منوعات

الطائرة بقلم محمد عبده

الجزء الثاني

بصتلي صوفي بابتسامة بريئة، وقالت:

— عندي ست سنين يا عمو، وهكمل سبعة بعد شهرين!

حسيت إن قلبي وقف للحظة.

ست سنين!

يعني عمرها تقريبًا هو نفس الفترة اللي فاتت من يوم ما انفصلت عن ليلى.

حاولت أخفي ارتباكي وسألتها:

— وإنتِ مسافرة مع ماما لوحدكم؟

هزت راسها بحماس وقالت:

— أيوه، ماما رايحة تشتغل، وأنا معاها. هي دايمًا بتقولي إني لازم أكون شاطرة علشان هي بتتعب عشاني.

الكلام كان بسيط، لكن كل كلمة منه كانت بتوجعني.

رفعت عيني ناحية ليلى، وقلت بصوت منخفض:

— ليلى… ممكن نتكلم؟

ردت من غير ما تبصلي:

— مفيش بيني وبينك كلام يا آدم.

— أرجوكي، خمس دقايق بس.

— إنت مالكش حق تطلب مني أي حاجة بعد كل السنين دي.

داليا كانت بتتابع الموقف من بعيد، وفجأة تدخلت وهي بتشدني من دراعي:

— آدم، إيه اللي بيحصل؟ إنت تعرف الست دي؟

بصتلها وقلت:

— أيوه، دي ليلى… مراتي السابقة.

اتغيرت ملامح داليا للحظة، لكنها حاولت تستعيد هدوءها بسرعة.

— وإيه يعني؟ دي مجرد مضيفة طيران، وإحنا عندنا اجتماع مهم. مش ناقصة مشاكل شخصية.

ليلى سمعت كلامها، لكنها ما ردتش.

رجعت لصوفي، وعدلت لها البلوفر، وطلبت منها تقعد مكانها لحد ما تخلص شغلها.

أما أنا، ففضلت طول الرحلة مش قادر أبعد عيني عن البنت.

كل ما كانت تضحك، كنت بحس إني شفت الضحكة دي قبل كده.

وكل ما كانت تحرك إيديها وهي بتتكلم، كنت أفتكر نفسي وأنا صغير.

لكن السؤال اللي كان بيطاردني:

هل ممكن تكون صوفي بنتي فعلًا؟

بعد ما الطيارة وصلت، استنيت ليلى عند باب الخروج.

كانت ماسكة إيد صوفي وبتحاول تعدي وسط الركاب.

ناديت عليها:

— ليلى!

وقفت، لكنها ما لفتتش.

قلت:

— البنت دي… بنتي؟

لفت وشها ناحيتي ببطء.

نظرتها كانت مليانة وجع وغضب مكبوت.

قالت:

— دلوقتي افتكرت إنك ممكن تكون أب؟

حسيت إن الكلام نزل عليّ زي الصاعقة.

— يعني هي فعلًا بنتي؟

ليلى بصت لصوفي، وبعدها رجعت بصتلي.

— مش هنا يا آدم. مش قدام بنتي.

وبعدين كملت طريقها.

حاولت ألحقها، لكن داليا وقفت قدامي وقالت بعصبية:

— إنت فقدت عقلك؟ هتسيبني واقفة هنا وتروح ورا واحدة كانت متجوزاك من سبع سنين؟

بصيتلها وقلت:

— محتاج أفهم الحقيقة.

ردت بسخرية:

— الحقيقة إيه؟ الست دي رجعت تظهر في حياتك فجأة، وإنت صدقتها من غير ما تعرف هي عايزة إيه؟

ما رديتش.

لأول مرة، كلام داليا ما كانش قادر يقنعني.

في المساء، رجعت الفندق، وفضلت قاعد لوحدي بالساعات.

فتحت ألبوم الصور القديم على تليفوني، وبدأت أتفرج على صور زفافي من ليلى.

كنت فاكر إن حياتنا انتهت بسبب الصور اللي وصلتني وقتها، واللي خلتني أصدق إنها كانت بتقابل راجل تاني من ورايا.

لكن كان فيه تفصيل عمري ما اهتميت بيه.

الصور وصلتني من عنوان بريد إلكتروني مجهول.

وفي نفس الفترة، ليلى حاولت تتواصل معايا أكتر من مرة، لكن كل رسائلها كانت بتختفي قبل ما أشوفها.

ساعتها حسيت إن فيه حاجة مش طبيعية.

فتحت اللابتوب واتصلت بمدير قسم تكنولوجيا المعلومات في شركتي.

قلتله:

— محتاج منك خدمة مهمة، وعايزك تراجع أرشيف الإيميلات القديم بتاعي من ست سنين.

سألني:

— حضرتك بتدور على حاجة معينة؟

قلت:

— كل الرسائل اللي اتبعتتلي من عناوين مجهولة، وكل الرسائل اللي كانت جاية من ليلى منصور، خصوصًا في الفترة اللي حصل فيها الانفصال.

بدأ الموظف يشتغل، وبعد حوالي ساعة اتصل بيا تاني.

كان صوته مختلف.

قال:

— يا فندم، إحنا لقينا حاجة غريبة جدًا.

اعتدلت في قعدتي وسألته:

— إيه هي؟

رد بتردد:

— فيه مجموعة رسائل من حضرتك ما وصلتش لحضرتك أصلًا، وفيه رسائل تانية اتعملها تحويل تلقائي لحساب مختلف قبل ما تظهر في صندوق الوارد.

سألته بقلق:

— والحساب ده بتاع مين؟

سكت ثواني، وبعدين قال:

— محتاج أراجع البيانات النهائية، لكن فيه اسم متكرر في سجلات الوصول للرسائل.

— مين؟

قال الاسم اللي خلاني أحس إن كل حاجة حواليا بتدور:

داليا الشافعي.

قفلت المكالمة، وفضلت باصص للشاشة.

خطيبتي الحالية كانت مديرة العمليات في شركتي، والست اللي كنت ناوي أكمل معاها حياتي.

لكن إيه علاقتها برسائل مراتي السابقة من ست سنين؟

وقبل ما أقدر أستوعب اللي حصل، وصلتني رسالة جديدة من موظف تكنولوجيا المعلومات.

كان مرفق معاها ملف قديم، وتحت الملف جملة واحدة:

«يا فندم، لازم تشوف الرسالة دي بنفسك… لأنها ممكن تثبت إن كل اللي حضرتك صدقته عن ليلى كان كذبة كبيرة.»

فتحت الملف…

ولقيت رسالة قديمة من ليلى، بتاريخ قبل انفصالنا بأيام.

لكن أول سطر فيها كان كفيل يغير كل حاجة:

«آدم، أنا حامل… وفيه حد بيحاول يمنعني أوصلك الحقيقة!»

يتبع… 👇
الجزء الثالث

فضلت باصص للشاشة، وقريت الرسالة مرة واتنين وعشرة، وكأني مش قادر أصدق الكلام اللي قدامي.

«آدم، أنا حامل… وفيه حد بيحاول يمنعني أوصلك الحقيقة!»

إيدي كانت بتترعش.

ليلى كانت حامل وقت ما انفصلنا!

يعني صوفي ممكن تكون بنتي فعلًا، وأنا قضيت ست سنين من عمري مش عارف إن عندي بنت!

نزلت لتحت في الرسالة، وبدأت أقرأ باقي الكلام.

«آدم، حاولت أكلمك أكتر من مرة، لكن تليفونك مقفول في وشي، وكل ما أبعتلك رسالة ما بتوصلش. أنا مش عارفة إيه اللي بيحصل، لكن فيه حد بعتلي صور مزيفة وبيحاول يخليني أصدق إنك بتخدعني.

أنا عارفة إنك ممكن تكون شفت الصور اللي وصلتك، لكن أقسم لك إن الراجل اللي ظاهر فيها زميل قديم، والصور اتاخدت في مناسبة خاصة بالشغل.

أنا مش بطلب منك تصدقني من غير دليل، أنا بس بطلب منك تسمعني مرة واحدة.

أنا حامل في طفلك، ومش عايزة بنتنا تكبر وهي محرومة من أبوها بسبب كذبة.»

حطيت إيدي على وشي.

كنت فاكر نفسي طول السنين دي ضحية خيانة، لكن الحقيقة كانت ممكن تكون عكس كل اللي صدقته.

اتصلت بمدير تكنولوجيا المعلومات فورًا.

قلتله:

— عايز أعرف كل التفاصيل. مين دخل على حسابي؟ ومين حوّل الرسائل؟ ومين كان عنده صلاحية الوصول؟

رد بحذر:

— يا فندم، إحنا لقينا إن فيه تحويلات اتعملت من جهاز كان متصل بشبكة الشركة، وكان مستخدم في مكتب الإدارة وقتها.

— والجهاز ده كان بتاع مين؟

— السجلات القديمة بتشير إنه كان جهاز داليا الشافعي.

حسيت بصدمة كبيرة.

داليا!

الست اللي كنت ناوي أتجوزها بعد شهرين!

طلبت منه ما يواجههاش بأي حاجة، وإنه يحتفظ بكل السجلات والرسائل زي ما هي.

بعد المكالمة، حاولت أتصل بليلى.

المرة الأولى ما ردتش.

المرة التانية قفلت المكالمة.

وفي المرة التالتة وصلني منها رد قصير:

«لو سمحت، سيبني أنا وبنتي في حالنا. إحنا تعبنا كفاية.»

ما قدرتش ألومها.

أنا اللي طردتها من حياتي، وأنا اللي رفضت أسمع منها، وأنا اللي سمحت لشكوك من غير دليل إنها تهدم بيتنا.

لكن كان لازم أعرف الحقيقة كاملة.

في صباح اليوم التالي، اتصلت بليلى وطلبت منها نقابل بعض في مكان عام.

بعد تردد طويل، وافقت.

اتقابلنا في كافيه هادي في الإسكندرية.

كانت صوفي معاها، وقاعدة بترسم في كراسة صغيرة، وأرنبها اللعبة جنبها.

أول ما شافتني، ابتسمت وقالت:

— عمو آدم! إنت جيت تاني؟

ابتسمت لها، لكن عيني كانت على ليلى.

قلت:

— محتاج أتكلم معاكي.

ردت ببرود:

— اتفضل.

بدأت كلامي بصعوبة:

— أنا شفت رسالتك القديمة… وعرفت إنك كنتِ حامل.

ليلى سابت فنجان القهوة من إيدها.

وبصتلي باستغراب.

— إنت عرفت الرسالة دي إزاي؟

— طلبت من الشركة تراجع الإيميلات القديمة، ولقينا إن فيه حد كان بيحوّل رسايلك بعيد عن حسابي.

ضحكت ضحكة قصيرة مليانة مرارة.

— بعد ست سنين يا آدم؟

نزلت عيني للأرض.

— عارف إن مفيش اعتذار هيصلح اللي حصل، بس أنا محتاج أعرف… صوفي بنتي؟

ليلى فضلت ساكتة شوية.

وبعدين قالت:

— أيوه، صوفي بنتك.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى