عام

الجزء الاول

الجزء الثاني

ظل عمر واقفًا عند الباب، وكأن الكلمات التي قالها أبي لم تصل إلى عقله بعد.

حدق فيه للحظات، ثم نظر إليّ.

«مريم… ماذا يقصد والدك؟»

ابتسم أبي بهدوء، بينما كان حفيده الصغير نائمًا بين ذراعيه.

قلت:

«أعتقد أنك سمعت كلامه جيدًا.»

اقترب عمر خطوة.

«والدك؟!»

أومأت برأسي.

«نعم. هذا أبي.»

جلس عمر على أقرب كرسي وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.

«لكن… لماذا لم تخبريني؟»

نظرت إليه بدهشة.

«ومتى كنت سأخبرك؟ عندما كنت تسخر من عائلتي؟ أم عندما كنت تقول إن الفتيات اللاتي يتزوجن من رجال أثرياء لا يعرفن معنى التعب؟»

فتح فمه، لكنه لم يجد جوابًا.

تدخل أبي بهدوء:

«لم تخبرك لأنها أرادت أن تعرف إن كنت تحبها لشخصها، لا لأموال عائلتها.»

رفع عمر عينيه إليه.

«أنا أحبها.»

ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح.

«حقًا؟»

سكت.

قلت:

«الرجل الذي يحب زوجته لا يتركها وحدها وهي في المخاض من أجل حفلة عيد ميلاد.»

خفض عمر رأسه.

«كنت مخطئًا.»

«لم تكن مخطئًا يا عمر. كنت تختار. وفي كل مرة كنت تختار أمك على حسابي.»

حاول الاقتراب مني.

«مريم، أرجوكِ… أنا مستعد لإصلاح كل شيء.»

أشار أبي إلى المقعد المقابل.

«اجلس.»

جلس عمر فورًا.

ثم قال أبي:

«لكن قبل أن نتحدث عن إصلاح الزواج، هناك أمر آخر يجب أن تعرفه.»

نظر عمر إليه بقلق.

«ما هو؟»

أجاب أبي:

«منذ عام تقريبًا، طلبت مريم مني ألا أتدخل في حياتكما. لكنها أخبرتني عن بعض الأمور المالية التي أثارت شكوكها.»

تغير وجه عمر.

شعرت بذلك.

فأنا كنت أعرف هذا التعبير جيدًا.

تعبير الرجل الذي يسمع شيئًا لم يكن مستعدًا لسماعه.

قال:

«أمور مالية؟ لا أفهم.»

وضعت ملفًا بنيًا على الطاولة.

«أنا أفهم.»

فتحته أمامه.

كانت بداخله نسخ من كشوف حسابات، وتحويلات، وفواتير، وسجلات لمصروفات لم تكن منطقية.

قلت:

«خلال الأشهر الماضية، اكتشفت أن مبالغ مالية من حسابنا المشترك كانت تتحول إلى حساب آخر.»

ابتلع عمر ريقه.

«كانت مصاريف عائلية.»

«مصاريف عائلية؟»

وضعت ورقة أمامه.

«إذن لماذا ذهب جزء منها إلى حساب باسم شركة لا علاقة لها بعائلتك؟»

لم يجب.

وضعت ورقة ثانية.

«ولماذا تم دفع إيجار شقة في القاهرة من أموالنا، بينما كنت تقول لي إنك لا تعرف شيئًا عن هذه الشقة؟»

بدأت يده ترتجف.

«مريم… دعيني أشرح.»

قلت بهدوء:

«اشرح.»

ظل صامتًا.

ثم قال:

«كانت هناك أمور لم أستطع إخبارك بها.»

ابتسم أبي ببرود.

«وهذا بالضبط ما سنعرفه اليوم.»

في تلك اللحظة، بدأ الطفل يتحرك في ذراعي أبي.

فنظر إليه بحنان، وقال:

«لن نرفع أصواتنا أمام الطفل.»

ثم أعاده إليّ.

احتضنت ابني، وشعرت للمرة الأولى منذ أيام أنني أقوى مما كنت أظن.

قال عمر:

«هل كنتِ تخططين لهذا طوال الوقت؟»

هززت رأسي.

«لا. كنت أتمنى أن تكون زوجًا صالحًا، وهذا كل ما كنت أخطط له.»

صمت طويل.

ثم أخرج عمر هاتفه.

«سأتصل بمحاميي.»

أجاب أبي:

«افعل.»

نظر عمر إليه.

«لماذا أنت هنا؟»

أجاب أبي:

«لأن ابنتي كانت بحاجة إليّ عندما تخليت أنت عنها.»

ثم أضاف:

«أما لماذا سأبقى، فهذا لأنني لن أسمح لأي شخص باستغلالها أو استغلال حفيدي.»

نهض عمر فجأة.

«أنا لم أستغلها!»

نظرت إليه.

«إذن لا تخف من الأوراق.»

توقف.

ثم جلس مرة أخرى.

وبعد دقائق من الصمت، قال بصوت منخفض:

«هناك شيء آخر.»

رفعت عيني إليه.

«ما هو؟»

نظر إلى أبي أولًا، ثم إليّ.

«أمي تعرف.»

شعرت بقلبي يضرب بقوة.

«تعرف ماذا؟»

أجاب:

«تعرف أن هناك أموالًا خرجت من حسابنا.»

قلت:

«ومنذ متى؟»

خفض رأسه.

«منذ أشهر.»

لم أستطع الكلام.

أما أبي فظل هادئًا.

قال:

«ومن المستفيد؟»

رفع عمر عينيه.

«أمي.»

ساد الصمت.

ثم أضاف عمر:

«لكنها لم تكن وحدها.»

نظرت إليه.

«من معها؟»

تردد طويلًا.

ثم قال اسمًا جعل الدم يتجمد في عروقي.

«أخي سامح.»

رفعت رأسي بسرعة.

لم يكن لدي أخ يُدعى سامح.

كان عمر يتحدث عن شقيقه الذي لم ألتقِ به منذ سنوات، والذي كان الجميع يصفه بأنه يعيش خارج البلاد.

قلت:

«ماذا فعل سامح؟»

وقبل أن يجيب، رن هاتف عمر.

نظر إلى الشاشة.

تغير وجهه.

«إنها أمي.»

ثم فتح المكالمة.

لم يقل شيئًا.

جاء صوت نوال غاضبًا من الطرف الآخر:

«عمر! هل وصلت إلى البيت؟»

ظل صامتًا.

فقالت:

«هل رأيتها؟ هل أخبرتها بالحقيقة؟»

نظر عمر إليّ.

ثم إلى أبي.

وتحول وجهه إلى شاحب تمامًا.

لأن نوال لم تكن تعرف أن الهاتف على مكبر الصوت.

وسمعنا جميعًا كلماتها التالية:

«لا تخبرها أن والدها هو عبد الرحمن المنصوري! إذا عرفت مريم أن الأموال التي أخذناها كانت من حساب والدها، فكل شيء سينهار!»

توقفت أنفاسي.

نظرت إلى أبي.

ثم إلى عمر.

أما أبي فظل هادئًا بشكل مخيف.

قال عمر:

«أمي…»

لكنها تابعت دون أن تدرك ما حدث:

«لقد أخبرتك منذ البداية، يا عمر. كنت أريدك أن تتزوجها فقط لأننا كنا بحاجة إلى المال. لم أكن أعرف أنها ستخفي هويتها عنك!»

سقط الهاتف من يد عمر.

أما أنا…

فلم أستطع حتى أن أتكلم.

لقد ظننت أن خيانة عمر هي أسوأ ما يمكن أن أكتشفه.

لكنني كنت مخطئة.

لأنني بدأت أفهم الآن…

أن زواجي كله ربما بدأ بكذبة.

يتبع في الجزء الثالث 👇👇
الجزء الثالث

لم يتحرك أحد في الغرفة.

كان صوت أنفاس طفلي الصغير هو الشيء الوحيد الذي يُسمع.

أما عمر، فظل جالسًا أمامي ووجهه شاحب، وكأن اعتراف أمه حطّم آخر شيء كان يستطيع أن يتمسك به.

نظرت إليه وقلت:

«منذ البداية؟»

رفع عينيه نحوي.

«مريم…»

«سألتك سؤالًا واحدًا. هل تزوجتني لأنك كنت تعرف أن عائلتي لديها أموال؟»

أطرق رأسه.

طال الصمت.

ثم قال بصوت خافت:

«في البداية… نعم.»

شعرت وكأن أحدهم صفعني.

قلت:

«في البداية؟»

تنهد.

«أمي كانت تمر بأزمة مالية. وشقيقي سامح كان عليه ديون كبيرة. عندما علمت أمي أنك ابنة عبد الرحمن المنصوري، بدأت تضغط عليّ.»

قال أبي بهدوء:

«لكنها لم تكن تعرف أنك أخفيتِ هويتك.»

أومأ عمر.

«نعم.»

ثم نظر إليّ.

«عندما تزوجتك، لم أكن أعرف أنك تخفين اسم عائلتك الحقيقي. كنت أظن أن عائلتك عادية، وأن والدك رجل بسيط.»

ضحكت بحزن.

«إذن عندما كنت تستهين بأبي، كنت تظن أنك تستهين برجل فقير؟»

لم يجب.

قلت:

«ولو كنت تعرف من البداية أنه رجل أعمال ثري، هل كنت ستتزوجني؟»

أغمض عينيه.

وهنا كانت الإجابة واضحة حتى قبل أن يتكلم.

قال:

«لا أعرف.»

هززت رأسي.

«بل تعرف.»

وضعت طفلي في سريره الصغير، ثم عدت وجلست.

كان قلبي يؤلمني، لكنني لم أبكِ.

لقد بكيت بما يكفي.

قال عمر:

«لكن بعد الزواج أحببتك يا مريم.»

نظرت إليه طويلًا.

«ربما أحببتني فعلًا في النهاية. لكنني لن أستطيع نسيان الطريقة التي بدأ بها كل شيء.»

تدخل أبي:

«وهناك شيء آخر لم تعرفه ابنتي بعد.»

نظرت إليه.

«ماذا؟»

أخرج أبي هاتفه ووضعه على الطاولة.

«قبل شهرين، طلبت من أحد المحامين الذين أثق بهم مراجعة بعض التحويلات المالية التي أثارت شكوكك.»

نظر عمر إليه بقلق.

تابع أبي:

«اكتشفنا أن هناك شركة تم تأسيسها باسم شخص قريب من عائلتك.»

تجمد عمر.

«أي شركة؟»

أجاب أبي:

«شركة اسمها النور للاستيراد والتجارة.»

لم أسمع بهذا الاسم من قبل.

أما عمر، فظل ساكتًا.

قلت:

«أنت تعرفها؟»

قال:

«لا.»

لكن صوته لم يكن مقنعًا.

فتح أبي ملفًا إلكترونيًا.

«الغريب أن الحساب البنكي للشركة استقبل عدة تحويلات من أموال مرتبطة بمصاريف منزلكما.»

ثم نظر إلى عمر.

«والأغرب أن الشخص الذي وقّع على بعض المستندات هو شقيقك سامح.»

أصبح عمر مرتبكًا.

«سامح أخبرني أن الشركة تخص عملًا تجاريًا صغيرًا.»

قلت:

«وهل أعطيته مالًا من حسابنا؟»

«لم أكن أعرف أن المال من حسابنا.»

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى