منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
فضلت ماسك التليفون وساكت، مستني مدير المنتجع يكمل كلامه.

قال الأستاذ محمود بصوت متردد:

“يا فندم، إحنا في البداية افتكرنا إن الموضوع مجرد حجز عادي، لكن أثناء مراجعة المستندات اكتشفنا إن السيدة اللي قدمت نفسها باسم زوجتك استخدمت كمان رقم تليفونها وبريدها الإلكتروني، وطلبت إن كل الفواتير والإشعارات تتبعت على بياناتها.”

سألته بعصبية:

“طيب وإيه المشكلة؟ ما هي أختي اللي عملت الحجز، مش مراتي!”

رد بسرعة:

“المشكلة إن فيه تحويل مالي اتعمل من حساب بنكي مرتبط باسم زوجتك، وفيه توقيع إلكتروني بالموافقة على مصاريف الحفل.”

حسيت إن الدم اتسحب من وشي.

نهى عمرها ما كانت هتوافق على حاجة زي دي، خصوصًا إنها لسه خارجة من عملية ولادة، ومش قادرة حتى تتحرك من مكانها.

قلت له:

“ممكن تبعت لي نسخة من الحجز والمستندات اللي عندك؟”

قال:

“طبعًا يا فندم، بس قبل ما أقفل، فيه حاجة تانية لازم حضرتك تشوفها بنفسك. عندنا تسجيل من كاميرا الاستقبال وقت تأكيد الحجز، والسيدة اللي حضرت كانت معاها راجل اسمه كريم.”

قفلت معاه بعد ما أخدت تفاصيل الحجز، ورجعت أقف قدام أوضة نهى.

كنت حاسس إن فيه حاجة كبيرة بتحصل من ورايا، وإن الموضوع أكبر من مجرد أخت أخدت شوية أكل ولبن أطفال.

دخلت الأوضة، لقيت نهى صاحيه وبتبص ناحية آدم.

قربت منها وسألتها:

“نهى، مريم كلمتك قبل كده وطلبت منك بياناتك أو صور بطاقتك؟”

بصت لي باستغراب.

قالت:

“أيوه، من حوالي شهرين. قالت إنها محتاجة صورة بطاقتي عشان موضوع خاص بالتأمين، وإنها هترجعها لي بعدين.”

سألتها:

“وإنتِ بعتيلها صورة البطاقة؟”

هزت رأسها وقالت:

“أيوه، بس أنا مكنتش أعرف إنها هتستخدمها في حاجة تانية.”

سكت شوية، وبعدها سألتها:

“تعرفي واحد اسمه كريم؟”

اتغيرت ملامحها فجأة.

قالت:

“كريم مين؟”

قلت لها:

“واحد أختي حجزت معاه احتفال في منتجع في العين السخنة، باستخدام اسمك وبياناتك.”

نهى حاولت تقوم من السرير، لكن الألم منعها.

قالت بصدمة:

“إنت بتقول إيه؟ مريم عملت إيه؟”

حكيت لها كل اللي سمعته من مدير المنتجع.

فضلت ساكتة، وبعدها قالت:

“أنا عايزة أفهم حاجة واحدة… هو إنت متأكد إن اسم كريم ده مش مجرد اسم مكتوب في الحجز؟”

قلت لها:

“لسه مش عارف، بس هعرف.”

في اللحظة دي، وصلني إشعار على التليفون.

كان مدير المنتجع بعت لي صور المستندات، ومعاها صورة من تسجيل كاميرات الاستقبال.

فتحت الصورة، وفضلت أبص فيها كذا مرة.

كانت مريم واقفة عند مكتب الاستقبال، لابسة فستان أنيق، وبتضحك وهي بتتكلم مع موظف الحجز.

وجنبها كان واقف راجل في منتصف الأربعينات، لابس بدلة غالية وساعة واضحة إنها باهظة الثمن.

لكن اللي خلاني أتجمد مكاني مش شكل الراجل.

كان وشه مألوف جدًا.

فضلت أحاول أفتكر شفته فين قبل كده، لحد ما افتكرت.

ده كان كريم الشناوي، شريك والدي القديم في شركة العقارات!

والدي كان توفى من خمس سنين، ومن يومها العلاقة بين عيلتنا وكريم انقطعت تمامًا، بعد خلاف كبير على حسابات الشركة وميراث والدي.

لكن ليه مريم رجعت تتعامل معاه دلوقتي؟

وليه بتحجز معاه احتفال باسم مراتي؟

قبل ما أقدر أفكر في إجابة، تليفوني رن.

كانت أمي فاطمة.

رديت، وسمعت صوتها بتسألني:

“إنت فين يا ابني؟”

قلت لها:

“في المستشفى مع نهى.”

قالت ببرود:

“طيب إحنا مستنيينك، ومريم بتقول إنك اتصلت بيها وبتسأل عن حاجات ملهاش لازمة.”

اتعصبت وقلت:

“إنتوا فين دلوقتي؟”

قالت:

“في البيت، وإيه يعني؟”

قلت لها:

“عايز أعرف الأكل ولبن آدم اللي أخدتوه راحوا فين؟”

سكتت لحظة، وبعدها قالت:

“إحنا استخدمنا شوية حاجات في عزومة عائلية، وإنت مكبر الموضوع ليه؟”

قلت لها بصوت غاضب:

“مراتي كانت لوحدها من غير أكل، وابني مكنش عنده لبن، وإنتوا بتقولوا عزومة؟”

ردت بانفعال:

“ما هي كانت تقدر تطلب من حد يجيبلها! وبعدين إنت مش مسافر عشان شغلك؟ إحنا مش خدامين عند حد.”

كنت على وشك أرد، لكنها كملت:

“وبعدين خلي بالك من كلامك عن أختك. مريم بتعمل كل ده لمصلحتك، وإنت هتندم لو ظلمتها.”

قفلت المكالمة من غير ما أرد.

رجعت بصيت لنهى، لقيتها بتعيط في هدوء.

مسكت إيدي وقالت:

“أنا مش زعلانة على الأكل ولا على اللبن يا أحمد… أنا زعلانة إنهم كانوا عارفين إني تعبانة ومحتاجة حد جنبي، ومع ذلك سابوني.”

الكلام ده خلاني أحس إن جوايا حاجة اتكسرت.

لكن قبل ما أرد عليها، جالي اتصال تاني من مدير المنتجع.

قال لي:

“يا أستاذ أحمد، أنا آسف إني بزعج حضرتك مرة تانية، بس حصل تطور جديد.”

قلت له:

“خير؟”

قال:

“إحنا راجعنا تسجيلات الكاميرات، واكتشفنا إن أخت حضرتك كانت موجودة هنا من أسبوع تقريبًا، ومعاها نفس الشخص، وكانوا بيسألوا عن إجراءات دخول شخص تالت للمناسبة من غير ما يظهر اسمه في الحجز.”

سألته:

“مين الشخص ده؟”

قال:

“مش قادر أحدد هويته، لكن فيه حاجة أغرب… السيدة مريم طلبت من موظف الاستقبال إن أي اتصال ييجي باسم الأستاذة نهى يتحول ليها هي.”

وقتها فهمت إن الموضوع مش مجرد احتفال.

كان فيه ترتيب كامل بيحصل من ورايا.

وفجأة بعت لي محمود صورة جديدة من مستندات الحجز.

كانت صورة لتحويل مالي بمبلغ كبير، وتحته اسم صاحب الحساب اللي خرجت منه الفلوس.

الاسم كان اسم والدي المتوفى!

فضلت باصص للشاشة وأنا مش قادر أصدق.

إزاي حساب باسم أبويا لسه بيتحرك بعد خمس سنين من وفاته؟

وليه أختي بتستخدمه في حجز احتفال فاخر مع شريك والدي القديم؟

لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر سطر بالمستند، واللي خلاني أتأكد إن الحكاية كلها مرتبطة بسر عائلي قديم…

سر كان والدي مخبيه عني وعن أمي ومريم لسنين طويلة!

يتبع…
فضلت باصص على صورة التحويل البنكي، وبحاول أستوعب إزاي حساب والدي لسه بيتحرك بعد خمس سنين من وفاته.

اتصلت بمدير المنتجع وطلبت منه يبعت لي نسخة واضحة من المستندات كلها.

وبعد دقائق وصلتني رسالة فيها صورة كشف حساب مختصر، وكان مكتوب فيه إن المبلغ اتحول من حساب باسم والدي إلى حساب شركة خاصة بتنظيم الحفلات.

لكن اللي لفت نظري إن الحساب كان تابع لشركة قديمة اسمها الشركة المصرية للاستثمار العقاري، وهي نفس الشركة اللي كان والدي شريك فيها مع كريم الشناوي.

افتكرت وقتها الخلاف الكبير اللي حصل قبل وفاة والدي بشهور.

كنت فاكر إن الخلاف كان مجرد نزاع على أرباح الشركة، وإن والدي قرر ينسحب بعد ما اكتشف اختلافات في الحسابات.

لكن واضح إن الموضوع كان أكبر من كده بكتير.

استأذنت نهى وخرجت من الأوضة، واتصلت بمحامي والدي القديم، الأستاذ عادل منصور.

أول ما رد عليا، سألته:

“أستاذ عادل، هو حساب شركة أبويا لسه شغال؟”

سكت شوية، وبعدها قال:

“إنت بتسأل ليه يا أحمد؟”

قلت له:

“لقيت تحويل مالي باسم والدي من الحساب القديم، وعايز أفهم إيه اللي بيحصل.”

اتغير صوته وقال:

“إنت معاك مستند رسمي؟”

قلت له:

“أيوه، ومعايا صورة منه.”

قال بسرعة:

“اسمعني كويس، متواجهش حد من عيلتك دلوقتي، ومتوقعش على أي ورقة تخص الشركة مهما حصل.”

سألته:

“ليه؟ إيه اللي أنا معرفوش؟”

رد بعد لحظة صمت:

“لأن والدك قبل وفاته بشهور اكتشف إن فيه مبالغ كبيرة اتسحبت من الشركة من غير علمه، وكان شاكك إن فيه حد من المقربين منه بيستخدم بياناته وتوقيعه.”

حسيت بصدمة جديدة.

قلت له:

“ومين كان بيعمل كده؟”

قال:

“والدك رفض يتهم حد من غير دليل، لكنه سلمني ملف وطلب مني ما أفتحهش غير في حالة معينة.”

سألته:

“إيه الحالة دي؟”

قال:

“لو ظهر إن حد بيحاول يتصرف في أموال الشركة باستخدام بيانات والدك بعد وفاته.”

قفلت معاه بعد ما اتفقنا نتقابل في مكتبه تاني يوم.

رجعت لأوضة نهى، ولقيتها صاحيه، وآدم نايم جنبها.

قعدت على الكرسي وقلت لها:

“واضح إن الموضوع أكبر مما كنت متخيل.”

سألتني:

“يعني إيه؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى