روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

تغيرت ملامح والدي.
— ماذا تقصدين؟
— أريد أن أعرف أين ذهب المال الذي أخذته شركته من حساباتنا، ومن الذي يوقع معه العقود، ومن هم الأشخاص الذين يعملون معه.

ظل والدي صامتًا للحظات.
ثم قال:
— كنت أعرف أنك ستصلين إلى هذه النقطة يومًا ما.

رفعت رأسي بدهشة.
— ماذا تعني؟
نهض والدي، واتجه إلى مكتبه، ثم عاد بملف أسود سميك.
وضعه أمامي.
— هذا الملف كنت أحتفظ به منذ أشهر.

فتحته.
في الصفحة الأولى كانت هناك صور ومعلومات عن شركة مروان.
وفي الصفحة الثانية…
وجدت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.
كان هناك تحويل مالي كبير من حساب إحدى شركات مروان إلى حساب شخص لا أعرفه.
لكن المفاجأة لم تكن في قيمة التحويل.
كانت في اسم صاحب الحساب.
إنه اسم امرأة.

رفعت عيني إلى والدي.
— من هذه؟
أجاب بهدوء:
— هذا ما نحاول معرفته.

قلبت الصفحة.
كانت هناك صورة للمرأة.
حدقت فيها طويلًا.
لم أكن أعرفها.
لكن شيئًا في الصورة جعل قلبي ينقبض.
ثم وجدت أسفلها ملاحظة مكتوبة بخط اليد:
«تظهر في حياة مروان منذ ستة أشهر.»

شعرت بالغضب.
لكن والدي أمسك يدي وقال:
— لا تتسرعي يا ليان.
— لماذا؟
— لأن هناك شيئًا آخر.

فتح الصفحة الأخيرة.
وعندما قرأت السطر الأول، لم أستطع الكلام.
كان مكتوبًا:
«مروان لم يكن يتصرف مع ليان بقسوة بسبب كرهه لها… بل لأنه كان يحاول إجبارها على توقيع أوراق معينة.»

توقفت أنفاسي.
— أي أوراق؟
نظر والدي إلى عيني مباشرة.
— أوراق تتعلق بالمنزل… وبأموال الصندوق العائلي.

ساد الصمت.
ثم أدركت الحقيقة التي لم تخطر ببالي طوال زواجنا.
مروان لم يكن يريدني فقط أن أترك المنزل.
كان يريدني أن أتنازل عن شيء لم يكن يعرف حتى أنني أملك السيطرة عليه.
لكن كانت هناك مشكلة واحدة…
لقد ارتكب خطأً أكبر بكثير.

ففي اليوم التالي، عندما وصل القطار إلى وجهته، كان مروان وسلمى يترجلان من العربة وهما يضحكان.
كانا يتحدثان عن كيفية إقناعي بالعودة.
لكن بمجرد أن رفع مروان عينيه…
تجمد في مكانه.
لأنني كنت أقف في الجهة المقابلة من المحطة.
وبجانبي والدي.
ورجلان من المحامين.
وخلفهم…
كانت هناك امرأة لم يتوقع مروان أبدًا أن يراها.

توقفت خطوات مروان تمامًا.
اختفت ابتسامته في لحظة.
أما سلمى، التي كانت تجر حقيبتها خلفه، فقد اصطدمت به من الخلف.
— لماذا توقفت؟
لم يجبها.
كان ينظر إلى المرأة الواقفة بجوار والدي وكأنه رأى شبحًا.

اقتربت المرأة منا ببطء.
كانت في منتصف الأربعينيات، ترتدي معطفًا أنيقًا، وتحمل حقيبة جلدية صغيرة.
نظرت إلى مروان وقالت:
— يبدو أنك لم تتوقع رؤيتي هنا.
تغير وجهه.
— أنتِ…
ابتسمت ابتسامة باردة.
— نعم، أنا.

نظرت إلى والدي.
— هل أخبرتها بكل شيء؟
أجاب والدي:
— أخبرتها بما يكفي.

كنت أقف في صمت، لا أفهم شيئًا.
قلت:
— أبي، من هذه؟
وقبل أن يجيب، تقدمت المرأة نحوي.
— اسمي هند.
مدت يدها لي.
صافحتها وأنا لا أزال مرتبكة.
قالت:
— كنت أعمل محاسبة في إحدى شركات مروان.

تجمدت.
نظرت إلى مروان.
— محاسبته؟
خفض عينيه.

قالت هند:
— عملت معه خمس سنوات. وفي الأشهر الأخيرة اكتشفت تحويلات مالية لم أفهم سببها.
تدخلت سلمى بعصبية:
— هذا افتراء!
نظرت إليها هند بهدوء.
— لو كان افتراءً، فلماذا حاول شقيقك شراء صمتي؟
اتسعت عينا سلمى.
أما مروان فصرخ:
— كفى!

اقترب والدي خطوة.
— اخفض صوتك.
لأول مرة رأيت الخوف الحقيقي في عيني مروان.
قال لي:
— ليان، دعينا نتحدث وحدنا.
هززت رأسي.
— لا.
— أنتِ زوجتي.
ابتسمت بسحرية:
— زوجتك؟

ثم نظرت إلى الرجلين الواقفين بجوار والدي.
— لم تعد هذه المسألة بين زوج وزوجته فقط.
أخرج أحد المحامين ملفًا من حقيبته.
وقال:
— السيد مروان، هناك بعض المستندات التي نحتاج منك إلى الاطلاع عليها.

أخذ مروان الملف.
فتح الصفحة الأولى.
ثم الثانية.
وفي الصفحة الثالثة، تغير وجهه بالكامل.
كان عقد ملكية المنزل.
لكن الاسم الموجود عليه لم يكن اسمه.
كان اسمي.

رفع عينيه إليّ.
— ماذا فعلتِ؟
قلت بهدوء:
— لم أفعل شيئًا.
— هذا المنزل…
— اشتراه والدي من أموالي قبل زواجنا.
صمت.
ثم قال:
— لكنك أخبرتني أنه منزلنا!
— قلت لك إنه منزلنا لأنني كنت أعتبرك عائلتي.
ثم أضفت:
— لكنك أنت من قرر أن يجعلني غريبة في منزلك.

تدخلت سلمى وهي غاضبة:
— مروان، لا تقف هكذا! قل لها إنك دفعت ثمن المنزل!
نظر إليها.
ولم يجب.
عندها فهمت أن الأمر لم يكن لمجرد كذبة صغيرة.
كان هناك شيء أكبر.

التفت إلى هند.
— وما قصة التحويلات؟
أخرجت هند مجموعة أوراق.
— هذه التحويلات خرجت من الشركة على مدار أشهر.
— إلى أين؟
أشارت إلى عدة أرقام.
— إلى شركات وهمية مرتبطة بأشخاص مقربين من مروان.

نظر مروان إليها بغضب.
— ليس لديك دليل!
قال والدي:
— بل لدينا.
ثم أشار إلى أحد المحامين.
فتح جهازه اللوحي، وعرض مجموعة من المستندات.
— لدينا سجلات مصرفية، وعقود، ورسائل إلكترونية.

تراجعت سلمى خطوة.
— ماذا يحدث؟
أجابها والدي:
— يحدث أن ابنتي لم تكن المرأة الضعيفة التي ظننتماها.

ساد الصمت.
ثم رن هاتف مروان.
نظر إلى الشاشة.
تغير وجهه مرة أخرى.
كان الاتصال من مدير أحد البنوك.
أجاب بتوتر:
— نعم؟
استمع لثوانٍ.
ثم قال:
— ماذا؟!

أغلق الهاتف.
نظر إلينا.
لم يتكلم.
سألته:
— ماذا حدث؟
قال بصوت منخفض:
— حسابات الشركة تم تجميدها.

لم أشعر بالفرح.
كنت أشعر فقط بخيبة عميقة.
الرجل الذي ظن أنه يستطيع إذلالي أمام الناس…
لم يكن يعرف أنه فقد السيطرة على كل شيء قبل أن يصل إلى المنزل.

اقترب مني وقال:
— ليان، أرجوكِ.
كانت تلك أول مرة أسمع فيها كلمة «أرجوك» من مروان.
لكنني لم أتراجع.
— انتهى كل شيء يا مروان.
قال:
— لا يمكنكِ أن تفعلي هذا بي.
نظرت إلى عينيه.
— أنا لم أفعل بك شيئًا.
ثم أشرت إلى القطار خلفه.
— أنت فعلت ذلك بنفسك.

في تلك اللحظة، وضعت يدي على بطني.
تحرك طفلي تحت يدي.
ابتسمت رغم كل شيء.
ثم قلت:
— والآن، أهم شيء عندي هو أن يعود طفلي إلى بيت آمن… بعيدًا عنك.

لكن قبل أن أغادر المحطة، أمسكت هند بذراعي.
وقالت بصوت خافت:
— ليان… هناك شيء آخر لم أخبرك به.
نظرت إليها.
— ماذا؟
ترددت للحظة.
ثم قالت:
— الأموال التي كان مروان يحولها لم تكن تخص شركته فقط.
— ماذا تقصدين؟
نظرت إلى والدي.
ثم قالت:
— جزء من تلك الأموال خرج من حسابك أنتِ.

شعرت بالصدمة.
— مستحيل.
أخرجت هند ورقة أخيرة.
وضعتها أمامي.
— توقيعك موجود هنا.

نظرت إلى الورقة.
كان التوقيع يشبه توقيعي تمامًا.
لكنني لم أوقع عليها.
رفعت رأسي ببطء.
إذا كان توقيعي مزورًا…
فهذا يعني أن مروان لم يكن يخطط فقط لأخذ أموالي.
كان هناك شخص آخر يعرف كل أسراري المالية.
وشخص كنت أثق به…
ثقة عمياء.

حدقت في الورقة وكأنني أحاول أن أقنع نفسي بأن ما أراه غير حقيقي.
كان التوقيع يشبه توقيعي إلى حد مخيف.
حتى الطريقة التي تنتهي بها آخر حروف اسمي كانت مطابقة تمامًا.
قلت بصوت مرتجف:
— أنا لم أوقع هذه الورقة.
قالت هند:
— أعرف.
رفعت عيني إليها.
— كيف تعرفين؟
أجابت:
— لأنني كنت موجودة عندما أُعدت هذه الأوراق.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى