روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

لم تكن المرأة أمي.

ولم تكن نهى.

ولم تكن أي شخص غريب.

كانت امرأة أعرفها جيدًا.

كانت زميلة قديمة من عملي.

لكن السؤال الذي لم أستطع الإجابة عنه كان:

لماذا كانت تملك أوراقي؟

والأخطر…

من الذي طلب منها أن تنتحل شخصيتي؟
الجزء الثالث

ظللت أحدق في شاشة الحاسوب وكأنني غير قادرة على استيعاب ما أراه.

كانت المرأة التي ظهرت في تسجيل البنك هي هدى، زميلة سابقة لي في العمل.

قالت المحامية أمل:

— هل أنتِ متأكدة أنها هي؟

أومأت.

— أيوه. أعرفها كويس.

تدخل حسام بسرعة:

— ممكن تكون واحدة شبهها.

التفت إليه.

— لا. أنا متأكدة.

رفع موظف البنك صوته قليلًا:

— نحتاج إلى الهدوء من فضلكم.

ثم أعاد تشغيل التسجيل.

ظهرت هدى وهي تدخل البنك، تجلس أمام الموظف، تخرج الأوراق، ثم توقع في المكان المخصص لتوقيعي.

لكن المفاجأة لم تكن في وجودها.

كانت في الشخص الذي دخل خلفها بدقائق.

نهى.

تجمدت ملامحي.

نظرت إلى أختي.

— إنتِ كنتِ هناك؟

ارتبكت.

— أنا… كنت بمر على البنك في نفس اليوم.

قلت:

— صدفة؟

لم تجب.

قالت أمل:

— نحتاج إلى نسخة كاملة من التسجيل، وليس هذا الجزء فقط.

وافق البنك على تسليم التسجيل للجهات المختصة.

ثم طلبت المحامية شيئًا آخر.

— نريد معرفة الحساب الذي حُولت إليه أموال القرض.

فتح الموظف الملف.

وقال:

— الحساب المستفيد مسجل باسم شركة عقارية.

سألت:

— ومين صاحب الشركة؟

نظر إلى الشاشة.

ثم قال:

— السيدة نهى عبدالسلام.

شعرت أنني لم أعد أسمع شيئًا.

نظرت إلى أختي.

كانت شاحبة.

قال أبي:

— نهى؟

بدأت أمي في الدفاع عنها فورًا.

— أكيد فيه سوء تفاهم.

التفتُّ إليها.

— سوء تفاهم إيه يا ماما؟

ثم نظرت إلى حسام.

— والفلوس اللي دخلت حسابك؟

لم يرد.

اقتربت منه المحامية.

— لدينا كشف تحويلات يوضح ذلك.

قال حسام:

— أنا كنت شريكًا في المشروع.

ضحكت بسخرية.

— مشروع؟

رد:

— أيوه.

— مشروع اشتريتم به بيتًا باسمكم من فلوس قرض باسمي؟

لم يجد إجابة.

هنا وقف أبي.

— نهى، قولي الحقيقة.

بدأت أختي تبكي.

ولأول مرة منذ سنوات، رأيت الخوف في عينيها.

قالت:

— أنا ما كنتش عايزة أعمل كده.

شعرت بأن شيئًا داخلي انهار.

— تعملي إيه؟

نظرت إليّ.

— مريم… إحنا كنا محتاجين الفلوس.

— مين “إحنا”؟

— أنا وحسام.

قلت:

— وليه أنا؟

خفضت رأسها.

— لأن البيت كان فيه نصيبك.

— ثلث البيت.

— أيوه.

— وقررتي تاخدي قرض بضمان ملكيتي من غير ما أعرف؟

بكت.

لكنني لم أشعر بالشفقة.

قالت:

— كنا هنرجع الفلوس.

رددت:

— إمتى؟

لم تجب.

— إمتى يا نهى؟

ظل الصمت سيد المكان.

ثم قال حسام:

— كان عندنا مشروع عقاري، وحصلت مشكلة في السيولة.

نظرت إليه.

— فسرقتوا حقي؟

صرخت أمي:

— متقوليش سرقة!

نظرت إليها بدهشة.

— أمال تسميها إيه؟

قالت:

— دي أختك.

أجبت:

— وأنا بنتك.

ساد الصمت.

كانت تلك أول مرة أقولها بصوت مرتفع.

أنا أيضًا ابنتك.

ولم أكن مستعدة بعد الآن لقبول أن أكون الأقل أهمية.

بعد الاجتماع، طلبت أمل مني ألا أتحدث مع أي شخص من العائلة بمفردي.

— من اللحظة دي، كل شيء لازم يكون موثق.

عدت إلى منزل سارة.

وجدت ليان جالسة على الأرض مع ملك، ترسمان بيتًا كبيرًا.

اقتربت مني ليان.

— ماما، شوفي!

رفعت الرسم.

كان هناك بيت.

وبجانبه شجرتان.

وفوق الباب كتبت بخط طفولي:

“بيت ماما وليان.”

احتضنتها.

ولأول مرة منذ أيام، بكيت.

لكن دموعي هذه المرة لم تكن بسبب الرفض.

كانت بسبب شيء آخر.

كنت قد فهمت أخيرًا أنني لم أكن أدافع عن منزل.

كنت أدافع عن حق ابنتي في أن تكبر وهي تعرف أن لها مكانًا.

في اليوم التالي، اتصلت بي المحامية.

قالت:

— عندنا تطور جديد.

— إيه؟

— البنك أرسل لنا نسخة من كل المستندات التي استُخدمت في القرض.

— ولقينا تزوير؟

— أكثر من ذلك.

توقفت قليلًا.

ثم قالت:

— التوقيع لم يكن التزوير الوحيد.

شعرت بالتوتر.

— فيه إيه تاني؟

— هناك توكيل.

— توكيل؟

— توكيل موثق يفترض أنك منحته لنهى لإدارة حصتك في العقار.

ضحكت من شدة الصدمة.

— أنا عمري ما عملت توكيل لنهى.

— عارفة.

— إذن التوكيل مزور أيضًا؟

— على الأغلب.

ثم قالت:

— لكن هناك شيء غريب.

— إيه؟

— التوكيل تم توثيقه قبل القرض بستة أشهر.

جلست على الكرسي.

هذا يعني أن الأمر لم يكن قرارًا مفاجئًا.

كان مخططًا له.

منذ وقت طويل.

قالت أمل:

— والأغرب أن هناك شخصًا شهد على التوقيع.

سألت:

— مين؟

ذكرت الاسم.

توقفت أنفاسي.

كان خال أمي، جلال.

الرجل الذي كان أقرب شخص إلى عائلتنا بعد جدي.

لم أفهم.

لماذا؟

ولماذا لم يخبرني؟

في تلك الليلة، ذهبت أمي إلى منزل سارة.

رفضت في البداية أن أفتح لها الباب.

لكنها ظلت واقفة أمام الباب.

— مريم، لازم نتكلم.

خرجت إليها.

قالت:

— أنا عارفة إنك زعلانة.

— أنا مش زعلانة يا ماما.

— أمال إيه؟

قلت:

— أنا فقدت الثقة فيكم.

خفضت رأسها.

ثم قالت:

— نهى غلطت.

— وإنتِ؟

لم ترد.

— كنتِ عارفة؟

بدأت عيناها تمتلئان بالدموع.

وهنا فهمت.

لم أحتج إلى إجابة.

قلت:

— من إمتى؟

قالت:

— من البداية.

شعرت كأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.

— من البداية؟

— كنا عايزين نحمي البيت.

ضحكت بمرارة.

— تحموا البيت؟

— أيوه.

— من مين؟

نظرت إليّ.

ثم قالت:

— منك.

لم أفهم.

— مني أنا؟

قالت:

— كنتِ ناوية تبيعي حصتك وتبعدي عن العيلة.

قلت:

— وده كان يديكم الحق تزوروا توقيعي؟

بدأت تبكي.

— إحنا كنا خايفين نخسر البيت.

— البيت اللي جزء منه ملكي؟

لم تجب.

ثم قالت جملة لم أنسها أبدًا:

— أبوك كان عليه ديون قديمة.

توقفت.

— ديون إيه؟

— ديون ما تعرفيش عنها حاجة.

— قد إيه؟

قالت رقمًا جعلني أصمت.

كان المبلغ ضخمًا.

أكبر من القرض نفسه تقريبًا.

سألت:

— وإيه علاقة ده بيا؟

أمي لم تجب.

ثم قالت:

— لأن الديون بدأت بسبب جدك.

— جدي؟

أومأت.

— وكان فيه سر في ملكية البيت.

شعرت بقشعريرة.

— أي سر؟

لكنها لم تخبرني.

قبل أن تغادر، قالت:

— اسألي خالك جلال.

ثم استدارت.

وقبل أن تصل إلى السيارة، توقفت وقالت:

— لكن مهما قال لك، متصدقيش كل حاجة.

أغلقت باب السيارة وغادرت.

وقفت أمام منزل سارة وأنا أشعر أنني لم أعد أعرف عائلتي.

في صباح اليوم التالي، اتصلت بخالي جلال.

لم يجب.

اتصلت مرة ثانية.

ثم ثالثة.

وفي الرابعة، جاءني رد من رقم غريب.

كانت رسالة قصيرة:

“مريم، لو عايزة تعرفي الحقيقة عن البيت، تعالي لوحدك.”

أسفل الرسالة كان هناك عنوان.

عنوان لم أزره منذ أكثر من عشرين عامًا.

البيت القديم الذي كان يملكه جدي.

ذهبت إلى هناك مع المحامية أمل، رغم أنني لم أخبره أنني لن آتي وحدي.

وعندما وصلنا، وجدنا الباب مفتوحًا.

دخلنا.

كان المكان مهجورًا تقريبًا.

الغبار يغطي الأثاث.

والجدران مليئة بالصور القديمة.

ثم وجدته.

خالي جلال كان جالسًا في الغرفة الأخيرة.

وأمامه صندوق خشبي قديم.

قال:

— كنت عارف إن اليوم ده هييجي.

وضعت المحامية يدها على كتفي.

قلت:

— عايزة أعرف الحقيقة.

فتح الصندوق.

وأخرج ملفًا قديمًا.

ثم قال:

— البيت اللي أنتِ فاكرة إن جدك ورثه لوالدك…

توقف.

ثم نظر في عيني مباشرة.

— مش ملك والدك بالكامل من الأساس.

فتح الملف.

وفي الصفحة الأولى ظهر عقد قديم جدًا.

لكن السطر الذي قرأته بعد ذلك جعلني أشعر أن كل شيء في حياتي كان مبنيًا على كذبة.

كان اسمي موجودًا في العقد منذ أن كنت طفلة.
أكيد، نكمل 👇

الجزء الرابع

حدقت في العقد وأنا غير قادرة على استيعاب ما أقرأ.

كان اسمي مكتوبًا بوضوح.

مريم عبدالسلام.

لكن التاريخ كان يعود إلى أكثر من ثلاثين عامًا.

رفعت عيني إلى خالي جلال.

— إزاي اسمي موجود هنا وأنا كنت طفلة؟

تنهد وقال:

— لأن جدك هو اللي طلب كده.

أخذت المحامية أمل العقد وبدأت تقرأه بعناية.

ثم قالت:

— هذا عقد ملكية مشترك، وليس مجرد وصية.

قلت:

— يعني إيه؟

أجاب خالي:

— جدك كان عارف إن والدك عنده مشاكل مالية من زمان. وكان خايف إن البيت يضيع.

— فكتب جزءًا منه باسمي؟

— مش جزء صغير.

صمت.

ثم قال:

— نصف البيت كان باسمك أنتِ، والنصف الآخر باسم والدك.

شعرت بالصدمة.

— لكن أمي قالت إن نصيبي كان الثلث!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى