
قال:
— «لو التسجيل ده وصل لبنتي، يبقى أنا غالبًا مش موجود… ومازن بدأ ينفذ اللي كنا خايفين منه.»
تجمدت.
شريف أوقف التسجيل ونظر إليّ.
لكنني قلت:
— «شغله.»
عاد الصوت.
— «مازن مش الشخص اللي هيظهر قدامك. هو مجرد واجهة.»
ثم سكت أبي لحظات.
وقال:
«الشخص الحقيقي هو الشخص اللي هتكوني فاكرة إنه آخر واحد ممكن يؤذيكي.»
انقطع التسجيل.
وبعد ثوانٍ ظهرت رسالة على الذاكرة:
“التسجيل الثاني مش هنا.”
قلت:
— «فين التسجيل الثاني؟»
لكن شريف لم يرد.
كان بيبص على آخر ورقة في الظرف.
وجهه تغير.
ناولني الورقة.
وكان مكتوبًا عليها اسم واحد فقط.
اسم جعل الدم يهرب من وجهي.
سامح الشامي.
أخو مازن.
وتحت الاسم جملة واحدة:
«هو الوحيد الذي يعرف أين توجد النسخة الأصلية.»
وفي اللحظة نفسها…
سمعنا صوت سيارة توقفت أمام البيت.
ثم صوت باب بيتقفل.
وشخص بيطلع السلم.
شريف بص لي.
وأنا بصيت للباب.
ثم سمعنا صوت المفتاح وهو بيدور في القفل.
مازن رجع.
لكن المرة دي…
هو مش جاي يطلب مني أمشي.
هو جاي يدور على الملف.
ثبتنا مكاننا.
صوت خطوات مازن كان بيقرب من المكتب.
خطوة…
وبعدها خطوة تانية.
شريف أشار لي بسرعة إني أخبي الأوراق.
حطيت الملف داخل حقيبتي، لكن الذاكرة الصغيرة فضلت في إيدي.
مقبض الباب اتحرك.
وبعدين الباب اتفتح.
دخل مازن.
كان وشه مختلف تمامًا عن الرجل اللي وقف قدامي قبل ساعات وقال لي إن كل شيء انتهى.
عيناه كانت بتدور في المكتب بسرعة.
ولما شافني…
اتجمد.
— «إنتِ بتعملي إيه هنا؟»
ما رديتش.
بص لشريف.
— «وإنت مين سمح لك تدخل بيتي؟»
شريف رد بهدوء:
— «الموضوع مش بيتك لوحدك.»
مازن ضحك بسخرية.
— «أعتقد إنك مش فاهم أنت بتتكلم مع مين.»
قلت:
— «أنا بدأت أفهم.»
اتغيرت ملامحه.
— «تفهمي إيه؟»
طلعت الورقة من حقيبتي.
وحطيتها قدامه.
كانت صورة أبي.
وصورة مازن بجانبه.
وقلت:
— «إنت كنت تعرف أبويا قبل ما تتجوزني.»
لم يرد.
— «وكنت شريكًا في مشروع معاه.»
صمت.
— «وحوّلت فلوس من حساباتنا لشركات مرتبطة بفؤاد السيوفي.»
مازن بدأ يبتسم.
لكن الابتسامة كانت مختلفة.
— «إنتِ دخلتي المكتب وفتشتي حاجاتي؟»
قلت:
— «لأ.»
رفعت الذاكرة الصغيرة.
— «أبويا هو اللي ساب لي الحقيقة.»
أول ما شافها…
اللون اختفى من وشه.
لأول مرة منذ عرفته، شفت القلق في عينيه.
قال:
— «فين لقيتي دي؟»
ابتسمت.
— «ليه؟»
اقترب خطوة.
— «سلمى، اسمعيني… الموضوع أكبر مما تتخيلي.»
قلت:
— «أنا عارفة.»
— «لا، إنتِ مش عارفة.»
— «إذن قول لي.»
سكت.
شريف قال:
— «قول لها.»
مازن بص له.
ثم رجع بص لي.
— «أبوكِ كان مدينًا لفؤاد.»
اتصدمت.
— «إيه؟»
— «المشروع خسر. وفؤاد كان عايز فلوسه.»
— «وأبويا؟»
— «حاول يحميك.»
قلت:
— «يحمني منك؟»
هز رأسه.
— «منهم كلهم.»
الجملة دي خلتني أسكت.
لكن شريف تدخل:
— «لو ده صحيح، عندك فرصة تثبته بالمستندات.»
مازن ضحك.
— «المستندات اختفت.»
رفعت عيني له.
— «مش كلها.»
سكت.
وقلت:
— «أنا عرفت إن النسخة الأصلية عند سامح.»
لما نطقت اسم أخوه، ملامحه اتغيرت.
هنا فهمت.
سامح كان جزءًا من الموضوع.
لكن قبل ما أقول أي كلمة، مازن اتجه ناحية المكتب بسرعة.
فتحت حقيبتي.
لكنه لم يحاول أخذ الأوراق.
بدلًا من ذلك، فتح الدرج السفلي، وأخرج ظرفًا صغيرًا.
قال شريف:
— «مازن! سيب الظرف!»
لكن مازن كان أسرع.
فتح الظرف بسرعة.
وأخرج منه ورقة.
ولما حاول التخلص منها…
اندفعت نحوه وخطفتها.
سقطت الولاعة على الأرض.
قال:
— «سيبي الورقة!»
قلت:
— «مش هسيبها.»
كانت الورقة عقدًا قديمًا.
وفي أسفلها توقيع أبي.
لكن كان هناك توقيع آخر.
توقيع سامح.
والأغرب…
كان فيه بند مكتوب بخط اليد:
“في حالة وفاة أحد الشركاء، تنتقل ملكية الأسهم إلى الابنة الوحيدة.”
بصيت لشريف.
— «يعني إيه؟»
قال:
— «يعني لو العقد ده ساري، يبقى الأسهم اللي اتنقلت بعد وفاة والدك كان المفروض تكون من حقك.»
مازن سكت.
ثم قال:
— «العقد ده باطل.»
— «ليه؟»
— «لأنه اتلغى.»
شريف أخذ الورقة.
— «فين مستند الإلغاء؟»
لم يرد.
— «فين؟»
صمت.
قلت:
— «مفيش.»
وهنا ظهر شيء لم أتوقعه.
مازن جلس على الكرسي.
وكأنه فجأة فقد كل القوة اللي كان بيتكلم بها.
قال بصوت منخفض:
— «أنا ما كنتش عايز أوصل الأمور لكده.»
قلت:
— «لكن وصلت.»
— «فؤاد هيدمرنا كلنا.»
— «إنت اللي دمرت حياتنا.»
هز رأسه.
— «أنا كنت بحاول أحميك.»
ضحكت بمرارة.
— «بحماية إيه؟ لما استغليت بياناتي المالية؟ لما حطيت ديون باسمي؟ لما طلبت مني أخرج من بيتي قبل نص الليل؟»
لم يرد.
فقلت:
— «ولا لما خليت داليا تدخل بينا؟»
رفع رأسه بسرعة.
— «داليا ملهاش علاقة بالموضوع كله.»
وقبل أن أكمل…
رن هاتفه.
نظر للشاشة.
ثم أغلق المكالمة.
بعد ثوانٍ رن مرة ثانية.
هذه المرة رأيت الاسم.
سامح.
رد مازن.
— «أيوه؟»
لم أسمع الطرف الآخر.
لكن وجه مازن تغير.
قال:
— «إيه؟»
صمت.
ثم:
— «إنت عملت إيه؟»
نظر إليّ.
ثم قال:
— «هي معايا.»
صوت سامح كان واضحًا من الهاتف رغم بُعدي:
— «لو هي معاك، يبقى لازم تسمع الحقيقة كلها.»
مازن قال:
— «مش هنا.»
سامح رد:
— «لا، دلوقتي.»
ثم انقطع الاتصال.
بصيت لمازن.
— «إيه الحقيقة؟»
لم يرد.
فقلت:
— «أنا مش هتحرك من هنا غير لما أعرف.»
شريف وقف بجانبي.
وفي نفس اللحظة…
وصلتني رسالة على هاتفي.
من رقم سامح.
فتحتها.
وكانت عبارة عن عنوان.
مخزن قديم في منطقة صناعية خارج القاهرة.
وتحت العنوان:
«النسخة الأصلية موجودة هنا. تعالي وحدك.»
قرأ شريف الرسالة.
قال فورًا:
— «ما تروحيش.»
قلت:
— «أنا مش رايحة لوحدي.»
لكن قبل ما نتحرك، ظهر إشعار جديد.
رسالة ثانية من سامح:
«لو المحامي جه معاكي، الملف هيتحرق.»
سكتنا.
ثم وصلت الرسالة الثالثة.
«ولو ما جيتيش قبل الفجر، مازن هيدخل السجن بتهمة قضية قديمة.»
اتجمدت.
بصيت لمازن.
— «إيه القضية؟»
هو لم يتكلم.
لكن عينيه قالت كل شيء.
قلت:
— «إيه اللي حصل؟»
رفع رأسه ببطء.
وقال:
— «أبوكِ.»
اتسعت عيناي.
— «أبويا مات من أربع سنين.»
قال:
— «أنا عارف.»
— «إذن إيه علاقة الموضوع بيه؟»
لم يجب.
شريف اقترب منه.
— «جاوبها.»
مازن أخيرًا قال:
— «لأن تقرير وفاة والدك اتغير.»
سألته:
— «يعني إيه؟»
— «التقرير الرسمي قال وفاة طبيعية.»
صمت.
— «لكن التقرير الأول… قال غير كده.»
قلبي بدأ يدق بسرعة.
— «إيه اللي قاله التقرير الأول؟»
مازن نظر إليّ.
ثم قال:
«إن والدك تعرض لوعكة صحية مفاجئة بعد تناول دواء بشكل غير مناسب.»
لم أستطع الكلام.
شريف فتح عينيه بدهشة.
أما مازن…
فكان ينظر إليّ وكأنه ينتظر مني أن أفهم شيئًا.
قلت:
— «ومين كان مسؤول عن الدواء؟»
قال:
— «دي هي الحقيقة اللي سامح بيحاول يخبيها.»
ثم أضاف:
— «والسبب اللي خلاني أطلب منك تمشي الليلة… مش عشان داليا.»
سكت لحظة.
— «كان عشان أحميكي قبل ما يعرفوا إنك اكتشفتي الحقيقة.»
لكن قبل أن أستوعب كلامه…
سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام البيت.
ثم صوت فرامل قوية.
شريف بص من النافذة.
وتغير وجهه.
— «فيه ناس جايين.»
مازن وقف.
— «مين؟»
شريف قال:
— «مش عارف.»
لكن بعد ثوانٍ…
ظهر شخص أمام الباب.
ورفع يده وطرق ثلاث طرقات متتالية.
دق… دق… دق.
مازن بص لي.
ثم قال بصوت منخفض:
— «إحنا لازم نخرج من هنا فورًا.»
قلت:
— «ليه؟»
أجاب:
«لأن الناس اللي بره… مش جايين ياخدوا الملف.»
ثم نظر إلى الذاكرة الصغيرة في يدي.
— «جايين ياخدوكي إنتِ.»
لأول مرة من بداية الليلة، حسيت إن الخطر بقى حقيقي.
مازن قرب من الشباك وبص ناحية العربية اللي وقفت قدام البيت.
كان فيها شخصين.
واحد نزل منها واتجه للباب.
والتاني فضل جوه العربية.
شريف قال بسرعة:
— «لازم نخرج من الباب الخلفي.»




