روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

بعد أن أغلقت المكالمة، بقيت واقفة في منتصف غرفة المعي لعدة ثوانٍ.

كان بإمكاني أن أتصل بمحمود وأواجهه.

كان بإمكاني أن أصرخ في نوال وأخبرها أنني لن أدفع جنيهًا واحدًا.

لكن شيئًا في داخلي جعلني أتوقف.

لم يكن مبلغ الـ286 ألفًا و400 جنيه هو ما أخافني.

كان السؤال الذي ظل يدور في رأسي:

لماذا كانوا يحتاجون إلى 300 ألف جنيه أخرى؟

لو كانت المسألة مجرد حفلة، فلماذا هذا الرقم بالتحديد؟

فتحت هاتفي واتصلت بالبنك مرة أخرى.

طلبت كشفًا تفصيليًا للحساب خلال الأشهر الستة الماضية.

وبعد دقائق، وصلتني رسالة بالبريد الإلكتروني.

جلست أمام جهاز الكمبيوتر وبدأت أراجع العمليات واحدة تلو الأخرى.

كانت هناك مبالغ صغيرة لم أنتبه إليها من قبل.

خمسة آلاف.

سبعة آلاف.

اثنا عشر ألفًا.

وفي كل مرة كان الوصف عامًا جدًا، مثل “خدمات” أو “تحويل داخلي”.

لكنني لاحظت شيئًا غريبًا.

معظم العمليات تمت في الأيام التي كان محمود يقول فيها إنه يعمل لساعات متأخرة.

فتحت أول إيصال.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

كان اسم المستفيد مختلفًا، لكن رقم الحساب البنكي نفسه تقريبًا.

نسخت الرقم وبدأت أبحث عنه في رسائل البريد القديمة.

وبعد دقائق، وجدت رسالة أرسلها لي محمود قبل أربعة أشهر.

كانت تحتوي على صورة لعقد لم أعره اهتمامًا وقتها.

قال لي يومها:

— مجرد ورقة تخص عمل أمي، لا تشغلي بالك بها.

فتحت الصورة مرة أخرى.

كان هناك اسم شركة.

“النخبة للتطوير العقاري.”

بدأ قلبي يخفق بسرعة.

بحثت عن اسم الشركة في المستندات الموجودة على جهاز الكمبيوتر.

وفجأة وجدت مجلدًا لم أفتحه من قبل.

كان اسمه:

“المشروع الجديد.”

فتحته.

كان يحتوي على عشرات الملفات.

عقود.

صور بطاقات شخصية.

مراسلات.

وتحويلات مالية.

لكن الملف الذي جعل يدي تتجمد فوق لوحة المفاتيح كان بعنوان:

“دفعة الحجز — 300,000 جنيه.”

فتحته.

كانت الصدمة الأولى أن المبلغ كان بالفعل 300 ألف جنيه.

أما الصدمة الثانية، فكانت اسم المشتري.

لم يكن اسم نوال.

ولم يكن اسم محمود.

كان اسم امرأة أخرى.

“هبة سامح.”

حدقت في الاسم طويلًا.

من هبة؟

ولماذا كان زوجي يدفع لها 300 ألف جنيه من مدخراتي؟

واصلت القراءة.

كان هناك عقد لشراء شقة فاخرة في العين السخنة.

والعقد لم يكن باسم هبة وحدها.

كان هناك بند ينص على أن محمود سيكون مسؤولًا عن سداد جزء من المبلغ المتبقي.

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

أعدت قراءة السطر مرة أخرى.

ثم فتحت ملفًا آخر.

كان عبارة عن محادثة مطبوعة بين محمود وشخص آخر.

وفيها كتب محمود:

«”بعد حفلة أمي، ستوافق سلمى على سحب المبلغ. هي لن تشك في شيء.”»

ورد الطرف الآخر:

«”ومتى سيتم تحويل الـ300 ألف؟”»

كتب محمود:

«”بمجرد أن أحصل على موافقتها.”»

ثم جاءت الرسالة التي جعلتني أضع يدي على فمي:

«”بعدها ننهي موضوع الشقة ونبدأ حياتنا.”»

شعرت وكأن الهواء اختفى من الغرفة.

نبدأ حياتنا؟

مع من؟

فتحت بقية المحادثة.

كان الاسم في أعلى الشاشة:

هبة ❤️

لم أبكِ.

الغريب أنني لم أشعر حتى بالرغبة في البكاء.

شعرت بشيء آخر.

هدوء مخيف.

فجأة فهمت كل شيء.

الطلبات المتكررة من نوال.

الحدود الائتمانية.

الحفلة الضخمة.

المبلغ المطلوب.

والـ300 ألف جنيه.

لم تكن الحفلة سوى وسيلة لإجبار عائلته على الظهور بمظهر الأثرياء، وفي الوقت نفسه استنزاف حسابي حتى لا يتبقى لي شيء.

لكن لماذا كانت نوال متورطة؟

عدت إلى الملفات.

وهنا وجدت الإجابة.

كان هناك تسجيل صوتي محفوظ على جهاز الكمبيوتر.

ضغطت عليه.

سمعت صوت محمود:

— أمي، لا تقلقي. بمجرد أن تحول سلمى الـ300 ألف، ستكون الشقة باسم هبة. وأنا سأتصرف في باقي الموضوع.

جاء صوت نوال:

— وماذا لو رفضت؟

ضحك محمود.

— لن ترفض. أنت تعرفينها. كلما جعلناها تشعر بالذنب، تفعل ما نريد.

صمتت نوال للحظة، ثم قالت:

— المهم ألا تعرف شيئًا عن هبة.

أوقفـت التسجيل.

جلست على الكرسي وأنا أحدق في الشاشة.

لم يكن زوجي يخونني فقط.

كان يخطط لسرقة مدخراتي لبناء حياة جديدة مع امرأة أخرى.

والأسوأ أنه كان يفعل ذلك بمساعدة والدته.

لكنني لم أكن أعرف بعد أن هناك شيئًا أخطر بكثير في تلك الملفات.

شيئًا جعلني أدرك أن محمود لم يكن يخطط فقط لترك المنزل…

بل كان يخطط لأن يتركني بلا منزل ولا أموال ولا أي شيء تقريبًا.

فتحت الملف الأخير.

وكان عنوانه:

“الخطة النهائية — سلمى.”

ترددت للحظة قبل أن أضغط عليه.

ثم فتحته.

وكان أول سطر مكتوبًا:

“قبل أن تعرف الحقيقة، يجب أن نضمن أنها لن تستطيع المطالبة بأي شيء.”

توقفت أنفاسي.

بدأت أقرأ بقية الخطة.

وعندما وصلت إلى السطر الأخير، أدركت أنني كنت في خطر حقيقي.

لكن محمود لم يكن يعرف شيئًا واحدًا…

أنا لم أكن المرأة الضعيفة التي ظن أنها يستطيع خداعها.

وفي تلك اللحظة، قررت ألا أواجهه.

ليس الآن.

كنت أريد أن أعرف كل شيء أولًا.

وأردت أن أجعلهم يكشفون بأنفسهم إلى أين وصلت خطتهم.

لذلك أغلقت الكمبيوتر، ومسحت آثار بحثي من الشاشة، ثم نظرت إلى صناديق ملابسه.

ابتسمت للمرة الأولى منذ ساعات.

وقلت لنفسي:

— استمتعوا بهذه الليلة يا محمود… لأن صباح الغد لن يكون مثل أي صباح آخر.

نكمّل 👇

الجزء الثالث

في صباح اليوم التالي، استيقظت قبل محمود بساعة.

لم أنم تقريبًا طوال الليل.

لكنني لم أسمح لنفسي بالانهيار.

أخذت هاتفي، وراجعت الصور التي التقطتها للملفات والمحادثات والتسجيلات الصوتية.

ثم أرسلت نسخة كاملة منها إلى بريدي الإلكتروني.

ونسخة أخرى إلى وحدة تخزين احتفظت بها في مكان آمن.

لم أكن أريد أن أترك لهم أي فرصة لمحو الأدلة.

بعد ذلك، اتصلت بمحامية أعرفها منذ سنوات.

شرحت لها الموقف دون مبالغة.

سألتني:

— هل الحساب باسمك وحدك؟

— نعم.

— وهل لديك مستندات تثبت أن معظم الأموال جاءت من راتبك ومكافآتك؟

— لدي كل شيء.

صمتت للحظة ثم قالت:

— لا تحذري زوجك الآن. اجمعي الأدلة أولًا، ولا توقعي على أي مستند جديد.

أغلقت المكالمة وأنا أشعر براحة غريبة.

لم أعد خائفة.

كنت فقط أنتظر.

في الثامنة صباحًا تقريبًا، خرج محمود من غرفة النوم.

نظر إلى الصناديق الموضوعة بجوار الباب، ثم تجمد مكانه.

— ما هذا؟

أجبته بهدوء:

— أغراضك.

حدق في وجهي.

— أغراضي؟

— نعم.

ضحك ضحكة قصيرة وكأنه لا يصدق.

— سلمى، لا تبدئي دراما من أجل حفلة عيد ميلاد أمي.

نظرت إليه وقلت:

— ليست المشكلة في الحفلة.

سكت.

ثم اقترب مني.

— إذن ما المشكلة؟

رفعت كتفي.

— لا شيء. فقط أدركت أن كل شخص يجب أن يتحمل نتائج قراراته.

تغيرت ملامحه للحظة.

لكنه تماسك سريعًا.

— أنا ذاهب إلى أمي. وسنحل الموضوع عندما أعود.

قلت:

— افعل ما تريد.

خرج.

وبمجرد أن أغلق الباب، فتحت هاتفي.

كنت قد وضعت جهاز تسجيل صغيرًا في الصالة قبل أن يغادر.

لم أكن أعرف إن كان سيعود مع والدته أم سيكتفي بالاتصال بها.

لكن بعد أقل من ساعة، ظهر إشعار على هاتفي.

كان محمود قد دخل إلى الشقة مرة أخرى.

ومعه نوال.

تظاهرت بأنني في المطبخ.

سمعته يقول:

— قلت لك إنها بدأت تشك.

ردت نوال:

— لا تقلق. سأتعامل معها.

ثم قالت بصوت منخفض:

— هل ما زالت الأوراق مع هبة؟

أجاب:

— نعم.

— وهل دفعت العربون؟

— ليس بعد. نحتاج الـ300 ألف أولًا.

شعرت بقلبي يقفز.

كنت أعرف أن تسجيلهما وهما يتحدثان عن الخطة سيكون أهم من أي رسالة.

ثم قالت نوال:

— علينا أن ننهي الأمر هذا الأسبوع. هبة لن تنتظر إلى الأبد.

قال محمود:

— سأجعل سلمى تحول المبلغ اليوم.

ثم سألته أمه:

— وماذا عن الشقة التي تعيش فيها؟

توقف محمود للحظات.

ثم قال:

— بعد الطلاق ستكون الأمور معقدة.

ردت نوال:

— لهذا السبب أخبرتك أن توقع منها على الورقة قبل أن تعرف شيئًا.

تجمدت في مكاني.

أي ورقة؟

قال محمود:

— هي لن توقع.

ضحكت نوال.

— بل ستوقع.

— وكيف؟

قالت:

— أخبرها أن هناك مشكلة في ملكية الشقة، وأن المحامي يحتاج توقيعها على إقرار حتى لا تتحمل ديونًا ليست لها.

لم أصدق ما أسمعه.

كانوا يخططون لخداعي حتى أوقع مستندًا قد يؤثر على ملكية شقتي.

لكن الحديث لم ينتهِ.

قال محمود:

— المشكلة أن البنك أوقف البطاقة.

ردت نوال بغضب:

— إذن اجعلها تفتح لك بطاقة أخرى.

— لن تفعل.

— قل لها إنك تحتاجها لسداد فاتورة المطعم.

ابتسم محمود وقال:

— لا تقلقي. سأجعلها تشعر بالذنب.

عندها سمعت صوت هبة من خلفهما.

كانت قد دخلت الشقة دون أن أعرف.

قالت:

— هل أنتما متأكدان أنها لن تعرف؟

ساد الصمت.

ثم قال محمود:

— لن تعرف شيئًا حتى ننتهي.

أغمضت عيني.

هبة كانت هنا.

في منزلي.

وفي اللحظة نفسها فهمت لماذا كانوا مستعجلين جدًا.

لم تكن مجرد امرأة ينتظر محمود الانتقال إليها.

كانت جزءًا من الخطة كلها.

خرجت من المطبخ بهدوء.

توقفت الأصوات فورًا.

نظر محمود إليّ، ثم إلى أمه، ثم إلى هبة.

كانت هبة شابة في منتصف الثلاثينيات، ترتدي ملابس أنيقة وتحمل حقيبة باهظة الثمن.

قال محمود بسرعة:

— سلمى… هبة زميلة في العمل.

ابتسمت.

— لم أسأل من هي.

نظر إليّ باستغراب.

فقلت:

— لكنني أريد أن أسألكم سؤالًا واحدًا.

لم يرد أحد.

أشرت إلى الصناديق.

— من منكم يريد أخذ هذه الصناديق؟

قال محمود:

— لا وقت لهذا الآن.

قلت:

— بل لدينا كل الوقت.

ثم أخرجت هاتفي ووضعته على الطاولة.

شغلت التسجيل.

وانطلق صوت محمود في الغرفة:

«”بمجرد أن تحول سلمى الـ300 ألف، ستكون الشقة باسم هبة.”»

تغير وجه محمود بالكامل.

نوال شهقت.

أما هبة، فجلست على الكرسي وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.

أوقفت التسجيل.

ثم قلت:

— الآن يمكننا أن نتحدث.

لم يقل محمود كلمة واحدة.

فقط ظل ينظر إلى الهاتف.

أما أنا، فابتسمت بهدوء وقلت:

— لكن هناك شيء آخر لم تسمعوه بعد.

فتحت ملفًا آخر.

كان يحتوي على كل التحويلات المالية السابقة.

ثم قلت:

— لقد جمعت كل شيء.

وفي تلك اللحظة، رن جرس الباب.

مرة.

ثم مرة ثانية.

ذهبت وفتحته.

كان أمام الباب شخصان لم يتوقع محمود رؤيتهما أبدًا.

المحامية التي استعنت بها… ومعها خبير مالي كانت قد طلبت منه مراجعة الحسابات.

عندها فقط أدرك محمود أن لعبته انتهت.

لكن المفاجأة الأكبر كانت أن المحامية لم تأتِ وحدها.

كان معها ملف يحمل اسمًا آخر.

اسم شخص لم أكن قد ذكرته لأي أحد.

وعندما رأى محمود الاسم على غلاف الملف، تراجع خطوة إلى الخلف وقال:

— لا… مستحيل.

نظرت إليه وسألته:

— تعرفه؟

لم يجب.

فقالت المحامية بهدوء:

— يبدو أن لدينا مشكلة أكبر مما توقعنا.

ثم فتحت الملف.

وقالت:

— لأن هذه الأموال لم تكن تُسرق من حساب سلمى فقط…

هناك شخص آخر كان يحول أموالًا إلى حساب محمود منذ أكثر من عام.

أكيد، نكمل بالجزء قبل الأخير، مع تصعيد الأحداث وكشف الحقيقة كاملة قبل النهاية.

الجزء قبل الأخير

ساد الصمت داخل الشقة.

كانت نوال تحدق في المحامية، بينما ظل محمود واقفًا في مكانه وكأن قدميه التصقتا بالأرض.

أما هبة، فكانت تنظر إليه بقلق واضح.

وضعت المحامية الملف على الطاولة وقالت:

— قبل أن يبدأ أي شخص في إنكار شيء، من الأفضل أن يقرأ الجميع هذه المستندات.

مددت يدي وأخذت الملف.

كان يحتوي على كشوف حسابات وتحويلات مالية تمت خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية.

نظرت إلى الأرقام.

ثم إلى اسم المستفيد.

محمود حسن.

لكن المفاجأة لم تكن في وجود التحويلات.

المفاجأة كانت في مصدرها.

شركة والدته.

قلت:

— شركة نوال؟

أومأت المحامية.

— نعم.

نظرت إلى محمود.

— لماذا كانت والدتك تحول لك مبالغ شهرية سرًا؟

صرخ:

— هذا مالي! أمي كانت تساعدني!

قالت المحامية بهدوء:

— لو كان الأمر مجرد مساعدة عائلية، لما احتاجت التحويلات إلى حسابات وسيطة، ولما تم تسجيل بعضها تحت بنود مصروفات وهمية.

تغير وجه نوال.

قالت:

— أنتِ لا تفهمين شيئًا.

أجبتها:

— ربما. لكنني أقرأ جيدًا.

قلبت الصفحة التالية.

وجدت عدة مبالغ كبيرة، بعضها يتجاوز مئة ألف جنيه.

ثم وجدت مستندًا جعلني أشعر بصدمة جديدة.

كان هناك قرض تجاري باسم شركة نوال.

لكن الضامن في الأوراق كان…

محمود.

قلت:

— أنتما مديونان؟

لم يرد أحد.

رفعت عيني نحو محمود.

— كم؟

ظل صامتًا.

قالت المحامية:

— إجمالي الالتزامات، وفق المستندات الموجودة هنا، يتجاوز مليون جنيه.

شعرت بأن الصورة بدأت تكتمل.

لم يكن محمود يريد الـ300 ألف جنيه لشراء شقة لهبة فقط.

كان يريد المال لسداد جزء من ديون عائلته أيضًا.

والأخطر أن بعض هذه الديون كانت مرتبطة بعقود تحمل توقيعات مزورة.

قلت:

— ولهذا كنتم تحاولون السيطرة على مدخراتي؟

خفض محمود رأسه.

لكن هبة انفجرت فجأة:

— أنت قلت لي إن المال ملكك!

نظر إليها محمود بسرعة.

— هبة، ليس الآن.

صرخت:

— قلت لي إن زوجتك وافقت على الطلاق، وإن الشقة التي سنعيش فيها ستصبح لنا!

تدخلت نوال:

— اخرسي!

لكن هبة لم تتوقف.

قالت وهي تبكي:

— قلت لي إنك لا تحبها وإنك بقيت معها فقط بسبب المال!

نظرت إلى محمود.

لأول مرة لم يحاول الكذب.

قلت:

— كم من الوقت وأنت معها؟

صمت.

ثم قال:

— سنة تقريبًا.

ابتسمت بحزن.

— سنة كاملة؟

لم يجب.

تذكرت كل تلك الليالي التي كان يعود فيها متأخرًا.

كل الأعذار.

كل الاجتماعات المفاجئة.

كل المرات التي كنت أسأله فيها إن كان هناك شيء يخفيه عني، وكان يجيب:

— أنتِ لا تثقين بي.

الآن فهمت.

كان هو الذي لم يكن يستحق ثقتي.

لكنني لم أكن قد انتهيت.

أخرجت ورقة أخرى من الملف.

وضعتها أمامه.

تجمد وجهه.

قلت:

— وهذه؟

كانت الورقة عبارة عن اتفاق مبدئي لبيع الشقة.

شقتي أنا.

وكان اسمي مكتوبًا عليها.

لكن التوقيع لم يكن توقيعي.

رفعت رأسي ببطء.

— من فعل هذا؟

لم يرد محمود.

نظرت إلى نوال.

ثم إلى هبة.

وأخيرًا إلى المحامية.

قالت المحامية:

— هذا هو الجزء الأخطر. إذا ثبت أن التوقيع مزور، فالموضوع لم يعد مجرد خلاف زوجي أو مالي.

ثم أضافت:

— لهذا طلبت منك ألا تواجهيهم قبل أن نجمع الأدلة.

وضعت الورقة على الطاولة.

— وماذا كانوا ينوون فعلًا؟

أجابت:

— كانوا يحاولون بيع الشقة، ثم استخدام جزء من المال لسداد الديون، وتحويل الجزء الآخر إلى حساب لا يرتبط باسم محمود مباشرة.

نظرت إلى زوجي.

— وكنت ستتركني بلا منزل؟

قال بصوت منخفض:

— لم يكن الأمر سيصل إلى هذا الحد.

ضحكت.

— لم يكن سيصل؟

أشرت إلى التسجيل.

— خططتم للحصول على 300 ألف جنيه مني.

ثم أشرت إلى عقد الشقة.

— وحاولتم بيع منزلي.

ثم إلى كشوف الحسابات.

— وسرقتم أموالًا مني طوال أكثر من عام.

لم يجد شيئًا يقوله.

لكن نوال لم تستسلم.

قالت بغضب:

— كل هذا بسبب أنك رفضتِ مساعدة عائلتك!

نظرت إليها بدهشة.

— عائلتي؟

ثم قلت:

— أنتم لم تكونوا تريدون مساعدتي. كنتم تريدون أموالي.

في تلك اللحظة، أخرجت المحامية هاتفها.

قالت:

— هناك شيء آخر.

نظرت إليها.

— ماذا؟

فتحت رسالة إلكترونية.

كان المرسل هو البنك.

وجاء فيها أن محاولة تحويل مبلغ كبير من حسابي إلى حساب خارجي قد تم إيقافها قبل يومين بسبب وجود نشاط غير معتاد.

حدقت في الشاشة.

— محاولة تحويل؟

قالت:

— نعم.

نظرت إلى محمود.

— حاولت تحويل أموال من حسابي قبل يومين؟

قال بسرعة:

— لا!

لكن المحامية قالت:

— العملية تمت باستخدام بيانات البطاقة الإضافية والرمز الذي كان مسجلًا على جهاز محمود.

لم يعد يستطيع الإنكار.

اقتربت منه خطوة.

— لو أنني لم أوقف البطاقة، لكنت أخذت كل شيء.

قال بصوت مكسور:

— كنت سأعيده.

أجبته:

— لا.

ثم نظرت إلى الصناديق الستة بجوار الباب.

— كنت ستعيده عندما تنتهي حاجتك إليه.

ساد الصمت.

بعد دقائق، غادرَت المحامية وهي تحمل نسخًا من المستندات.

وقبل أن تغادر، قالت لي:

— لا تحاولي حل الأمر بينك وبينه وحدكما. من الآن فصاعدًا، كل شيء يجب أن يكون رسميًا.

بعد خروجها، بقي محمود ونوال وهبة في الشقة.

نظرت إليهم وقلت:

— أمامكم حتى صباح الغد لتخرجوا من حياتي.

قال محمود:

— سلمى، أرجوك…

قاطعته:

— انتهى وقت الرجاء.

ثم أضفت:

— لكن قبل أن تخرج، هناك شخص يجب أن تتحدث معه.

سأل بخوف:

— من؟

أخرجت هاتفي.

وعندما رأى الاسم على الشاشة، شحب وجهه.

كان اسم الشخص الذي أخبرته بكل شيء قبل ساعات.

والده.

كان محمود قد أخبرني طوال سنوات أن والده لا يعرف شيئًا عن مشاكله المالية.

لكنني كنت قد اكتشفت من المستندات أن الأمر مختلف تمامًا.

والآن كان والده في الطريق إلى هنا.

وعندما وصل بعد أقل من عشرين دقيقة، نظر أولًا إلى ابنه…

ثم إلى نوال…

ثم إلى الأوراق الموضوعة على الطاولة.

وقال جملة واحدة:

— كنت أعرف أنكما تخفيان شيئًا… لكنني لم أتخيل أنكما ستصلان إلى هذا الحد.

رفع محمود رأسه ببطء.

وهنا بدأت مواجهة ستكشف السر الأخير الذي أخفاه محمود عن الجميع طوال سنوات زواجه…

النهاية

دخل والد محمود إلى الشقة وأغلق الباب خلفه.

لم يجلس.

ظل واقفًا أمام ابنه، وفي يده نسخة من المستندات التي أرسلتها إليه قبل وصوله.

قال بصوت هادئ لكنه غاضب:

— محمود، انظر في عيني وأجبني. هل حاولت بيع شقة سلمى؟

خفض محمود رأسه.

— كنت أحاول حل مشكلة…

قاطعه والده:

— لم أسألك عن المشكلة. سألتك: هل فعلت ذلك؟

لم يجب.

فهم والده الإجابة.

التفت إلى نوال وقال:

— وأنتِ؟ هل كنتِ تعرفين؟

بدأت نوال في البكاء.

— فعلت كل هذا من أجل ابني.

هز رأسه بأسى.

— لا. أنتِ فعلتِ هذا لأنك علمتِ أن سلمى تملك مالًا، فقررتِ أن المال أصبح من حق عائلتنا.

ثم نظر إليّ.

— أنا آسف يا سلمى.

لم أعرف ماذا أقول.

كنت أريد فقط أن تنتهي هذه الكارثة.

لكن والد محمود لم ينتهِ.

أخرج هاتفه وقال:

— هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه.

نظر محمود إليه بفزع.

— أبي، لا…

قال والده:

— كفى.

ثم أخبرني أن محمود كان قد اقترض مبالغ كبيرة من عدة أشخاص خلال العامين الماضيين، وكان يستخدم جزءًا منها في مشروع تجاري فاشل.

وعندما خسر المال، بدأ يأخذ من حسابي دون علمي.

لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك.

كان محمود قد أخبر بعض الدائنين أنني سأدفع ديونه بعد أن “ننقل ملكية الشقة”.

لهذا السبب كانوا في عجلة من أمرهم.

إذا لم يدفع لهم، كانوا سيبدأون بملاحقته قانونيًا.

قلت:

— إذن كنت تريد استخدام شقتي لسداد ديونك؟

قال بصوت منخفض:

— كنت خائفًا.

أجبته:

— وأنا الآن لم أعد خائفة.

في اليوم التالي، اتخذت الإجراءات القانونية.

تم تجميد أي محاولة للتصرف في الشقة أو استخدام مستندات تحمل توقيعي دون إذني.

كما قدمت للمحامية كل الأدلة التي جمعتها: التسجيلات، الرسائل، كشوف الحسابات، ومحاولة التحويل المالي.

أما هبة، فقد اختفت من حياة محمود بمجرد أن اكتشفت الحقيقة كاملة.

وعرفت لاحقًا أنها لم تكن تعرف أن معظم المال الذي كان محمود يعدها به لم يكن ماله أصلًا.

لكنني لم أشعر بالشفقة عليه.

لأنه لم يكن قد خانني مرة واحدة.

لقد خطط لخيانتي.

وهذا فرق كبير.

بعد أسبوع، عدت إلى البنك.

كان حسابي آمنًا.

والمال الذي حاولوا الوصول إليه أصبح في حساب لا يعرف بياناته أحد سواي.

نظرت إلى الرقم الموجود أمامي.

ثم ابتسمت.

لم أعد أرى المال باعتباره مجرد مدخرات.

كان يمثل خمس سنوات من عملي.

تعبت من أجله.

وفّرت كل جنيه منه.

ولم يكن من حق أحد أن يقرر كيف يُنفق.

بعد شهر، تم الطلاق رسميًا.

خرج محمود من حياتي كما دخل إليها…

بكثير من الكلام.

لكن هذه المرة لم أسمح له بأن يأخذ معه شيئًا.

أما نوال، فلم تتصل بي مرة أخرى.

وبعد عدة أشهر، علمت أن ديونها ومشاكل الشركة أصبحت موضع تحقيق، وأن والد محمود اضطر إلى بيع بعض ممتلكاته لتسوية جزء من الالتزامات.

لم أشعر بالانتصار.

شعرت بالراحة فقط.

وفي يوم من الأيام، جلست في شرفتي أحتسي القهوة وأفتح ملفًا جديدًا على جهاز الكمبيوتر.

كان عنوانه:

“بيتي الجديد.”

ضحكت عندما تذكرت أن حلم شراء المنزل الذي خططت له طوال خمس سنوات كاد يتحول إلى أداة لتدمير حياتي.

لكنني لم أتخلَّ عن الحلم.

بل قررت أن أحققه وحدي.

وبعد أشهر، اشتريت منزلًا صغيرًا في مكان هادئ بالقرب من البحر.

وعندما وقفت أمامه للمرة الأولى، لم يكن معي محمود.

ولا نوال.

ولا هبة.

كنت وحدي.

لكنني كنت سعيدة.

نظرت إلى المفتاح في يدي وقلت:

— هذه المرة… كل شيء باسمي.

ثم رن هاتفي.

كانت رسالة من رقم مجهول.

فتحتها.

كانت جملة واحدة:

“مبروك يا سلمى… لقد نجوتِ من شيء أكبر بكثير مما كنتِ تعرفين.”

تجمدت للحظة.

ثم وصلت رسالة ثانية:

“لكن إذا أردتِ معرفة من كان يمول محمود طوال هذه السنوات، افتحي الملف الذي تركه والدُه لكِ.”

نظرت إلى الباب.

كان هناك ظرف أبيض موضوع أمام منزلي.

اقتربت منه وفتحته.

وفي داخله صورة قديمة…

صورة لمحمود مع رجل لم أره من قبل.

لكن خلف الصورة كان هناك اسم واحد.

اسم الشخص الذي كان يمول كل مخططاته.

وعندها أدركت أن قصتي مع محمود ربما انتهت…

لكن القصة الحقيقية لم تكن قد بدأت إلا الآن.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى