روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

قبل ليلة رأس السنة بثلاثة أيام، أخبرني زوجي أن جميع الرحلات الجوية من دبي إلى عمّان قد نفدت. قال وهو يتصفح هاتفه بلا مبالاة: — لقد بحثت في كل مكان. ليس أمامنا سوى القطار، وإلا سنفوت احتفال رأس السنة مع عائلتي.

 

كنت في الشهر السابع من الحمل.
كانت قدماي متورمتين، وظهري يؤلمني طوال الوقت، والطبيب حذرني بوضوح من الإرهاق والمجهود غير الضروري.
ومع ذلك، اشترى مروان التذاكر دون أن يهتم بكلامي.

وعندما وصلنا إلى المحطة، اكتشفت شيئًا نسي زوجي أن يخبرني به… أو بالأحرى، تعمد إخفاءه.
كان مروان وشقيقته سلمى يملكان مقعدين في عربة الدرجة الأولى، مع سريرين مريحين للنوم.
أما تذكرتي فكانت في الدرجة العادية.
والأسوأ من ذلك أن القطار كان ممتلئًا تمامًا.
لم يكن هناك مقعد شاغر واحد.

نظرت إلى مروان بدهشة.
— كنت تعرف هذا؟

جلست سلمى في مقعدها الجلدي الواسع، ثم ضحكت بسخرية.
— لا تكوني درامية يا ليان. سيغادر أحدهم في النهاية، وستجدين مكانًا.

أما مروان فاكتفى بهز كتفيه وقال:
— أنتِ حامل، ولستِ عاجزة.

لم أجد ما أقوله.
خلال الساعات الست الأولى، ظللت واقفة بين حقائب المسافرين، أتمسك بالعمود المعدني كلما اهتز القطار.
كنت أشعر بثقل الحمل في كل خطوة، وبألم حاد في أسفل ظهري.

وفي الجهة الأخرى، كان زوجي وشقيقته يستمتعان برحلتهما.
طلب مروان عشاءً فاخرًا.
وطلبت سلمى مشروبًا ساخنًا وبدأت تتناول طعامها براحة.

وبعد فترة، أطلّت سلمى برأسها من خلف الحاجز ونادتني بصوت مرتفع:
— ما زلتِ واقفة؟

ابتسم مروان وقال ضاحكًا:
— ربما الوقوف مفيد لها… اعتبريه تمرينًا!
ثم انفجرا في الضحك.

في تلك اللحظة، حدث شيء غريب بداخلي.
لم أنكسر.
بل أصبحت هادئة جدًا.
لأول مرة، رأيت زوجي على حقيقته.
مروان لم يكن مجرد رجل مهمل أو قليل الإحساس.
كان قاسيًا.

وطوال العام الماضي، كان يتصرف وكأنني لا أستطيع الاستغناء عنه.
كان يخبر الجميع أنني توقفت عن العمل بعد زواجنا، وأنني أصبحت أعتمد عليه في كل شيء.
من الناحية الظاهرية، كان كلامه صحيحًا.
لكن ما لم يخبر به أحد…
أنه قبل ثمانية عشر شهرًا، كنت قد بعت شركة متخصصة في الأمن السيبراني كنت أمتلكها.
ولم يكن مروان يعرف أنني ما زلت أملك السيطرة على صندوق عائلي ضخم، تبلغ قيمته أكثر من مجموع ممتلكات عائلته بأكملها.

حتى المنزل الفخم الذي كان يتباهى به أمام أقاربه ويطلق عليه اسم:
«بيتنا»
لم يكن في الحقيقة ملكه.
كان الصندوق العائلي الخاص بي هو من اشتراه.
واسم مروان لم يكن موجودًا على سند الملكية.
لكن مروان لم يكن يعرف شيئًا من ذلك.

عند الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة ليلًا، توقف القطار في مدينة الزرقاء.
كان مروان نائمًا في مقعده المريح.
أما سلمى فكانت تتابع فيلمًا على هاتفها.

حملت حقيبتي بهدوء.
ثم نزلت من القطار.
لم ألتفت إلى الخلف إلا مرة واحدة.
رأيت مروان نائمًا بسلام في الدرجة الأولى، وكأن شيئًا في العالم لا يعنيه.

أخرجت هاتفي واتصلت بالرجل الوحيد الذي قضى مروان أربع سنوات يحاول جاهدًا أن يترك لديه انطباعًا جيدًا.
والدي.

— أبي؟
جاء صوته فورًا:
— ليان؟ ماذا حدث؟

نظرت إلى القطار الذي بدأ يستعد للانطلاق.
ثم قلت بهدوء:
— هل يمكنك إرسال الطائرة؟

ساد الصمت لثوانٍ.
ثم تغير صوت والدي.
أصبح باردًا وحازمًا.
— أين زوجك؟

نظرت إلى نافذة عربة الدرجة الأولى.
كان مروان لا يزال نائمًا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت:
— ما زال في القطار.

ولم أكن أعلم وقتها أن تلك الجملة ستكون بداية النهاية لكل شيء بناه مروان طوال السنوات الماضية.
لأنه عندما يصل القطار إلى وجهته بعد خمسين ساعة…
لن يجد زوجة تنتظره في المنزل.
بل سيجد حقيقة قادرة على تدمير حياته بالكامل.

بعد أقل من عشرين دقيقة، سمعت صوت سيارة تتوقف بالقرب من المحطة.
رفعت رأسي، فرأيت سيارة سوداء فاخرة تتوقف أمامي، ثم نزل منها رجلان.
كان أحدهما يرتدي بدلة رسمية، والآخر يحمل معطفًا شتويًا سميكًا.

تقدم أحدهما نحوي وقال باحترام:
— الآنسة ليان؟ والدك أرسلنا إليك.
أومأت برأسي.
ساعدني أحدهما على ارتداء المعطف، بينما أخذ الآخر حقيبتي.

وقبل أن أغادر، نظرت إلى القطار مرة أخيرة.
كان قد تحرك بالفعل.
مروان لم يكن يعلم أنني نزلت.
ولم يكن يعلم أنني لن أعود إليه.

ركبت السيارة، وبعد دقائق رن هاتفي.
كان مروان.
نظرت إلى الشاشة وتركت الاتصال ينتهي.

بعد لحظات وصلتني رسالة منه:
«أين أنتِ؟»
ثم رسالة أخرى:
«لا تقولي إنك صنعتِ مشكلة ونزلتِ من القطار.»

ثم اتصل مجددًا.
هذه المرة أجبته.
— نعم؟

جاء صوته غاضبًا:
— أين أنتِ بحق السماء؟
— نزلت من القطار.

ساد صمت قصير.
ثم ضحك باستخفاف.
— لا تكوني مجنونة. اصعدي في المحطة القادمة.

قلت بهدوء:
— لن أصعد.
— ليان، كفى تصرفات طفولية. أنتِ حامل، ولا يمكنكِ السفر وحدك.

أجبته:
— كنت أستطيع السفر وحدي قبل أن أتزوجك. وسأستطيع الآن.
ارتفع صوته:
— ومن سيعتني بك؟

نظرت من نافذة السيارة إلى أضواء المدينة.
— الشخص الذي كان يعتني بي قبل أن أعرفك.
ثم أغلقت الهاتف.
لم أتصل به مرة أخرى.

بعد دقائق، توقفت السيارة أمام منزل والدي.
كان والدي ينتظرني عند الباب.
ما إن رآني حتى تقدم مسرعًا نحوي.
— يا ابنتي!
احتضنني بقوة، ثم ابتعد قليلًا ونظر إلى وجهي.
— هل آذاك؟

هززت رأسي.
— لا.
— هل قال شيئًا جعلك تنزلين من القطار؟

ابتسمت بحزن.
— لم يقل شيئًا جديدًا يا أبي. هو فقط جعلني أفهم أشياء كنت أرفض الاعتراف بها.
لم يسألني أكثر.
كان يعرف أنني سأخبره عندما أكون مستعدة.

دخلت المنزل، وجلست في غرفة المعيشة.
وضعت يدي على بطني.
كان طفلي يتحرك بهدوء.
شعرت بالدموع تملأ عيني.
قلت:
— لن أسمح لأحد أن يعامل طفلي كما عاملني.

جلس والدي أمامي وقال:
— إذن ماذا تريدين أن تفعلي؟
نظرت إليه بثبات.
— أريد أن أعرف كل شيء.
— عن ماذا؟
— عن مروان.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى