
في صباح اليوم التالي، كنت قاعدة في شرفة شقة صغيرة استأجرتها في الإسكندرية، وببص للبحر من بعيد. من يوم ما وصلت، وأنا بحاول أبدأ حياة جديدة. حياة من غير آدم. من غير نوال. ومن غير عيلة المنشاوي اللي قضيت معاهم 12 سنة وأنا بحاول أثبت إني مش أقل من أي حد.
لكن الملف الطبي اللي وصلني قلب كل حاجة. حطيته قدامي على الترابيزة. فتحت الصفحة الأخيرة مرة تانية. التقرير كان قديم، والتاريخ يرجع لأكتر من سبع سنين. وقرأت السطر اللي خلاني مش عارفة أتنفس: «العينة المستخدمة في الإجراء الطبي لا تتطابق مع بيانات المريضة المسجلة.»
قعدت ساكتة. أنا كنت فاكرة طول السنين دي إن المشكلة كانت عندي. آدم هو اللي قال لي إن الأطباء أكدوا إن فرص الإنجاب عندي ضعيفة جدًا. هو اللي كان بياخدني للمواعيد. هو اللي كان بيستلم نتائج التحاليل. وهو اللي كان دايمًا بيقول: «الدكاترة قالوا إن الموضوع شبه مستحيل.»
لكن التقرير اللي قدامي كان بيقول حاجة تانية تمامًا. أنا ماكنتش المشكلة. والأسوأ من كده… إن الملف كان فيه اسم شخص آخر. شخص كان له علاقة مباشرة بالعيادة اللي آدم كان بيتعامل معاها.
حسيت إن قلبي بدأ يدق بسرعة. مسكت موبايلي، وفتحت رقم المحامي بتاعي. لكن قبل ما أتصل… سمعت جرس الباب. اتجمدت مكاني. ماكانش المفروض حد يعرف عنواني الجديد.
قربت من الباب وبصيت من العين السحرية. رجل كبير واقف بره، لابس بدلة غامقة. وفي إيده ملف بني. قلت: «مين حضرتك؟» رد: «أنا المستشار سامح فؤاد. كنت محامي والد زوجك قبل وفاته.»
فتحت الباب بحذر. دخل وهو بيبص حواليه، وبعدين قال: «كنت أتمنى إنك ما تعرفيش الحقيقة بالطريقة دي.» سألته: «أي حقيقة؟» حط الملف على الترابيزة. وقال: «الملف اللي وصلك مش مجرد خطأ طبي.»
بصيت له. «يعني إيه؟» سكت شوية، وبعدين قال: «كان فيه شخص طلب تعديل بيانات الملف.» سألته: «مين؟» فتح الملف. وأخرج صورة قديمة. الصورة كانت لآدم. واقف جنب رجل معرفوش. لكن أول ما شفت الرجل التاني… عرفته. كان مدير العيادة القديم. نفس الشخص اللي كان آدم بيقول لي إنه سافر من البلد من سنين.
قلت: «هو كان متفق معاه؟» سامح هز راسه. «أنا ماقدرش أقولك ده من غير دليل كامل.» ثم أضاف: «لكن فيه حاجة أهم.» قلب صفحة. وكان فيها تحويل بنكي. المبلغ كان ضخم. والتحويل تم قبل أول إجراء طبي خضعت له بسنوات. والحساب اللي استقبل المبلغ… كان باسم شركة مملوكة لآدم.
بصيت له وأنا مش مستوعبة. «ليه؟» قال: «ده السؤال اللي لازم تسأليه لآدم.» ضحكت بسخرية. «آدم مش هيجاوبني.» سامح بص لي بثبات. «مش محتاج يجاوبك.» سألته: «ليه؟» قال: «لأن فيه نسخة تانية من الملف.»
وقتها سمعت صوت عربية بتقف تحت العمارة. سامح بص ناحية الشباك. وبعدين وشه اتغير. قال: «حد عرف إنك هنا.» قلبي وقع. قربت من الشباك وبصيت لتحت. عربية سوداء كانت واقفة قدام العمارة. نزل منها رجلين. وبعد ثواني… نزلت ست كبيرة. نوال. أم آدم.
وصلت للإسكندرية أسرع مما توقعت. سامح جمع أوراقه بسرعة. وقال: «أنا همشي من الباب الخلفي.» سألته: «ليه؟» رد: «لأن نوال مش جاية تتكلم معاكي.» وقبل ما يخرج، وقف عند الباب وقال: «لو سألتك عن الأطفال…» اتجمدت. «الأطفال؟» قال: «ما تثقيش في أي حاجة هتقولها.» وبعدين خرج.
بعد أقل من دقيقة… خبطت نوال على الباب. خبطات قوية ومتتالية. فتحت. كانت واقفة قدامي وهي بتتنفس بسرعة. بصت لي وقالت: «إنتِ بعتيلي الرسالة ليه؟» رديت: «كنت مستنياكي.» قالت بعصبية: «إيه اللي عرفتيه؟» ابتسمت. «أنا؟» قربت مني خطوة. «ليلى، أنا مش جاية أهددك.» رديت: «إذن ليه جيتي بنفسك؟» سكتت. وبعدين قالت جملة خلتني أعرف إنها شافت جزء من الحقيقة. «إنتِ فتحتي الملف.» ماجاوبتش. فقالت: «يا نهار أبيض…» رجعت خطوة. «آدم قال لي إن الملف ده اختفى من سنين.»
سألتها: «هو كان عارف؟» نوال ماجاوبتش. وده كان كفاية. قلت: «هو كان عارف.» قالت بسرعة: «اسمعيني الأول.» «12 سنة وأنا بسمع.» «الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.» ضحكت. «كل مرة كنتوا بتقولوا نفس الجملة.» سكتت. وبعدين بصت لي بطريقة مختلفة تمامًا. لأول مرة من سنين، ماكانش في عينيها غضب. كان فيه خوف. وقالت: «سلمى حامل فعلًا.» قلت: «أنا عارفة.» «والتوأم…» سكتت. وبعدين قالت: «التوأم مش هم السبب اللي إنتِ فاكرة.»
وقتها حسيت إن الدنيا كلها وقفت. قلت: «يعني إيه؟» نوال قربت مني، وقالت بصوت منخفض: «آدم مش متأكد إن الطفلين بتوعه.» سكتنا إحنا الاتنين.
لكن قبل ما أقدر أسألها أي سؤال… رن موبايلي. رقم مجهول. فتحت الخط. صوت رجل قال: «لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، ماتسمعيش كلام نوال.» بصيت لنوال. وشها شحب. الرجل أكمل: «لأن أم آدم نفسها كانت موجودة يوم اتعمل أول تغيير في الملف.» وبعدين قفل الخط.
بصيت لنوال. قلت: «إنتِ كنتِ موجودة؟» ما ردتش. لكن عينيها قالت كل حاجة. وفي اللحظة دي… وصلتني رسالة جديدة. فتحتها. كانت صورة لتحليل DNA. وتحتها جملة واحدة: «الطفلان ليسا كما يعتقد الجميع.»
رفعت عيني لنوال. ولأول مرة… هي اللي كانت خايفة مني.
فضلت ماسكة صورة تحليل الـDNA في إيدي، وببص لنوال من غير ما أقول كلمة. هي كانت واقفة قدامي وشكلها اتغير تمامًا. لأول مرة من يوم ما عرفتها، ماكانش عندها رد جاهز.
قلت: «إنتِ كنتِ عارفة من البداية؟» هزت راسها بسرعة. «مش كل حاجة.» رديت: «لكن كنتِ عارفة إن فيه حاجة غلط.» قعدت نوال على الكرسي. وحطت إيديها على وشها. «أنا عرفت من سبع سنين إن آدم عمل حاجة من وراكي.» قلبي اتقبض. «إيه هي؟» رفعت عينيها وقالت: «كان عايز يتأكد إنك مش هتخلفي.» سكت. كملت: «هو كان مقتنع إنك السبب.» ضحكت بمرارة. «وأنا اللي كنت فاكرة إنه واقف جنبي.» قالت: «أنا غلطت.» «غلطتي؟» «أيوه.» بصيت لها باستغراب. قالت: «أنا ضغطت عليه.» «في إيه؟» «كنت عايزة حفيد.» سكتت لحظة. «كنت خايفة إن اسم العيلة ينتهي.» قلت: «فعملتوا إيه؟»
نوال بدأت تحكي. قبل سبع سنين، آدم أخد عينة طبية تخصني من العيادة، وقال للطبيب إنه عايز يعمل فحوصات إضافية. لكن بدل ما العينة تتسجل باسمي، تم تغيير البيانات. أنا ماكنتش أعرف. وآدم أخد نتيجة مختلفة تمامًا. النتيجة اللي وصلته خلتهم يصدقوا إن عندي مشكلة تمنع الحمل.
قلت: «بس التقرير اللي عندي بيقول إن العينة ماكانتشي بتاعتي.» قالت: «لأنها فعلًا ماكانتشي بتاعتك.» سألتها: «عينة مين؟» نوال سكتت. «قولي.» قالت: «عينة ست تانية.» «مين؟» ما ردتش.
وقتها فهمت إن الموضوع أكبر بكتير. قلت: «سلمى؟» هزت راسها بالنفي. «لا.» «مين إذن؟» نوال بصت للأرض. وقالت: «أخت آدم.» اتصدمت. «آدم عنده أخت؟» قالت: «كان عنده.» سكتت. «اسمها مريم.» أول مرة أسمع الاسم ده. قلت: «فين هي؟» نوال بدأت تتكلم بصوت متقطع. «مريم ماتت من ست سنين.» اتجمدت. «ماتت إزاي؟» «حادثة عربية.»
سكتنا. لكن كان فيه سؤال واحد مسيطر على دماغي. لو العينة كانت لمريم… إيه علاقة ده بيا؟ وقبل ما أسأل، نوال قالت: «لأن مريم كانت حامل.» بصيت لها. «إيه؟» قالت: «قبل وفاتها بفترة قصيرة.» بدأت أربط الأحداث ببعض. «والطفل؟» نوال ماجاوبتش. فهمت. «كان فيه طفل؟» قالت: «كان فيه جنين.» وقفت من مكاني. «فين الطفل؟» نوال رفعت عينيها وقالت: «مافيش طفل.» لكن صوتها كان مهزوز. قلت: «إنتِ بتكدبي.» قالت: «أنا ماعرفش الحقيقة كلها.»
في اللحظة دي رن موبايلي. نفس الرقم المجهول. فتحت الخط. الصوت نفسه قال: «نوال قالت لك نص الحقيقة.» قلت: «إنت مين؟» رد: «شخص كان موجود في العيادة.» «عايز مني إيه؟» «عايزك تعرفي إن الطفل اللي كان في بطن مريم ما ماتش.» اتسعت عيني. بصيت لنوال. هي كانت بتبص لي وهي مرعوبة. الصوت أكمل: «والطفل ده له علاقة مباشرة بالتوأم اللي سلمى حامل فيهم.» سألت بسرعة: «إزاي؟» لكن الخط اتقفل.
فضلت واقفة مكاني. نوال قالت: «ما تسمعيش لأي حد.» صرخت: «وأسمع لمين؟ ليكي؟» سكتت. قلت: «12 سنة وأنا فاكرة إني أنا المشكلة.» «ليلى…» «12 سنة وإنتوا بتعاملوني كأني ناقصة.» «أنا غلطت.» «وآدم؟» ما ردتش. قلت: «هو كان عارف إن التحاليل اتغيرت؟» نوال قالت: «أيوه.» حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي. «وكان عارف إن العينة مش بتاعتي؟» «أيوه.» «وسكت؟» دموع نزلت من عيني. «وسابني أعيش كل السنين دي وأنا فاكرة إن العيب فيا؟» نوال ماقدرتش تبص في عيني. قلت: «وليه؟» رفعت عيني وقالت: «لأنه كان بيخاف من حاجة.» «إيه؟» قالت: «كان خايف تعرفي إن العيلة أخفت عنك سر أكبر.»
وقتها سمعت صوت باب العمارة بيتفتح تحت. نوال قامت بسرعة. بصت ناحية الباب. «مين ده؟» ثواني… وحد خبط على باب الشقة. ثلاث خبطات. وبعدين صوت رجل: «مدام ليلى، أنا جاي من القاهرة.» بصيت لنوال. وشها شحب. قلت: «إنتِ تعرفيه؟» همست: «ده محامي آدم.»
فتحت الباب. كان واقف قدامي رجل في الخمسينات، ماسك حقيبة جلد. قال: «أنا جاي أقول لك إن آدم عرف إنك فتحتي الملف.» سألته: «وبعدين؟» قال: «طلب مني أوصل لك رسالة.» «إيه هي؟» فتح الحقيبة. وطلع منها ورقة. حطها قدامي. وكان مكتوب فيها بخط آدم: «ليلى، لو عرفتي الحقيقة عن التوأم، لازم تعرفي الحقيقة عن زواجنا الأول.»
بصيت للورقة. وبعدين للمحامي. قلت: «زواجنا الأول؟» رد: «آدم ماكانش متجوزك أول مرة.» اتجمدت. «يعني إيه؟» المحامي أخذ نفس طويل. وقال: «الزواج اللي بينك وبين آدم من 12 سنة… مش هو أول زواج مسجل في حياته.» سكت لحظة. وبعدين قال: «وكانت فيه ست تانية قبلك.» بصيت لنوال. وهي كانت بتبكي. ثم قال المحامي: «والست دي… كانت مريم.»
فضلت واقفة مكاني كأني اتثبت في الأرض. بصيت للمحامي، وبعدين لنوال. وقلت بصوت بالكاد طلع مني: «مريم كانت مرات آدم؟» المحامي هز راسه. «أيوه.» بصيت لنوال. «وإنتِ كنتِ عارفة؟» دموعها نزلت وهي بتقول: «أيوه.»
حسيت إن كل حاجة عشتها خلال الـ12 سنة اللي فاتوا كانت مبنية على كذبة. قلت: «طب ليه آدم ماقالش لي؟» المحامي رد: «لأن الموضوع انتهى بشكل معقد.» ضحكت بمرارة. «انتهى؟ مراته ماتت وهو أخفى عني وجودها؟ ده اسمه انتهى؟» قال: «مريم وآدم اتجوزوا قبل ما يعرفك بسنوات.» «وليه اتطلقوا؟» سكت. بصيت له. «جاوبني.» قال: «ماحصلش طلاق.»
الكلمة وقعت عليّا كأنها صدمة. قلت: «يعني إيه ماحصلش طلاق؟» المحامي فتح الحقيبة وأخرج مستندات قديمة. «الزواج الأول مااتلغاش رسميًا.» بصيت للأوراق. «يعني أنا كنت…» ماقدرتش أكمل. المحامي قال بهدوء: «أنتِ كنتِ زوجته قانونيًا حسب السجلات اللي كانت موجودة وقتها، لكن الوضع القانوني كان فيه تفاصيل تانية.»
نوال تدخلت: «آدم كان فاكر إن الزواج الأول انتهى بعد وفاة مريم.» بصيت لها. «كان فاكر؟» صرخت: «إنتِ عايزة تقنعيني إنه ماكانش عارف؟» نوال سكتت.
المحامي قال: «هو كان عارف إن فيه مشكلة في الأوراق.» قلت: «وكان عارف إن مريم ماتت وهي حامل.» سكت. «وكان عارف إن فيه طفل.» المحامي بص لي. «أيوه.» سألته: «والطفل فين؟» قال: «ده هو الجزء اللي محدش قدر يثبته.» «يعني إيه؟» أخرج ورقة أخرى. «بعد حادثة مريم، ملف المستشفى ذكر إن الحمل انتهى قبل الوفاة.» بصيت للورقة. «لكن…» قال: «فيه تقرير تاني من مستشفى مختلف بيقول إن الحمل كان مستمرًا.» قلبي بدأ يدق بسرعة. «يعني الطفل كان حي؟» «احتمال كبير.»
نوال قالت بصوت ضعيف: «آدم كان بيدور عليه.» بصيت لها. «طول السنين دي؟» هزت راسها. «أيوه.» «طب ليه كان بيتظاهر إنه مش مهتم؟» نوال سكتت. المحامي قال: «لأن البحث عن الطفل وصله لناس ماكانش عايزك تعرفي عنهم.» سألته: «مين؟» فتح ملف آخر. كان فيه اسم شركة. شركة النور الطبية.
أول ما شفت الاسم، حسيت بحاجة غريبة. قلت: «أنا أعرف المكان ده.» المحامي بص لي باستغراب. «إزاي؟» قلت: «دي العيادة اللي آدم كان بياخدني ليها.» سكت. ثم قال: «بالضبط.»
فتحت الملف بسرعة. كان فيه عقود وتحويلات مالية بين شركة آدم وشركة النور. لكن فيه حاجة لفتت نظري. تاريخ واحد. نفس تاريخ أول علاج خضع له آدم وأنا. قلت: «هنا.» المحامي قرب. «إيه؟» شورت على سطر. «التحويل ده اتعمل قبل ما أبدأ العلاج بيوم.»
نوال قالت: «إنتِ اكتشفتي إيه؟» قلت: «إن آدم كان بيدفع للعيادة قبل ما أروح لها أصلًا.» المحامي سكت. وبعدين قال: «فيه حاجة تانية.» فتح آخر ملف. طلع منه صورة لطفلين حديثي الولادة. صورة قديمة. مكتوب عليها تاريخ الولادة. وتحتها… اسمان.
اتسعت عيني. واحد منهم كان اسم بنت. والتاني كان اسم بنت برضه. نفس أسماء التوأم اللي سلمى كانت حامل فيهم.
بصيت للمحامي. «دي صورة إمتى؟» قال: «من سبع سنين.» تجمدت. «سبع سنين؟» «أيوه.» قلت: «بس سلمى حامل دلوقتي.» قال: «أنا عارف.» سألته: «إذن مين الطفلتين دول؟»
قبل ما يجاوب، رن موبايلي. رسالة جديدة. فتحتها. كانت من نفس الرقم المجهول. وكان مكتوب: «أنتِ بتدوري في المكان الغلط. التوأم اتولدوا من سبع سنين، مش دلوقتي.» بصيت لنوال. «يعني إيه؟» ماجاوبتش. جت رسالة تانية فورًا: «وسلمى مش حامل في توأم آدم.»
سكتت الدنيا حواليّا. المحامي قرب مني. «ممكن أشوف الرسالة؟» ناولته الموبايل. قرأها. وبعدين قال: «ليلى…» «إيه؟» قال: «لو الكلام ده صحيح، يبقى الـ50 مليون دولار ماكانوش تمن طلاق.» «أمال كانوا تمن إيه؟» بص لي في عيني. وقال: «كانوا تمن إنك تختفي.»
نوال بدأت تبكي. قلت: «مين كان عايزني أختفي؟» المحامي ماجاوبش.
وفجأة وصل إشعار جديد. ملف مرفق. فتحته. كان تسجيل فيديو. ضغطت تشغيل. ظهر آدم. كان لوحده في مكتب مظلم. وبيتكلم مع شخص خارج الكاميرا.
سمعته يقول: «هي وقّعت؟» صوت الرجل الآخر رد: «أيوه.» آدم قال: «وهتسافر؟» «سافرت بالفعل.» سكت آدم لحظة. وبعدين قال: «كويس.» الصوت الآخر سأله: «والـ50 مليون؟» آدم رد: «تدفع فورًا.» ثم سأل: «ولو اكتشفت الحقيقة؟» آدم سكت. وبعدين قال: «لو ليلى عرفت الحقيقة… مش هتكون المشكلة في الطلاق.»
التسجيل انتهى. فضلت باصة للشاشة. ثم رفعت عيني لنوال. وقلت: «أنا لازم أعرف الحقيقة كاملة.»
لكن قبل ما حد يرد… جالي اتصال. المرة دي الرقم ماكانش مجهول. كان رقم آدم نفسه. رديت. وسمعت صوته لأول مرة من يوم ما وقّعت على الطلاق. قال: «ليلى…» سكت لحظة. ثم قال: «ارجعي القاهرة.» قلت: «ليه؟» رد بصوت متوتر: «لأن سلمى اختفت.» سكت. «والتوأم اللي في بطنها اختفوا معاها.» ثم قال الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي: «وفيه حد بعتلي صورة ليهم… ومكتوب عليها اسمك.»
فضلت ساكتة وأنا ماسكة الموبايل. صوت آدم كان واضح إنه متوتر. قال: «ليلى، سمعاني؟» رديت: «أيوه.» «ارجعي القاهرة.» قلت: «مش هرجع.» سكت ثواني. «إنتِ مش فاهمة اللي حصل.» ضحكت بسخرية. «أنا اللي مش فاهمة؟ بعد 12 سنة من الأسرار والكذب؟» قال: «أنا مستعد أقولك كل حاجة.» «دلوقتي؟ بعد ما دفعتلي 50 مليون دولار عشان أختفي؟» «كنت بحاول أحميكي.» «من مين؟» سكت. قلت: «من مين يا آدم؟» رد أخيرًا: «من نفس الناس اللي أخدوا سلمى.»
وقتها المحامي قرب مني وهمس: «خليه يتكلم.» سألته: «إيه اللي حصل لسلمى؟» قال: «كانت في المستشفى عشان متابعة الحمل.» «وبعدين؟» «اختفت.» «والتوأم؟» «مش موجودين.» سكت لحظة. ثم قال: «لكن قبل ما تختفي، وصلني ظرف.» سألته: «فيه إيه؟» «صورة.» «صورة إيه؟» قال: «طفلتين.» قلبي بدأ يدق. «والصورة عليها اسمي؟» «أيوه.» قلت: «ابعتها.»
بعد ثواني، وصلتني الصورة. فتحتها. كان فيها طفلتين صغيرتين، تقريبًا في سن السبع سنين. وكانوا واقفين قدام بوابة مدرسة. وتحت الصورة مكتوب: «لو عايز تعرف ليلى ليه اتدفعلها 50 مليون دولار، اسأل عن البنتين دول.»
بصيت للمحامي. قلت: «دول نفس الطفلتين اللي في الصورة القديمة.» هز راسه. «أيوه.» نوال كانت بتبص للصورة ووشها شاحب. قلت لها: «إنتِ تعرفيهم؟» قالت: «لا.» لكن صوتها كان مهزوز.
فقلت: «نوال…» بصت لي. «بلاش كذب تاني.» سكتت فترة طويلة. وبعدين قالت: «أنا شفتهم مرة.» «فين؟» «في بيت مريم.» تجمدت. «إمتى؟» «قبل وفاتها بأيام.» قلت: «يعني مريم ولدت؟» نوال هزت راسها. «أيوه.» اتنفض قلبي. «والطفلتين دول أولاد مريم؟» نوال بدأت تبكي. وقالت: «مش بالضبط.» «إيه يعني مش بالضبط؟» قالت: «مريم كانت أمهم البيولوجية.» سكتت. ثم أضافت: «لكن آدم هو اللي اختار مين يربيهم.»
بصيت للمحامي. «مين رباهم؟» قال: «عائلة خارج القاهرة.» سألته: «مين؟» قبل ما يرد، وصلني إشعار على الموبايل. رقم مجهول. رسالة: «تعالي لوحدك لو عايزة تعرفي مكان الطفلتين.» وبعدها عنوان. العنوان كان في الإسكندرية. نفس المدينة اللي أنا فيها.
بصيت لنوال. «إنتِ كنتِ عارفة إنهم هنا؟» قالت: «لا.» قلت: «أنا رايحة.» المحامي اعترض: «مش لوحدك.» لكن بعد دقائق، كنا في العربية.
وصلنا لعنوان قديم قريب من البحر. بيت صغير وهادئ. خبطت على الباب. فتحت لنا ست في الخمسينات. أول ما شافتني، عينيها اتسعت. قالت: «أخيرًا.» سألتها: «إنتِ مين؟» قالت: «أنا هدى.» «إنتِ تعرفيني؟» ابتسمت بحزن. «أعرفك أكتر مما تتخيلي.»
دخلنا. وعلى الحائط كانت فيه صورتان. صورتا الطفلتين. وقفت قدامهم. «هما فين؟» هدى قالت: «في المدرسة.» سألتها: «هما بنات مريم؟» هزت راسها. «أيوه.» بصيت لها. «وآدم كان عارف؟» قالت: «هو اللي جابهم لي.» اتصدمت. «إيه؟» قالت: «بعد وفاة مريم، آدم طلب مني أربيهم بعيد عن العيلة.» «ليه؟» قالت: «كان خايف عليهم.» «من مين؟» هدى بصت لنوال. ثم قالت: «من والدتهم.»
سكتنا. قلت: «مريم ماتت.» هدى قالت: «أنا ماقصدش مريم.» ثم أخرجت ظرفًا قديمًا. حطته قدامي. «ده اتساب عندي من سنين.»
فتحت الظرف. لقيت جواب بخط مريم. وكان مكتوب: «لو حصل لي حاجة، خلي ليلى تعرف الحقيقة.» إيدي بدأت ترتعش. قلت: «هي كانت تعرفني؟» هدى هزت راسها. «أيوه.» «إزاي؟» قالت: «مريم كانت تعرف إن آدم هيتجوزك.» بصيت لنوال. «وليه كانت عايزة أنا أعرف؟» هدى قالت: «لأنها كانت عارفة إن آدم هيكدب عليكي.» سألت: «في إيه؟»
هدى فتحت درجًا وأخرجت ملفًا. «في حقيقة أطفالك.» تجمدت. «أطفالي؟» قالت: «أيوه.» فتحت الملف. وكانت فيه نتيجة تحليل وراثي. قرأتها مرة. ثم مرة تانية. النتيجة كانت واضحة. أنا كنت الأم البيولوجية لطفلتين.
لكن ده كان مستحيل. أنا عمري ماخلفت. رفعت عيني لهدى. قالت: «من سبع سنين، كان فيه أجنة محفوظة من علاج قديم.» سكتت. ثم قالت: «العلاج اللي آدم قال لك إنه فشل…» بدأت أفهم. قالت: «مافشلش.»
نوال انهارت على الكرسي. وأنا بصيت لها. «إنتِ كنتِ عارفة؟» قالت: «آدم أخد الأجنة من غير ما يقولك.» شهقت. هدى أكملت: «استخدموا البويضات الخاصة بيكي.» ثم قالت: «ومريم وافقت تساعده في حمل الأطفال.»
سكت العالم كله. أنا كنت أم الطفلتين. ومريم كانت حملتهما. وبعد وفاتها، آدم أخفى وجودهما عني. لكن السؤال الأخطر كان: ليه؟
فتحت آخر صفحة في الملف. وكان فيها تقرير قانوني. اتضح إن آدم كان خايف إن عيلته تستولي على الأطفال لو عرفوا إنهم موجودين. وكان فيه خلاف قديم على إدارة ثروة ضخمة تخص والده. والطفلتان كانتا الورثة القانونيين الوحيدين لبعض الأصول.
لكن آدم ارتكب خطأ أكبر. هو أخفى الحقيقة عني. ولما سلمى ظهرت في حياته وأعلنت حملها، بدأ كل شيء ينهار. لأن حمل سلمى كان جزءًا من خطة مختلفة. والتوأم اللي كانت بتتكلم عنهم… لم يكونوا أطفال آدم. كانوا أطفال رجل آخر.
آدم عرف الحقيقة قبل الزواج. وسكت. لأن الزواج من سلمى كان هيساعده في السيطرة على الشركة. أما أنا… فكان لازم أختفي. الـ50 مليون دولار ماكانوش عشان يتخلص مني. كانوا عشان يضمن إن محدش يعرف إن عندي بنتين… وإن الثروة اللي كان بيحاول يحميها… حقهم هما.
بعد ساعات، رجعت البيت ومعايا هدى والملفات. اتصلت بآدم. قلت: «أنا عرفت.» سكت. «عرفت كل حاجة.» قال بصوت مكسور: «ليلى…» «فين بنتي؟» سكت. صرخت: «فين بنتي؟!» رد: «الاتنين في مكان آمن.» «فين؟» «عند هدى.»
بصيت لهدى. ثم قلت: «ليه عملت كل ده؟» آدم أخذ نفسًا طويلًا. وقال: «لأني كنت خايف أخسرك.» ضحكت. «إنت خسرتني من أول يوم كذبت فيه.» سكت. قلت: «والـ50 مليون؟» قال: «اعتبريهم تعويض.» رديت: «أنا مش محتاجة تعويض.» ثم أضفت: «أنا محتاجة حقي.»
بعد أيام، تم فتح الملفات رسميًا. وتم إثبات نسب الطفلتين. وبعد سبع سنين من الاختفاء… قابلت بنتي لأول مرة. الاثنتين كانوا واقفين قدامي. واحدة مسكت إيدي. والتانية قالت: «إنتِ ماما؟» ماقدرتش أتكلم. نزلت على ركبتي وحضنتهم. وبكيت. مش بكاء على آدم. ولا على الـ50 مليون. كنت ببكي على سبع سنين ضاعوا مني. لكن لأول مرة… كان عندي فرصة أعيش اللي باقي منهم صح.
أما آدم؟ فساب الشركة، وانتهى زواجه من سلمى قبل ما يبدأ. ونوال… جت لي بعد شهور. وقفت قدام باب بيتي. وقالت: «أنا عارفة إن مافيش حاجة ممكن تصلح اللي عملته.» بصيت لها. «صح.» قالت: «بس أتمنى تسمحي لي أشوف حفيداتي.» سكت لحظة. وبعدين فتحت الباب. «هتشوفيهم.» عينيها دمعت. ثم قلت: «لكن المرة دي… من غير أسرار.»
دخلت نوال. وكانت الطفلتان بتلعبان في الحديقة. جريت عليهم. وأنا وقفت بعيد. لأول مرة من 12 سنة… ماكانش عندي زوج أعيش في ظله. ولا عيلة أحتاج أثبت نفسي ليها. كان عندي بنتان. وحياة جديدة. وأهم درس اتعلمته كان بسيط: أحيانًا الشخص اللي بيحاول يشتريك بالمال، بيكون عارف إن الحقيقة أغلى من كل اللي يملكه.
تمت.




