوته اللي قدر عليها، وهمس بكلمات خلت الدم يتجمد في عروقي:
— مريم… أحمد هو اللي خلاني أختفي من حياتك… وهو كمان السبب في إنك خسرتي ابنك!
اتسعت عيني، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا.
ابني؟!
أنا عمري ما خلفت طفلًا!
ولا مرة في حياتي عرفت إن كان ليا ابن!
حاولت أسأله، لكنه بدأ يفقد وعيه مرة تانية.
وفي اللحظة نفسها، لمحت أحمد واقفًا عند باب العناية المركزة.
كان سامع كل كلمة.
ولأول مرة من يوم ما عرفته، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: الحقيقة اللي جوزي خبّاها عني 16 سنة!
فضلت واقفة جنب سرير يوسف، مش قادرة أستوعب الكلمة اللي سمعتها منه.
«إنتِ خسرتي ابنك!»
ابني؟!
أنا اللي قضيت 15 سنة من عمري بين عيادات الأطباء والتحاليل والحقن، وكنت برجع كل مرة أبكي في حضن أحمد، مقتنعة إن حلم الأمومة مش مكتوب لي.
إزاي يكون ليا ابن وأنا معرفش عنه أي حاجة؟
وإزاي أحمد يكون له علاقة بالموضوع؟
بصيت ليوسف، كان مغمض عينيه تاني، وأجهزة المراقبة بتصدر أصوات منتظمة حوالين سريره.
ناديت الممرضة بسرعة:
— عايزة دكتور العناية ييجي حالًا. لازم نطمن على حالته.
دخل الفريق الطبي وبدأ يفحصه، واضطريت أخرج من الغرفة عشان أسيب لهم مساحة يشتغلوا.
لكن أول ما خرجت، لقيت أحمد واقف مستنيني في الممر.
كان بيحاول يحافظ على هدوئه المعتاد، لكن عرقه كان ظاهر على جبهته، وإيده بتتحرك بعصبية.
قال بصوت منخفض:
— مريم، لازم تسمعيني قبل ما تاخدي أي قرار.
بصيت له باحتقار.
— أسمع إيه؟ إنك كنت بتخوني مع نادين؟ ولا إنك كنت تعرف يوسف من 16 سنة ومخبي عني؟ ولا تحب تبدأ بالحكاية اللي بتقول فيها إن ليا ابن وأنا معرفش عنه حاجة؟




