
الجزء الثاني: المكالمة اللي قلبت حياتهم رأسًا على عقب
فضل ماركوس ساكت لثواني بعد ما سمع كلامي، وبعدين قال بصوته الهادئ:
“هل حضرتك متأكدة يا مدام إيلينا؟ لأن تنفيذ القرار ده هيترتب عليه إجراءات كبيرة، وممكن يسبب مشاكل لأشخاص كتير.”
غمضت عيني للحظة، وافتكرت صورة ياسين وهو بيضحك، وأختي ندى وهي حاطة رأسها على رجله، وأبويا وأمي قاعدين بيتفرجوا على المشهد بكل أريحية.
قلت له:
“أنا متأكدة تمامًا. عايزة تجميد فوري لكل البطاقات التابعة للشركة، وإلغاء صلاحيات ياسين في الوصول للحسابات، ومراجعة كل المعاملات المالية اللي تمت خلال آخر 48 ساعة.”
رد ماركوس فورًا:
“حاضر يا فندم. هل نبدأ كمان إجراءات التحقيق في استخدام أموال الشركة من غير تصريح؟”
قلت من غير تردد:
“ابدأ كل الإجراءات القانونية. ومش عايزة أي حد يعرف إن القرار صدر مني.”
سألني بقلق:
“لكن حالتك الصحية تسمح بالكلام دلوقتي؟”
بصيت على الدم اللي بدأ يظهر على ملابس المستشفى، وقلت:
“حالتي الصحية مش مهمة دلوقتي قدام اللي بيحصل في شركتي.”
فجأة سمعت صوت الدكتورة ليلى وهي بتقرب مني:
“إيلينا! لازم ترجعي على السرير فورًا، إنتِ بتعرضي نفسك للخطر!”
قفلت المكالمة، لكن قبل ما أرجع للمخدة، قلت لماركوس:
“فيه طلب أخير… عايزة كل المصاريف اللي اتصرفت على الرحلة تتراجع بالتفصيل، وكل شخص شارك في الموضوع يتحمل مسؤوليته.”
رد بثبات:
“اعتبري الموضوع بدأ بالفعل.”
رجعت على السرير بصعوبة، والدكتورة ليلى طلبت من الممرضات يفحصوا الجرح ويوقفوا النزيف.
كانت غاضبة جدًا مني.
قالت وهي بتعيد ترتيب المحاليل:
“إنتِ مش فاهمة إنك كنتِ ممكن تخسري حياتك؟ مفيش حاجة تستاهل إنك تعملي في نفسك كده!”
بصيت لها وقلت بهدوء:
“فيه حاجات لما بتنكشف، بتخلي الواحد يعرف إنه كان عايش وسط ناس ما يستاهلوش حتى دمعة.”
ما ردتش الدكتورة.
لكنها فضلت واقفة جنبي لحد ما اتأكدت إن حالتي استقرت.
بعد حوالي عشرين دقيقة، الموبايل بدأ يهتز.
رسالة من ماركوس.
“تم إيقاف جميع البطاقات المرتبطة بالحساب محل التحقيق، وتعليق صلاحيات الوصول الخاصة بالسيد ياسين. فريق المراجعة بدأ فحص المعاملات.”
ابتسمت لأول مرة من ساعة ما فقدت بنتي.
مش ابتسامة فرح.
لكن ابتسامة واحدة عرفت أخيرًا إنها مش مضطرة تفضل ضحية.
في جزيرة هاواي، كان ياسين قاعد في أفخم مطعم داخل المنتجع.
قدامه مائدة مليانة بأغلى الأطباق، وندى قاعدة جنبه بفستان جديد اشتراه لها في نفس اليوم.
أبويا كان بيتكلم عن الرحلة اللي ناويين يعملوها بعد كده، وأمي كانت بتتفرج على المجوهرات اللي اشترتها ندى.
قالت أمي وهي بتضحك:
“بصراحة يا ياسين، إنت تستاهل واحدة زي ندى. إيلينا عمرها ما كانت مناسبة لطموحك.”
ضحك ياسين ورد:
“أنا أخيرًا اخترت حياتي بنفسي.”
ندى قربت منه وقالت بدلال:
“بس أوعدني إنك مش هترجع في كلامك.”
مسك إيدها وقال:
“إنتِ مراتي الجديدة، ومفيش حد يقدر يغير ده.”
في اللحظة دي، وصل النادل ومعاه جهاز الدفع.
ابتسم ياسين بثقة، ومد إيده بالبطاقة السوداء.
بعد ثواني، النادل رجع وقال بأدب:
“آسف يا فندم، البطاقة مرفوضة.”
ياسين ضحك وقال:
“أكيد فيه مشكلة في الجهاز. جرب مرة تانية.”
النادل جرب تاني.
نفس النتيجة.
العملية مرفوضة.
اتغيرت ملامح ياسين.
طلع بطاقة تانية، وبعدها تالتة.
كلهم اترفضوا.
أبويا سأله بقلق:
“فيه إيه يا ياسين؟”
رد بعصبية:
“مش عارف! أكيد البنك عامل مشكلة.”
لكن قبل ما يكمل كلامه، موبايله رن.
كان رقم ماركوس.
رد بسرعة وقال:
“إيه اللي بيحصل؟ ليه البطاقات مش شغالة؟”
جاله صوت ماركوس البارد:
“مساء الخير يا أستاذ ياسين. تم تعليق جميع صلاحياتك المالية المتعلقة بشركة السيدة إيلينا، كما تم إيقاف البطاقات المستخدمة في الإنفاق على الرحلة.”
صرخ ياسين:
“إنت بتتكلم عن إيه؟ دي بطاقتي!”
رد ماركوس:
“البطاقة مملوكة للشركة، واستخدامها مرتبط بصلاحيات إدارية محددة. وقد تم تعليق تلك الصلاحيات لحين انتهاء التحقيق.”
ياسين وقف من مكانه.
“مين اللي عمل كده؟”
جاءه الرد:
“السيدة إيلينا.”
سكت ياسين تمامًا.
ندى بصت له وسألته:
“إيلينا؟ هي عرفت؟”
ما ردش.
وفي اللحظة دي، وصل مدير المنتجع ومعاه ملف كبير.
قال بأدب شديد:
“أستاذ ياسين، محتاجين نتكلم بخصوص الحساب الخاص بإقامتكم.”
فتح الملف ووضعه قدامه.
كان المبلغ المطلوب سداده أكبر بكتير من اللي توقعه.
إجمالي الإقامة والمشتريات والرحلات والخدمات الخاصة وصل إلى 50 ألف دولار مستحقة فورًا.
ياسين بص للفاتورة، وبعدين بص لمدير المنتجع.
قال بصوت متوتر:
“أنا هتواصل مع البنك وأحل الموضوع.”
لكن المدير رد بهدوء:
“حضرتك تقدر تتواصل مع البنك، لكن لازم نوضح إن استمرار الخدمات والإقامة مرتبط بتسوية الحساب.”
أمي بدأت تتوتر.
وأبويا بطل كلام.
أما ندى، فكانت بتبص لياسين وكأنها شايفة شخصًا مختلفًا تمامًا عن الراجل اللي وعدها بحياة فاخرة.
وفي اللحظة دي، موبايل ياسين رن تاني.
كانت مكالمة من محامي الشركة.
رد وهو بيحاول يتمالك أعصابه.
لكن أول جملة سمعها كانت كفيلة إنها تخلي الدم يهرب من وشه:
“أستاذ ياسين، محتاج حضرتك ترجع مصر فورًا. فيه تحقيق مالي بدأ، وإحنا اكتشفنا معاملات مش مصرح بيها بمبالغ كبيرة جدًا.”
ياسين بلع ريقه بصعوبة.
وسأل:
“إيلينا عملت إيه بالضبط؟”
رد المحامي:
“الموضوع أكبر من مجرد إيقاف بطاقة. السيدة إيلينا طلبت مراجعة شاملة لكل العمليات المالية، وفيه مستندات بتثبت استخدام أموال الشركة لأغراض شخصية.”
قفل ياسين المكالمة.
وبص ناحية ندى.
قالت له بصوت مرتعش:
“إنت كنت بتقول إن الشركة بتاعتك!”
رفع عينيه ليها وقال:
“أنا كنت مسؤول عن الحسابات، لكن الشركة ملك إيلينا.”
ندى قامت من مكانها فجأة.
“يعني إنت ضحكت عليا؟!”
وقبل ما يقدر يرد، ظهر إشعار جديد على موبايله.
رسالة من إيلينا.
فتحها بإيد مرتعشة.
كانت جملة واحدة فقط:
“استمتع بالأيام اللي فاضلة من الرحلة يا ياسين… لأن أول ما ترجع مصر، هتعرف إن اللي حصل في المستشفى كان مجرد بداية.”
ولأول مرة من بداية الرحلة، ياسين حس بالخوف الحقيقي.
لكن اللي ما كانش يعرفه إن ماركوس اكتشف أثناء مراجعة الحسابات تحويلًا ماليًا ضخمًا تم قبل السفر بأيام…
تحويلًا لم يكن ياسين وحده المستفيد منه!
والصدمة إن اسم الشخص التاني كان موجودًا في قائمة أقرب الناس لإيلينا…
يتبع في الجزء الثالث…
الجزء الثالث: الخيانة اللي كانت مستخبية ورا ضهري
في صباح اليوم التالي، كنت لسه في المستشفى، والدكتورة ليلى مصممة إني أفضل تحت الملاحظة لمدة يومين على الأقل.
كنت تعبانة جسديًا، لكن النوم كان مستحيل.
كل ما أغمض عيني، أشوف صورة ياسين وندى وأبويا وأمي، وأفتكر إني كنت في نفس اللحظة بحارب علشان أعيش، وهما بيحتفلوا بعيدًا عني.
حوالي الساعة التاسعة صباحًا، وصل ماركوس للمستشفى.
دخل الأوضة ومعاه حقيبة جلدية سوداء، وملف كبير.
وقف جنبي وقال باحترام:
“صباح الخير يا مدام إيلينا. أتمنى تكوني أحسن النهارده.”
قلت له:
“اتفضل يا ماركوس. عايزة أعرف وصلتوا لإيه.”
حط الملف على الترابيزة وفتحه.
قال:
“راجعنا كل المعاملات المالية اللي تمت خلال الفترة الأخيرة، واكتشفنا حاجة أخطر من استخدام البطاقة في الرحلة.”
رفعت عيني ليه.
“إيه هي؟”
أخرج ورقة وحطها قدامي.
“قبل سفر ياسين بثلاثة أيام، تم تحويل مبلغ 2 مليون و800 ألف دولار من أحد الحسابات الاستثمارية التابعة للشركة إلى حساب خارجي.”
اتسعت عيناي.
“مين اللي وافق على التحويل؟”
ماركوس قلب الورقة ناحيتي.
“العملية تمت باستخدام صلاحيات ياسين، لكن المفاجأة إن المستفيد النهائي مش ياسين.”
سألته:
“مين؟”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“والد حضرتك… الأستاذ حسين.”
حسيت إن الأوضة بتلف بيا.
أبويا؟
الرجل اللي كان دايمًا بيقول لي إنه فخور بيا، وإن نجاحي هو نجاح العيلة كلها؟
قلت بصوت ضعيف:
“إنت متأكد من الكلام ده؟”
رد ماركوس:
“راجعنا المستندات أكتر من مرة. وفيه توقيع إلكتروني مرتبط بحسابه الشخصي.”
حطيت إيدي على صدري.
مش مصدقة إن الخيانة وصلت للدرجة دي.
سألته:
“طب الفلوس دي راحت فين؟”
فتح ماركوس ورقة تانية.
“جزء منها اتحول لحساب شركة عقارية في القاهرة، والباقي اتوزع على حسابات تانية. وإحنا بنحاول نحدد المستفيدين النهائيين.”
فضلت ساكتة.
وبعدين سألته:
“هل أمي كانت تعرف؟”
رد بحذر:
“لسه ما عندناش دليل مباشر على مشاركتها، لكن اسمها ظهر في مراسلات مرتبطة بالعملية.”
غمضت عيني.
كنت محتاجة أصدق إن فيه حد واحد على الأقل من عيلتي ما شاركش في اللي حصل.
لكن حتى الأمل ده بدأ يختفي.
في نفس الوقت، داخل المنتجع في هاواي، كانت الأمور بتخرج عن السيطرة.
ياسين كان بيتنقل بين مكالمات المحامين والبنوك، وندى قاعدة في الجناح الرئاسي مش قادرة تفهم إزاي الرحلة اللي بدأت كأنها حلم اتحولت لكابوس.
أمي دخلت عليه وقالت:
“إنت لازم تتصرف يا ياسين. إحنا مش هنفضل هنا من غير فلوس!”
رد بعصبية:
“ما أنا بحاول! إيلينا جمدت كل حاجة!”
أبويا كان قاعد بعيد، وبيحاول يتصل بحد من معارفه.
فجأة، ياسين سمع صوت أبويا وهو بيقول في التليفون:
“أنا قلت لك الفلوس هتوصل! مش عايز أي تأخير.”
ياسين بص له باستغراب.
بعد ما أبويا قفل المكالمة، سأله:
“إنت بتكلم مين؟”
رد أبويا بسرعة:
“موضوع شغل، مالكش دعوة بيه.”
ياسين قرب منه وقال:
“إنت كنت عارف إن إيلينا هتكتشف التحويل؟”
وش أبويا اتغير.
“إنت بتقول إيه؟”
ياسين رفع صوته:
“الـ2 مليون و800 ألف دولار اللي اتحولوا لحسابك! كنت عارف إن الفلوس دي من الشركة؟”
أمي قامت من مكانها.
ندى وقفت هي كمان.
أما أبويا، ففضل ساكت للحظات، وبعدين قال:
“إيلينا عندها فلوس أكتر من اللي تقدر تصرفه في عمرها كله. وإحنا عيلتها، ومن حقنا نستفيد من نجاحها.”
ياسين ضحك بسخرية.
“ومن حقنا؟ إنت فاهم إن ده ممكن يدخلنا كلنا في مشكلة قانونية؟”
أبويا رد بغضب:
“إنت كنت موافق على كل حاجة! متجيش دلوقتي تعمل نفسك بريء!”
الكلمات دي خلت ندى تبص لياسين بصدمة.
“يعني إنت كنت عارف؟”
ياسين ما ردش.
ندى رجعت خطوة لورا.
“إنت قلت لي إن إيلينا وافقت على كل المصاريف!”




