عام

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

قفلت إيدي على الملف الصغير جوه شنطتي، وأنا بحاول أخفي أي علامة خوف على وشي.

مازن كان واقف قدامي، واثق من نفسه بشكل مستفز.

وداليا كانت واقفة وراه، بتبص لي وكأنها خلاص كسبت.

لكنهم ما كانوش يعرفوا إن الموضوع كله اتغير من أسبوعين.

قبل ما أرجع من رحلة الشغل، بدأت ألاحظ حاجات غريبة في حسابات الشركة والحسابات المشتركة بيني وبين مازن.

في الأول افتكرت إن الموضوع مجرد أخطاء محاسبية.

لكن بعدين لقيت تحويلات بمبالغ ضخمة لشركات ما سمعتش عنها قبل كده.

شركات كان عنوانها واحد.

وبعد بحث بسيط، اكتشفت إن العنوان مرتبط بشخص قريب جدًا من مازن.

أخوه سامح.

الأخ اللي كانت داليا مراته.

في البداية ما فهمتش العلاقة.

لكن لما بدأت أدور أكتر، اكتشفت إن جزءًا من أموالنا كان بيتحول لحسابات شركات غير واضحة، وبعدها يتم سحبها نقدًا أو تحويلها لحسابات تانية.

والأسوأ من كده…

إن الأموال اللي كانت مخصصة لتعليم ياسين ونور اختفت بنفس الطريقة.

لكن أنا ما واجهتش مازن.

لأني كنت عايزة أعرف الحقيقة كاملة.

وعشان كده استعنت بمحامي متخصص في القضايا المالية.

هو اللي طلب مني ما أواجهش مازن، وقال لي:

— «لو هو فعلًا بيخفي أصول أو بينقل أموال، أي مواجهة دلوقتي ممكن تخليه يمسح الأدلة.»

فنفذت كلامه.

وخلال الأيام اللي بعدها، جمعت كل حاجة.

صور التحويلات.

نسخ العقود.

رسائل البريد الإلكتروني.

وكشوف الحسابات.

ومستندات قانونية حصلت عليها من خلال الإجراءات المناسبة.

لكن كان في مستند واحد…

هو أهم مستند فيهم كلهم.

المستند اللي يثبت مين كان صاحب فكرة الديون أصلًا.

رجعت للحظة الحالية.

مازن مد إيده ناحية القلم.

— «وقّعي يا سلمى.»

بصيت له.

— «قبل ما أوقّع، عايزة أسألك سؤال واحد.»

— «اتفضلي.»

— «الـ3.8 مليون دولار دي… مين هيشيلها؟»

ابتسم.

— «إنتِ.»

داليا ضحكت ضحكة صغيرة.

— «طبعًا، الاتفاق واضح.»

مسكت الورقة.

وقرأت البند مرة تانية.

ثم رفعت عيني لمازن.

— «إنت متأكد إن التوقيع ده هيحميني من الديون؟»

رد بثقة:

— «طبعًا.»

كذب.

وكان عارف إنه بيكدب.

لأن المستند كان مصمم بطريقة تجعلني أتحمل جزءًا من الالتزامات، بينما هو يحتفظ بالأصول اللي أخفاها.

لكن كان عندي سؤال أهم.

— «فين الأولاد؟»

مازن أشار ناحية الباب.

— «خديهم وامشي.»

في اللحظة دي رن موبايلي.

بصيت للشاشة.

كان المحامي.

ما رديتش.

بعد ثواني وصلتني رسالة:

“تم الحصول على المستند المطلوب. لا توقعي أي شيء.”

رفعت عيني لمازن.

كان لسه مستني.

حطيت القلم على الورقة.

فتح عينه شوية، كأنه أخيرًا اطمّن.

لكن بدل ما أوقّع…

قفلت الملف.

وقلت:

— «تمام.»

اتغيرت ملامحه.

— «تمام إيه؟»

— «هامشي.»

داليا ابتسمت.

مازن أخذ نفسًا عميقًا، كأنه انتصر.

لكن قبل ما أتحرك، قلت:

— «بس مش هوقّع.»

ابتسامته اختفت.

— «إنتِ بتلعبي بالنار.»

— «وأنت لعبت بأموال أولادك.»

سكت.

— «وسرقت مستقبلهم.»

داليا تقدمت خطوة.

— «إنتِ بتتهمي مازن بالسرقة؟»

بصيت لها.

— «أنا ما اتهمتش حد.»

ثم ابتسمت.

— «لسه.»

مازن ضرب بيده على الترابيزة.

— «كفاية! إنتِ فاكرة إنك تقدري تعملي إيه؟»

قلت بهدوء:

— «ولا حاجة.»

ثم رفعت شنطتي.

— «دلوقتي.»

خرجت من البيت ومعايا ياسين ونور.

لكن قبل ما أركب العربية، سمعت مازن بيقول من ورايا:

— «هتندمي!»

وقفت لحظة.

وبصيت له من فوق كتفي.

— «أنا الوحيدة اللي عندها حق تقول الجملة دي.»

ثم ركبت العربية.

طوال الطريق، ما تكلمتش.

ياسين كان ساكت.

نور نامت بسبب الحرارة.

وأنا كنت ببص للمطر على الزجاج الأمامي، وأفكر في الورقة اللي كانت جوه الملف السري.

الورقة اللي اكتشفتها بالصدفة قبل أسبوعين.

توكيل مصرفي.

باسمي.

لكن توقيعي عليه كان غير صحيح.

والمفاجأة الأكبر؟

الشخص اللي استخدم التوكيل كان عنده نسخة من بطاقة هويتي.

ونسخة من جواز سفري.

ومين الشخص اللي كان يقدر يوصل لكل ده؟

مازن.

لكن ده ما كانش كل شيء.

لأن التوكيل اتستخدم لتحويل أموال إلى شركة باسم مختلف.

شركة ما كانتش باسم مازن.

ولا باسم سامح.

كانت باسم…

داليا.

فتحت الملف السري مرة تانية.

وكان فيه صورة من عقد تأسيس الشركة.

اسم داليا كان ظاهرًا بوضوح.

وتحت اسمها مباشرة كان فيه اسم شريك آخر.

قرأت الاسم.

وتوقفت.

سامح الشامي.

يعني أخو مازن ومرات أخوه كانوا شركاء في الشركة اللي استقبلت جزءًا من أموالنا.

لكن السؤال اللي كان بيطاردني:

مازن كان شريكًا معاهم إزاي من غير ما اسمه يظهر؟

الإجابة كانت موجودة في آخر صفحة.

ملاحظة صغيرة كتبها المحامي بقلم أحمر:

“ابحثي عن الشركة القابضة.”

وفي اليوم التالي، بدأت أبحث.

واكتشفت إن الشركة القابضة كانت مرتبطة بشركة أخرى في الخارج.

والشركة الخارجية مرتبطة بحساب مصرفي لم يظهر في أي من إقرارات مازن المالية.

لكن الحساب كان يستقبل تحويلات ضخمة.

وفي إحدى التحويلات…

ظهر اسم مألوف جدًا بالنسبة لي.

اسم والدي.

اتجمدت.

أبي كان متوفيًا من أربع سنين.

فإزاي اسمه موجود في معاملة مالية تمت من شهرين؟

اتصلت بالمحامي فورًا.

— «أستاذ شريف، أنا لقيت اسم والدي.»

سكت لحظات.

ثم قال:

— «متأكدة؟»

— «أيوه.»

— «ما تفتحيش الملف ده لوحدك.»

— «ليه؟»

قال بصوت منخفض:

— «لأن الموضوع أكبر من جوزك.»

سكتُّ.

— «يعني إيه؟»

قال:

— «أنا بدأت أراجع المستندات اللي بعتيها لي، وفي حاجة ظهرت قدامي.»

— «إيه؟»

— «مازن مش هو الشخص الوحيد اللي كان بيحرك الفلوس.»

— «مين؟»

رد بعد صمت:

— «شخص كان عنده وصول لأوراق والدك بعد وفاته.»

سألته:

— «مين؟»

قال:

— «أخوكي.»

اتجمدت مكاني.

أنا ما كانش عندي أخ.

كنت الابنة الوحيدة لأبي.

قلت له:

— «أنا معنديش أخ.»

سكت المحامي.

ثم قال:

— «إذن لازم نتقابل فورًا.»

وفي نفس اللحظة…

وصلتني رسالة من رقم مجهول.

فتحتها.

كانت عبارة عن صورة قديمة لأبي.

واقف فيها أمام مكتب قديم.

وبجانبه رجل لم أره في حياتي.

وتحت الصورة جملة واحدة:

“قبل ما تتهمي جوزك… اعرفي مين كان أبوكي بيثق فيه.”

رفعت عيني عن الهاتف.

ولأول مرة منذ بدأت كل الحكاية…

حسيت إن الموضوع ما بقاش مجرد طلاق.

كان فيه سر قديم في عيلتي… سر كان أبي مخبيه عني طول حياته.

قعدت قدام شاشة الموبايل وأنا مش قادرة أستوعب الصورة.

أبويا.

واقف قدام مكتب قديم، وبجانبه رجل غريب.

والرسالة تحت الصورة:

«قبل ما تتهمي جوزك… اعرفي مين كان أبوكي بيثق فيه.»

فضلت أبص للصورة لحد ما عيني بدأت توجعني.

ثم اتصلت بالمحامي شريف.

— «أنا موافقة أقابلك دلوقتي.»

قال:

— «تعالي المكتب، لكن خدي بالك… ما تثقيش في أي حد يسألك عن المستندات.»

قفلت المكالمة.

وقبل ما أخرج، بصيت على ياسين ونور.

كانوا قاعدين في غرفة الضيوف عند خالتي، بعيد عن كل المشاكل.

قلت لنفسي:

أنا مش هسمح لحد يقرب منهم.

وصلت مكتب شريف بعد أقل من ساعة.

أول ما دخلت، لقيته حاطط مجموعة كبيرة من الملفات على الترابيزة.

قال:

— «أنا راجعت التحويلات كلها.»

قعدت قدامه.

— «ولقيت إيه؟»

فتح ملف.

— «الـ3.8 مليون دولار مش دين حقيقي بالشكل اللي مازن بيصوره ليكي.»

حسيت إن نفسي رجع.

— «يعني إيه؟»

— «جزء كبير منها عبارة عن قروض تجارية تم الحصول عليها بضمان أصول شركتكم.»

— «وشركتي؟»

— «أيوه.»

قلب صفحة.

— «المشكلة إن مازن استخدم توقيعك في بعض المستندات، لكن الأصول نفسها اتحولت قبل كده لشركة تانية.»

— «شركة داليا؟»

هز رأسه.

— «جزء منها.»

ثم أخرج ورقة أخرى.

— «لكن دي أهم حاجة.»

قرب الورقة مني.

كان فيها اسم شركة لم أسمع به من قبل.

شركة النخبة للاستثمارات.

— «الشركة دي مملوكة لمين؟»

قال:

— «رسميًا؟ لأشخاص مختلفين.»

— «وغير رسميًا؟»

بص لي بجدية.

— «الشخص اللي بيمولها هو نفس الشخص اللي ظهر في الصورة اللي وصلتك.»

فتحت الصورة على موبايلي.

— «مين ده؟»

شريف أخذ نفسًا طويلًا.

— «اسمه فؤاد السيوفي.»

كررت الاسم:

— «فؤاد السيوفي؟»

— «أيوه.»

— «وأبويا كان يعرفه؟»

— «أكتر من كده.»

فتح ملفًا قديمًا.

— «والدك كان شريكه في مشروع استثماري من حوالي خمسة عشر سنة.»

اتسعت عيناي.

— «أبويا عمره ما قال لي حاجة عن ده.»

— «لأن المشروع انتهى رسميًا من سنين.»

— «رسميًا؟»

ابتسم شريف ابتسامة خفيفة.

— «واضح إن فيه حاجات ما انتهتش.»

ثم أشار إلى مستند.

— «بصي هنا.»

قرأت.

كان هناك عقد قديم بين والدي وفؤاد.

لكن المفاجأة لم تكن في العقد.

كانت في توقيع شاهد على العقد.

مازن الشامي.

شهقت.

— «مستحيل.»

— «العقد عمره خمسة عشر سنة.»

— «مازن كان يعرف أبويا قبل ما أتجوزه؟»

— «على الأغلب.»

رجعت بذاكرتي.

مازن قال لي وقتها إنه قابل أبي لأول مرة بعد خطوبتنا.

وكان أبي دائمًا متحفظًا تجاهه.

كنت فاكرة إن السبب إنه كان خايف عليّ.

لكن دلوقتي…

بدأت أفهم.

يمكن أبي كان يعرف حاجة أنا ما كنتش أعرفها.

سألت شريف:

— «إيه علاقة فؤاد بمازن؟»

قال:

— «دي بالضبط النقطة اللي لسه بندور عليها.»

ثم فتح ملفًا آخر.

— «لكن عندنا دليل إن مازن بدأ يحول أموال لشركة فؤاد من حوالي سبع سنين.»

سبع سنين.

يعني بعد زواجنا بسنتين تقريبًا.

— «والفلوس دي كانت بتطلع منين؟»

— «من شركات مرتبطة بأعمالك وأعمال مازن.»

سكتُّ.

ثم قلت:

— «يعني مازن كان بيجهز للخروج من الجواز من زمان؟»

شريف لم يجب فورًا.

قال:

— «ممكن. لكن فيه تفسير تاني.»

— «إيه؟»

— «يمكن كان بيجهز حاجة أكبر.»

في اللحظة دي رن موبايلي.

رقم مجهول.

رديت.

مافيش صوت.

— «ألو؟»

صمت.

ثم سمعت نفسًا خافتًا.

وفجأة قال رجل:

— «ابعدي عن فؤاد السيوفي.»

اتجمدت.

— «مين حضرتك؟»

— «لو عايزة أولادك يفضلوا بأمان، ما تدوريش ورا الماضي.»

قفلت المكالمة.

شريف بص لي.

— «مين؟»

قلت:

— «مش عارفة.»

لكن قبل ما أضع الهاتف على الترابيزة، وصلتني رسالة جديدة.

“مازن مش هو الخطر الوحيد.”

وتحتها صورة.

كانت صورة لبيت خالتي.

ومن زاوية بعيدة.

يعني الشخص اللي صورها كان واقف قريب جدًا من البيت.

قلت:

— «أولادي.»

قفزت من الكرسي.

شريف وقف.

— «استني!»

— «أولادي هناك!»

خرجت من المكتب بأقصى سرعة.

اتصلت بخالتي.

— «خلي بالك من العيال، ومتفتحيش الباب لأي حد!»

قالت:

— «فيه حاجة حصلت؟»

— «اقفلي الباب وخلاص! أنا جاية.»

وصلت البيت بعد دقائق.

دخلت بسرعة.

ياسين ونور كانوا في الصالة.

بخير.

لكن خالتي كانت واقفة ماسكة ظرف بني.

— «ده وصل من شوية.»

بصيت للظرف.

مافيش اسم.

فتحتُه.

جواه مفتاح صغير.

وصورة.

الصورة كانت لوالدي.

لكن المرة دي كان واقف مع شخص ثالث.

والشخص الثالث…

كان مازن.

مش صغير.

مش مراهق.

كان بنفس العمر تقريبًا اللي عرفته فيه.

يعني مازن كان يعرف أبويا قبل ما أعرفه أنا بسنين.

قلبت الصورة.

كان مكتوب على ظهرها:

“أبوكِ حاول إنهاء الشراكة… فاختفى الملف.”

وفي أسفل الورقة:

“المفتاح يفتح المكان اللي بدأ فيه كل شيء.”

بصيت للمفتاح.

كان عليه رقم:

27

سألت خالتي:

— «إنتِ تعرفي المفتاح ده؟»

هزت رأسها.

— «لا.»

لكن ياسين، اللي كان واقف قريب مننا، قال فجأة:

— «ماما… أنا شفت المفتاح ده قبل كده.»

لفيت له بسرعة.

— «فين؟»

قال:

— «عند بابا.»

سكتُّ.

— «إنت متأكد؟»

— «أيوه. كان في درج المكتب بتاعه.»

اتسعت عيناي.

لأنني تذكرت شيئًا.

قبل سفري بأيام، كنت دخلت مكتب مازن أبحث عن جواز سفر ياسين.

وكان هناك درج مقفول.

ولما سألته عنه، قال لي:

«ده شغل خاص، ومش من حقك تفتحيه.»

وقتها ما اهتمتش.

لكن دلوقتي…

المفتاح كان في إيدي.

وفي نفس الليلة، بعد ما نام الأولاد، رجعت مع شريف إلى البيت القديم.

كنت أعرف إن مازن مش موجود.

دخلنا من الباب الخلفي.

وصعدنا إلى المكتب.

وقفت أمام الدرج.

أدخلت المفتاح.

طَق.

فتح.

في البداية لم أجد شيئًا سوى أوراق قديمة.

لكن تحت الأوراق…

كان هناك ظرف أسود.

عليه اسم أبي.

فتحته.

وجدت بداخله عقدًا.

وصورًا.

وكشوف حسابات.

وتسجيلًا صوتيًا على ذاكرة صغيرة.

شغّل شريف التسجيل.

سمعنا صوت أبي.

صوته الذي لم أسمعه منذ سنوات

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى