روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني في صباح اليوم الرابع، كنت أجلس في منزل سارة، أحتسي قهوتي وأراجع بعض الأوراق التي طلبتها مني المحامية أمل. كنت أظن أن القضية بسيطة. ثلث منزل باسمي. ومساهمات مالية دفعتها لسنوات. وبالتالي، كان من حقي أن أعرف ما يحدث في العقار. لكن عندما دخلت المحامية إلى غرفة الجلوس، كانت تحمل ملفًا بنيًا سميكًا.

 

وضعته أمامي دون أن تتكلم.

قلت:

— إيه ده؟

أجابت:

— مستندات الملكية وبعض السجلات التي حصلت عليها صباح اليوم.

فتحت الملف.

في البداية، رأيت نسخة من عقد الملكية القديم.

ثم كشوفًا ضريبية.

ثم مستندات خاصة بالصيانة.

كل شيء كان طبيعيًا.

حتى وصلت إلى صفحة جعلت يدي تتوقف.

كان هناك عقد قرض عقاري.

باسم والدي.

وباسم والدتي.

لكن اسمي كان موجودًا أيضًا.

رفعت رأسي بسرعة.

— أنا موقعتش على ده.

قالت المحامية بهدوء:

— عارفة.

— إزاي؟

أشارت إلى أسفل الصفحة.

— لأن التوقيع الموجود هنا ليس توقيعك الحقيقي.

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

قلت:

— يعني حد زور توقيعي؟

أومأت.

— على الأغلب.

أخذت الورقة مرة أخرى.

كان القرض بمبلغ ضخم.

أكبر بكثير من أي مبلغ يمكن أن أتخيله.

سألتها:

— والقرض ده اتاخد إمتى؟

نظرت إلى التاريخ.

— من حوالي سنة ونصف.

شعرت بأنفاسي تضيق.

قبل سنة ونصف…

كنت وقتها أعيش في شقتي مع ليان.

وكنت أعمل لساعات طويلة.

ولم أذهب إلى البنك الذي يظهر اسمه في المستند ولو مرة واحدة.

قلت:

— أنا عمري ما طلبت قرض.

قالت أمل:

— وأنا مصدقاكي. لكن المشكلة إن المستندات الرسمية تقول إنك وافقتِ على استخدام حصتك في المنزل كضمان للقرض.

سألتها:

— طب الفلوس راحت فين؟

فتحت ملفًا آخر.

— هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

كانت هناك تحويلات مالية.

مبالغ كبيرة خرجت من حساب القرض على دفعات.

بعضها ذهب إلى شركة مقاولات.

وبعضها إلى حساب شخص باسم حسام.

زوج أختي.

تجمدت في مكاني.

— حسام؟

قالت أمل:

— نعم.

لم أستطع الكلام للحظات.

تذكرت كيف وقف أمامي قبل أيام وقال إن المكتب هو “مساحة عمله”.

تذكرت أمي وهي تقول إن المنزل لا يوجد به مكان لليان.

وتذكرت نهى وهي تقف بجوارها وكأن الأمر لا يعنيها.

لكنني رفضت أن أستنتج شيئًا قبل أن أمتلك الدليل.

قلت:

— ممكن يكون فيه تفسير تاني.

ابتسمت المحامية ابتسامة صغيرة.

— لهذا السبب لم أتهم أحدًا.

ثم أخرجت ورقة أخرى.

— لكن هناك شيء آخر.

نظرت إليها.

— إيه؟

قالت:

— عنوان البريد الإلكتروني المستخدم في إجراءات القرض مرتبط برقم هاتف مسجل باسم أختك.

شعرت وكأن أحدهم صفعني.

نهى.

أختي التي قضيت سنوات أحاول إرضاءها.

أختي التي كانت تحصل دائمًا على ما تريد.

لكنني لم أكن مستعدة بعد لتصديق أنها يمكن أن تفعل هذا بي.

سألت:

— هل ده معناه إن أختي زورت توقيعي؟

أجابت أمل:

— لا يمكننا قول ذلك قبل انتهاء التحقيق.

ثم أضافت:

— لكن عندنا سبب كافٍ لفتح تحقيق رسمي.

في تلك اللحظة رن هاتفي.

كانت أمي.

نظرت إلى الشاشة.

لم أرد.

بعد ثوانٍ، وصلت رسالة.

“مريم، لازم ترجعي البيت فورًا. المحامية بعتت لنا إنذار، وإحنا مش فاهمين إنتِ بتعملي إيه.”

قرأت الرسالة مرة أخرى.

لم أجب.

ثم وصلت رسالة أخرى.

“إنتِ بتعاقبينا علشان موضوع ليان؟ إحنا أهلك.”

كدت أضحك من شدة المرارة.

أهلي؟

عندما احتجنا إليهم، لم يكن هناك مكان لابنتي.

لكن عندما تعلق الأمر بالمنزل، أصبحنا فجأة عائلة.

بعد دقائق، اتصلت نهى.

هذه المرة أجبت.

— ألو؟

قالت بصوت غاضب:

— إنتِ إيه اللي عملتيه؟

— عملت إيه؟

— المحامية بعتت لنا خطاب بتقول إنك بتطالبي بحقك في البيت وبتوقفي مساهماتك المالية!

قلت بهدوء:

— لأن البيت فيه جزء ملكي.

— ده بيتنا كلنا!

— وأنا واحدة من “كلنا”.

صمتت للحظة.

ثم قالت:

— ماما وبابا عاشوا هنا طول عمرهم.

— وأنا كمان.

— إنتِ عايزة تطرديهم؟

— أنا ما قلتش كده.

صرخت:

— أمال عايزة إيه؟

نظرت إلى المحامية.

ثم قلت:

— عايزة أعرف الحقيقة.

تغير صوت نهى.

— حقيقة إيه؟

قلت:

— القرض العقاري.

ساد صمت طويل.

أطول مما ينبغي.

ثم قالت:

— قرض إيه؟

عرفت في تلك اللحظة أنها تكذب.

قلت:

— القرض اللي اتاخد بضمان حصتي في البيت.

لم تجب.

— نهى؟

أغلقت الهاتف.

نظرت إلى أمل.

قالت:

— أعتقد إننا محتاجين نتحرك بسرعة.

في اليوم التالي، تقدمت المحامية بطلب رسمي للحصول على كامل ملف القرض.

وبعد ساعات، ظهرت تفاصيل جديدة.

القرض لم يكن من أجل إصلاح المنزل.

ولم يكن من أجل علاج والدي.

ولم يكن من أجل أي ظرف طارئ.

كان المال قد استُخدم في شراء عقار آخر.

عقار مسجل باسم…

نهى وحسام.

شعرت بالغضب لأول مرة.

ليس لأنهم اشتروا منزلًا.

ولكن لأنهم فعلوا ذلك بأموال مرتبطة بحصتي أنا.

ومع ذلك، كانت هناك مفاجأة أكبر.

قالت أمل:

— مريم، لازم تشوفي ده.

وضعت أمامي تقريرًا من البنك.

— في يوم توقيع القرض، تم تقديم نسخة من بطاقة هويتك.

نظرت إليها.

— أكيد دي صورة قديمة.

هزت رأسها.

— لا.

ثم أشارت إلى التاريخ.

— الصورة المستخدمة هنا تم استخراجها من ملف رسمي خاص بك.

سألتها:

— يعني حد كان عنده إمكانية الوصول لبياناتي؟

— بالضبط.

بدأت أسترجع كل الأماكن التي تركت فيها نسخًا من أوراقي.

العمل.

البنك.

إجراءات التبني.

التأمين.

وأخيرًا…

منزل والدي.

توقفت.

كنت قد تركت عند أمي منذ سنوات نسخة من أوراق هويتي وبعض المستندات القديمة.

قلت:

— أمي كانت عندها صور من أوراقي.

لم تجب أمل.

فقط كتبت ملاحظة في دفترها.

ثم قالت:

— سنحتاج أن نعرف من استخدمها.

بعد يومين، طلب البنك حضور جميع الأطراف.

ذهبت أنا والمحامية.

وصل والدي ووالدتي.

ثم دخلت نهى وحسام.

كان أبي يبدو متوترًا.

أما أمي فكانت غاضبة.

قالت بمجرد أن رأتني:

— إنتِ وصلتي الموضوع للمحاكم؟

أجبت:

— أنا بحاول أحمي حقي.

صرخت:

— إحنا أهلك!

نظرت إليها وقلت:

— ولما بنتي كانت محتاجة مكان تنام فيه، أنا كنت إيه؟

ساد الصمت.

حتى أبي لم يستطع النظر في عيني.

جلس موظف البنك أمامنا، ثم قال:

— هناك بعض المستندات التي نحتاج إلى مراجعتها.

فتح ملفًا.

— القرض تم تقديمه إلكترونيًا، ثم تم استكمال بعض الإجراءات بالحضور الشخصي.

سألته:

— مين حضر؟

نظر إلى الأوراق.

ثم قال:

— حسب السجلات، السيدة مريم.

شعرت بالصدمة.

قلت:

— مستحيل. أنا ما جيتش هنا.

ثم أخرج صورة.

كانت صورة من كاميرا المراقبة.

نظرنا جميعًا إليها.

امرأة ترتدي معطفًا داكنًا، وتضع وشاحًا يغطي جزءًا من وجهها.

لكنها كانت تجلس أمام الموظف.

وتحمل أوراقًا.

وتوقع.

اقتربت من الشاشة.

ثم شعرت بقلبي يتوقف.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى